السقوط بنفس المصيدة الإسرائيلية

نزار السهلي
"في غزة وجنوب لبنان والضفة والقدس تُطبق سياسة الاقتلاع الكلي للسكان، وهي جرائم حرب وإبادة"- الأناضول
"في غزة وجنوب لبنان والضفة والقدس تُطبق سياسة الاقتلاع الكلي للسكان، وهي جرائم حرب وإبادة"- الأناضول
شارك الخبر
المعيار الأساسي في تقدير قضية فلسطين عربياً، هو مقدار أثر السياسة العربية المباشر وغير المباشر في التصدي للعدوان على الشعب الفلسطيني وأرضه، وفي التصدي للمطامع الصهيونية على الكل العربي، وكل ما من شأنه تدعيم صمود الشعب الفلسطيني؛ هي بدون شك معايير أثبتت مع جرائم الإبادة المستمرة وسياسات التطهير العرقي والاستيطان والتهجير، أنها بلا أثر ولا فاعلية، بحيث أصبح حرمان الفلسطينيين من أي مكسب معنوي وسياسي ومادي، ضمن مبادئ وأهداف عربية إسرائيلية أمريكية مشتركة، استطاعت من خلالها إسرائيل فرض معادلة "التعب والانفكاك" على العرب من قضية فلسطين، ومن مقاومة العدوان الاسرائيلي على العرب أنفسهم، عبر فرض الغطرسة والقوة والدمار والابتزاز وصولاً للتطبيع المجاني معها وقبول "سلام القوة".

ومن كثرة أخبار العدوان الإسرائيلي، لم يعد التنبؤ بمعرفة ردة الفعل المواجهة لتلك السياسات تثير أحداً في الشارع العربي الذي أصبح بدوره مدمناً على الصمت عليها والقهر منها، بدون تحريك ساكن، فلم نُدهش أو نستغرب عندما ألغى وزير مالية الاحتلال بتسلئيل سموتريتش اتفاق الخليل لعام 1997، والسيطرة على الحرم الإبراهيمي في المدينة، والعزم على وضع خطط استيطانية جديدة، ليس لأن خبر التقدم بقانون في الكنيست لإلغاء اتفاق أوسلو لعام 1993 مر مرور الكرام، وبدون إثارة ضجة دولية ومحلية، بل لأن العالم العربي والغربي يشاهد منذ أوسلو وإلى اليوم، مسار العدوان الإسرائيلي على الأرض، والفشل في منع جرائم الحرب والإبادة في غزة والسيطرة على الضفة والقدس بالاستيطان والهدم والتهجير.

وأمريكا ليست الوحيدة التي تتبنى سردية حق إسرائيل بالدفاع عن نفسها، فلا تبخل المواقف الغربية في رفع نفس الشعار ولا تتقاعس عن مد يد العون للمشاركة في الجرائم الإسرائيلية

تصريحات قادة الحكومة الإسرائيلية، مع خطط وقوانين الضم والاستيطان والتوسع وتهجير السكان وقتلهم ونسف ممتلكاتهم، والاستمرار في ارتكاب الجرائم التي تحض على تنفيذ هذه السياسات، تصاحبها في بعض الأحيان حالة من الامتعاض منها، أو في أحسن الأحوال تصنيف بعض عصابات المستوطنين بأشخاص غير مرغوب بزيارتهم لبعض العواصم، أو الغضب على الطريقة الأمريكية من السياسة الإسرائيلية، كالقول إن من حق إسرائيل الدفاع عن نفسها، لكن عليها مراعاة أعداد الذين تذبحهم أو تقتلهم بقذائف أمريكية نزود بها الجيش الإسرائيلي".

وأمريكا ليست الوحيدة التي تتبنى سردية حق إسرائيل بالدفاع عن نفسها، فلا تبخل المواقف الغربية في رفع نفس الشعار ولا تتقاعس عن مد يد العون للمشاركة في الجرائم الإسرائيلية.

لا تُؤخذ إجراءات الحكومة الإسرائيلية وسياساتها على أنها تهديد جدي للمنطقة العربية للسلام المزعوم، فدعوة وزير أمن الاحتلال الفاشي بن غفير لحرق كل لبنان، أكثر من كافية لمعرفة الطبيعة الفاشية للسياسة الإسرائيلية. ففي غزة وجنوب لبنان والضفة والقدس تُطبق سياسة الاقتلاع الكلي للسكان، وهي جرائم حرب وإبادة، وتناقض دعوات النفاق الدولي للتهدئة وخفض التصعيد، والتمسك بمبادئ السلام. فسياسة إسرائيل في الهروب إلى الأمام بالعدوان والتوسع، نسفت هذه الركائز، فإذا كان مصير أوسلو الشطب الكلي، ومصير السلطة الفلسطينية نفسها التكبيل الذاتي في مقر المقاطعة، وكل ما حولها من أرض وسكان يتقلص، يصبح السؤال عن مصير ما ابتهج له العرب مؤخراً في احتفالية "مبادرة ترامب للسلام" في غزة، وإلى ما صارت عليه دولة المستوطنين في الضفة التي تبتلع الدولة الفلسطينية الموعودة وحلولها.

