تقارير

تكوين الذهنية الشرعية.. من التقليد والتلقين إلى النقد والتحليل

كتاب يطالب بدعم الدراسات والبحوث التي تدعو للتغيير والتجديد بالنقد والحوار
كتاب يطالب بدعم الدراسات والبحوث التي تدعو للتغيير والتجديد بالنقد والحوار
يغلب على التعليم الديني الشرعي السائد، سواء ما كان منه في الجامعات والمعاهد الدينية، أو الحلقات المسجدية المشيخية، تكريس نسق تلقي العلم وتدريسه وفق نمطية التقليد والتلقين، المتمثلة بحفظ المتون نظما أو نثرا في كل علم من العلوم الشرعية، على حساب تكوين الملكة العلمية بإكساب طلبة العلم منهجية البحث والنظر، ما يرفعهم إلى مقام الاستدلال والاستنباط.

التعليم الديني الشرعي، الأكاديمي منه أو المسجدي، يُكرس في نمطيته السائدة تعظيم جانب حفظ المتون، ومدارسة شروحاتها المتكاثرة، بطريقة تقليدية، تخرج طلبة يحفظون تلك المتون بشروحاتها النمطية، من غير أن تُعنى في مخرجاتها النهائية بتخريج طلبة علم قادرين على النقد والتحليل، وترقى بهم إلى مستويات أعلى بالنظر المستقل كطلبة علم مؤهلين للقيام بذلك.

ولا يبعد هذا الوصف عن مساقات الدراسات الشرعية العليا، في مراحل الماجستير والدكتوراه، فهي ـ في غالبها ـ تنتهج ذات النهج، إذ تكرس ذهنية التقليد والتلقين، ولا تعدو في أعدادها المتكاثرة عن ترسيخ منهجية النقل عن أئمتنا السابقين، وإعادة قول ما قيل، وهي تحفل كثيرا بالأطر والإجراءات الأكاديمية الشكلية، على حساب المضمون والإضافية النوعية الحقيقية، وتُعنى عناية خاصة بالكم على حساب الكيف، وهو ما يضخم حجم تلك الرسائل، والتي عادة ما يمكن اختصارها إلى ربع أو خمس الشكل الذي تظهر به.

ثمة أصوات لعلماء شرعيين وأساتذة جامعات في كليات الشريعة المختلفة، طالبت وتطالب باستمرار بإصلاح واقع التعليم الديني، وإخراجه من أنماطه التقليدية السائدة، وتلح كثيرا على الاهتمام بالعلوم والمنهجيات والفنون التي تساهم في تكوين الملكة العلمية لطلاب العلم الشرعي، وإكساب الطلبة علم المنهجيات، وتأهيلهم لعملية البحث والنظر المستقل، وهو ما يتطلب الاهتمام بجانب الفهم بكل ما يتطلبه من نقد وتحليل ونظر، إلى جانب الحفظ والتقليد والتلقين.

ثمة أصوات لعلماء شرعيين وأساتذة جامعات في كليات الشريعة المختلفة، طالبت وتطالب باستمرار بإصلاح واقع التعليم الديني، وإخراجه من أنماطه التقليدية السائدة، وتلح كثيرا على الاهتمام بالعلوم والمنهجيات والفنون التي تساهم في تكوين الملكة العلمية لطلاب العلم الشرعي، وإكساب الطلبة علم المنهجيات، وتأهليهم لعملية البحث والنظر المستقل،
في هذا الإطار يخصص الدكتور محمد بن حسين الأنصاري، الكاتب والباحث في الدراسات الأصولية وتاريخ العلوم ومناهج البحث، كتابه "تكوين الذهنية العلمية.. دراسة نقدية لمسالك التلقي في العلوم الشرعية" لدراسة هذه الحالة بمنهجية نقدية تحليلية، تتبع وترصد مسالك تلقي العلوم الشرعية تاريخيا، وتقدم مقاربات لتلك المسالك، تتجلى من خلالها مظاهر النقص والخلل فيها، وهي التي تتعمق جيلا بعد جيلا، وهو ما حفزه لتقديم رؤية بنائية جديدة تعيد تشكيل مسالك تلقي العلوم الشرعية لتلافي مواطن القصور والخلل السائدة فيها، من خلال جملة من الأسس والبدائل الممكنة والمتاحة.

اشتمل الكتاب على مقدمة حدد فيها الموضوع، وأهميته، ومقصده، والمخاطب به، وخطة الدراسة، وتمهيد دار حول المنهجيات (المسالك) التأصيلية في العلوم الشرعية، وثلاثة فصول، خصص الأول لدراسة ظاهرة المتون والمختصرات في العلوم الشرعية، والثاني لـ"مسلك الحفظ والتلقين في التعلم"، أما الفصل الثالث فخصصه لتقديم رؤية بنائية في الأسس والبدائل.

