من العقلنة إلى الإبادة.. كيف كشفت الحداثة وجهها المظلم؟ قراءة في كتاب

يُعتبر "الحداثة والهولوكوست" دراسة سوسيولوجية وتاريخية دقيقة عن جوهر الحداثة الغربية، ومحاولة جريئة في تفكيك القوالب الجاهزة وتفنيد القراءات التي تختزل الإبادة في سياق ضيق..
يُعتبر "الحداثة والهولوكوست" دراسة سوسيولوجية وتاريخية دقيقة عن جوهر الحداثة الغربية، ومحاولة جريئة في تفكيك القوالب الجاهزة وتفنيد القراءات التي تختزل الإبادة في سياق ضيق..
شارك الخبر
في كتابه "الحداثة والهولوكوست"، يقدم الفيلسوف وعالم الاجتماع زيغمونت باومان رؤية جريئة حول واحدة من أكثر الفواجع التاريخية التي شهدها القرن العشرين. يتجاوز باومان الطرح التقليدي الذي يقتصر على اعتبار الهولوكوست حدثًا شاذًا أو مرتبطًا بألمانيا وحدها، ليقدّم قراءة سوسيولوجية تربط بين هذه الإبادة الجماعية وبين عناصر الحداثة الغربية نفسها، من عقلنة وبيروقراطية وتقنيات تنظيمية.

ومن خلال هذا التحليل، يكشف الكتاب كيف يمكن لفهم أعمق للبنية الاجتماعية والسياسية أن يساعد على تفسير الأسباب التي جعلت وقوع العنف الجماعي ممكنًا، مع التأكيد على الطابع الإجرامي للهولوكوست والمسؤولية الكاملة للنظام النازي، بعيدًا عن أي تقليل أو إنكار لفداحة الجريمة.

زغمونت باومن فيلسوف وعالم اجتماع اشتراكي، وصاحب نظرية "الحداثة السائلة". تأثر كثيرا بغرامشي وجورج زيمل، ويُعدُّ من ابرز المفكرين في مجال النظرية النقدية دون أن ينتمي إلى مدرسة فرانكفورت. "الحداثة السائلة" ترجمه حجاج أبو حيدر ودينا رمضان وقدّمه عزمي بشارة، وهو صادر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الطبعة الأولى، بيروت أيلول/سبتمبر 2019، ويقع في 420 صفحة.

هل الهولوكست حدث عرضي وشاذ في التاريخ الأوروبي أم هو حدث مرتبط بألمانيا بشكل حصري وناتج عن نوعية التيارات القومية التي نشأت فيها في تلك الفترة؟

إن وجه الجِدّةِ والطرافة في الكتاب هو أنّ صاحبه يتجاوز الرهبة القائمة في وجدان الباحثين الغربيين في تناول موضوع الهولوكوست بأدوات العلوم الاجتماعية. يُرِجعُ الكاتب هذه الرهبة إلى خشية بعض الباحثين من أن يقود التحليل السوسيولوجي إلى استنتاج مفاده أنّ ظاهرة الإبادة الجماعية ليست بالضرورة نقيضًا تامًا للحضارة الغربية الحديثة، بل يمكن فهمها أيضًا بوصفها إحدى إمكاناتها القصوى في ظروف معينة. هذا الحرج هو ما غلّب المقاربة الحداثوية للهولوكست التي ترى فيه مجرد شذوذ وانحراف عن جوهر التحديث بما هو عقلنة وتمدين.

أمّا زغمونت باومان فهو يسلكُ في هذا الكتاب مسلكا مُتوعرا ويأتي قولا مُبتكرا فيما يخص الهولوكوست. إنّ الهولوكوست عنده ليس حدثا عَرضيا وشاذا في التاريخ الغربي، ولا هو لصيق بألمانيا وحدها، كما لا يمكن اختزاله فقط في معاداة السامية أو في كونه واقعة منفصلة عن السياق التاريخي الأوسع. بل يرى أنه يرتبط ببُنى الحداثة ذاتها، في إطار تحليلي يسعى إلى فهم الشروط التي جعلت وقوعه ممكنًا، دون إنكار طابعه الإجرامي والاستثنائي.