ردة الفعل الإقليمية والدولية نحو السياسة الاستعمارية لإسرائيل، لم تتبلور في مواقف سياسية لها طابع الحدة والجدية، ولا المواقف العربية شكلت رافعة فعلية لإسناد الفلسطينيين، وهي شواهد فجة لجملة مواقف غائبة مع جامعة عربية لها فعل الأموات في لحظات مصيرية. والسؤال: هل ذلك مرتبط بجولة العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران ورد الأخيرة بتهديد الأمن العربي؟ بالطبع لا، فوقف إطلاق النار بين طهران والولايات المتحدة أُنجز بتفاهم على مفاوضات قادمة، لكن فيما يتعلق بالعدوان الإسرائيلي نفسه، والموقف من احتلال غزة وكل الضفة والقدس، والتوسع في لبنان وسوريا، ومضي إسرائيل في إلغاء اتفاق أوسلو والخليل، وإلغاء اتفاق الهدنة مع سوريا وابتلاع للخط الأزرق في جنوب لبنان، وتدمير مدن وقرى جنوبية؛ يعود معها شطط مواقف عربية من هذا العدوان، تفسيرا وتحميلا للمسؤوليات وتقديرا للأعذار الإسرائيلية للصمت عن العدوان، مع مواقف مختلة من الاحتلال وجرائمه.

أما إذا كانت هناك جريمة إسرائيلية لا يُحتمل تبريرها، فتحضر ديباجات جاهزة، إما لانتقادها أو شجبها، لكنها لم ترتق عربياً لا في الحاضر ولا في الماضي إلى فرض أجندة عربية بمقدورها حماية الذات، أو مواقف يمكن التعويل والرهان عليها، مع أن تجريب خمسة أو ستة عقود منها جلب للقضايا العربية مزيدا من الخسائر يُدفع ثمنها لليوم.

إسرائيل تناقش العرب والفلسطينيين بالدم والنار والجرائم والتوسع، والعرب يناقشون الفلسطينيين بسيف التقشف والتخاذل، ويناقشون أمريكا بإسهاب الزحف نحو التطبيع مع إسرائيل

السلام لم يتحقق في المنطقة مع سياسات عربية لم تعد تمتهن حتى شجب العدوان على شعوبها واستنكار جرائم المحتل، وتتمسك بخوض معارك وهمية مع مجتمعاتها، للتحلل من قضية فلسطين. فالتخلي العربي عن سلاح مقاطعة إسرائيل ومعاقبتها وحصارها، يحقق مزيدا من الخسائر للقضية الفلسطينية ولسيادة عربية، ويمنح المجرم إفلاتا مستمرا من العقاب وتشجيعا على شن العدوان والتوسع.

من السخرية التي تثير الدمع، أن ما يحدث في فلسطين ولبنان وسوريا أكبر من الكارثة، والغريب غياب عربي مقصود ويقتصر على دور "وسيط" استخباري يمنع الحرج عن النظام العربي من الانتشار الهائل للجرائم الإسرائيلية، والعدوان المتسع الذي يعتبره البعض سياقاً طبيعياً لمحاربة "إرهاب" من يعكر صفو التطبيع والسلام في المنطقة. هكذا تضيع القضايا العربية وعلى رأسها قضية فلسطين وحقوق شعبها في زمن انهيار المبادئ والأخلاق والعدالة، والاكتفاء بتقديم عرض إخباري ونقاش مَن هو الأكثر خطراً؛ إسرائيل المنظومة الاستعمارية أم من يقاومها؟

إسرائيل تناقش العرب والفلسطينيين بالدم والنار والجرائم والتوسع، والعرب يناقشون الفلسطينيين بسيف التقشف والتخاذل، ويناقشون أمريكا بإسهاب الزحف نحو التطبيع مع إسرائيل. فإسرائيل لم تعد ممنوعة التداول كشريك وحليف في أروقة السياسة العربية، والذي أصبح ممنوعاً على الفلسطيني وقضيته، والتضامن معه بات من الوسائل المضرة بالأمن القومي العربي، والدليل راقبوا الجامعات والنقابات والمؤسسات والشوارع العربية ومقارنتها مع نشرات إخبارية رسمية ووجهات نظر لنخب ومثقفين ينظرون لإسرائيل كحليف، واسألوا عن مصير المتضامنين مع فلسطين ومن يجرؤ على الاحتجاج على جرائم إسرائيل والغضب منها في شوارع ومجتمعات استحكم القمع والقهر منها تحت أنظمة وسياسات تصر على الوقوع بنفس الشرك الذي نصبته إسرائيل وأمريكا للعرب والفلسطينيين، وكلما حاولوا النجاة منه يكبلون أنفسهم وشعوبهم بنفس المصيدة التي تقدمها أمريكا لهم ويصفدون أنفسهم بها.

x.com/nizar_sahli


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)