إنّ هذا التكرار والتواتر هو ما يجعل من الهولوكست ظاهرة غربية بالمعنى الإبستمولوجي للكلمة، وهو ما يسمح بالتالي بدراستها من طرف علم الاجتماع. إنّ وجه الطرافة والخطورة في هذه الأطروحة يكمن في محاولة قراءة واقعة الهولوكوست خارج التوظيفات السياسية الضيقة أو حصرها في سردية واحدة، وكذلك تجاوز اعتبارها مجرد حادث عرضي، بما يفتح المجال لفهم أوسع لمختلف أشكال العنف الجماعي في التاريخ الحديث.

إنّ جعل الإبادة نتيجة حتمية للعنصرية القائمة على علوم و"عقلانيات" عنصرية هو ما سمح للكاتب بتجاوز بعض التفسيرات الاختزالية التي تحصر الجريمة في سياق قومي ضيق أو في جماعة بعينها، دون النظر إلى السياقات الفكرية والتاريخية الأوسع التي ساهمت في إنتاجها. "لقد كان رُوّاد العلم الأجلاّء الذين قلّ ما وضعهم الناس في قائمة روّاد العنصرية" يُسلمون بالتفوق الموضوعي والملموس الذي يتمتع به الغرب دون سائر الأمم على وجه الأرض..
إنّ جعل الإبادة نتيجة حتمية للعنصرية القائمة على علوم و"عقلانيات" عنصرية هو ما سمح للكاتب بتجاوز بعض التفسيرات الاختزالية التي تحصر الجريمة في سياق قومي ضيق أو في جماعة بعينها، دون النظر إلى السياقات الفكرية والتاريخية الأوسع التي ساهمت في إنتاجها. "لقد كان رُوّاد العلم الأجلاّء الذين قلّ ما وضعهم الناس في قائمة روّاد العنصرية" يُسلمون بالتفوق الموضوعي والملموس الذي يتمتع به الغرب دون سائر الأمم على وجه الأرض..

كيف كان موقف المجالس اليهودية خلال عمليات الترحيل والإبادة؟ يجيب الكاتب مُقتبسا جملة شهيرة وصادمة لــ "حنة أرندت": "لولا تعاون الأفراد اليهود وحماسة المجالس اليهودية، لكان عدد ضحايا الهولوكوست أقل". يورد الكاتب هذا النقاش في سياقه التاريخي، باعتباره جزءًا من جدل أكاديمي معقّد حول أدوار الفاعلين في تلك المرحلة، مع التأكيد على أن المسؤولية الأساسية عن الجريمة تبقى على عاتق النظام النازي وسياساته الإبادية.

يتساءل الكاتب عن الاستراتيجية العقلانية التي جعلت بعض النخب اليهودية تتعاون مع السلطة النازية في سياق التهجير والإبادة، ويُرجع ذلك إلى ظروف القسر والعنف الشديدين، بما في ذلك تفكيك البنى القيادية وإضعاف القدرة على المقاومة.

وعلى القارئ أن يرى ما يحدث الآن على ضوء ما حدث في منتصف القرن الماضي، ومدى تعقيد الخيارات التي واجهها الضحايا في ظل ظروف قسرية قصوى، دون إسقاطات تبسيطية أو أحكام عامة.

يُعتبر "الحداثة والهولوكوست" دراسة سوسيولوجية وتاريخية دقيقة عن جوهر الحداثة الغربية، ومحاولة جريئة في تفكيك القوالب الجاهزة وتفنيد القراءات التي تختزل الإبادة في سياق ضيق، سواء بجعلها مشكلة ألمانية بحتة أو حصرها في إطار تاريخي محدد، بينما يسعى الكاتب إلى فهمها ضمن سياق أوسع للحداثة.
التعليقات (0)
الأكثر قراءة اليوم