أهمية الموضوع والإضافة فيه

وصف الباحث الأنصاري في تحديده لموضوع الدراسة الذهنية العلمية في الوسط الشرعي العام، وفي محافل التدريس العلمية بأنها تعرضت لأمرين: "الأول: الغلو في صناعة القوالب والأشكال التي يقدّم فيها العلم كالمتون والمنظومات، والثاني: المبالغة في طريقة الأداء والعرض بأسلوب التلقين، والإلقاء التقليدي المباشر".. مشيرا إلى أن الخلل في هذين الأمرين كان له مردود سلبي في تنمية مسائل العلم، وتطويرها بالنقد والتحرير، وعدم الرجوع لمصادره الرئيسة المكوِّنة له ابتداء، ومصنفاته الأصلية الموسعة".

ووفقا للكتاب فإن "مكمن الخطأ ومحله في هذين الأمرين: هو المغالاة فيهما وتكريسهما مع إغفال ما عداهما من مسارات التحصيل وأساليب التعلم الأخرى.. وإقالة الذهن وتعطيله بأغلال من المتون والمختصرات الصناعية؛ تعمقت أكثر بنشر ثقافة التلقين، وجعل الذهن وعاء لتخرين آراء الآخرين ممثلة في ألغاز مُغلقة منثورة كانت أو منظومة؛ مما ساهم في إضعاف العقل النقدي والتحليلي".

وبناء على ما سبق ذكره فإن "موضوع هذه الدراسة يتمحور حول هذه القضية الكلية، وإماطة اللثام عنها، وتسليط الضوء على نتائجها السلبية، والبحث في أسبابها التاريخية والاجتماعية، ومن ثَمّ محاولة إيجاد المقترحات المكوِّنة للذهنية العلمية الفاعلة" إذ إن "الخلل في الساحة العلمية الشرعية وإن كان ناتجا في الظاهر من عدم الاتزان والتكامل في مناهج تحصيل العلم وطرقه، إلا أنه في حقيقة الأمر ربما يقال: إن مصدره ومنطلقه هو الذهنية التي تتعاطى مع العلم؛ لأنها ألِفَت مسارا واحدا واعتادت عليه، ورأت من تتابع العصور عليه موجبا للزومه وعدم الخروج عنه، فضلا عن نقده وتعديله".

وحتى لا يقال إن الباحث يقلل من قيمة حفظ المتون نظما ونثرا، نبه إلى أن "المتون، وكذا الحفظ أمران لازمان لا يمكن الاستغناء عنهما البتة لطالب العلم في ابتداء طلبه، ولا يراد بهذا البحث إلغاؤهما بالكلية وأنّى له ذلك، إذ المتون بها يبدأ العلم، ويُبنى في مراحله الأولى، كما أن ثمة علوما لا قيام لها في ذهن المتعلم بغير الحفظ والتلقين، ومن نسب إليَّ إلغاءهما بالكلية فقد أساء وتعدى وظلم".

وعن الجديد الذي يقدمه الباحث في دراسته أشار إلى أنه يقدم في بحثه "معالجة نقدية لبعض الظواهر المؤثرة في تكوين الثقافة السائدة المغالية في اعتماد أساليب السرد والتلقين التقليدي، مما انعكس على تفشي التقليد والجمود الذهني، وسجن العقل في زَبد العلم ومُلحه، كما أن البحث يتضمن تصحيحا لعدد من المفاهيم الفكرية المتعلقة بهذا الأمر.. ويقدم رؤية مقترحة للتطبيق، ومنظومة متكاملة في بناء الذهنية العلمية في الفنون الشرعية، وتقديم إجابات حول السؤالات المتكررة في قضايا التحصيل والطلب من "المتون" وبيان أثرها في العقلية الشرعية".

ظاهرة "المتون والمختصرات" في العلوم الشرعية

أطال المؤلف النفس في التمهيد بين يدي الفصل الأول، والذي أداره على بحث "المنهجيات التأصيلية في العلوم الشرعية، فتناول بالبحث والمناقشة مفهوم المنهجيات وأقسامها، ونشأتها وأسباب شيوعها في عصرنا وأهميتها، وأصولها كالبدء بالكليات قبل الجزئيات وتحقيق البناء والتدرج، واليسر والسهولة" معرفا للمنهجية بأنها تعني "الطريقة والخطة السليمة في الانطلاقة لطلب العلم".

ونبّه الباحث على جملة تنبيهات في فقه المنهجيات منها أنه "لا ينبغي تضخيم مراحل طلب العلم حتى يُظن أن الطالب لا يمكن أن يفهم العلم حتى يتسورها جميعا، فلو اكتفى الطالب بكتاب موجز في كل فن من فنون العلم لكان كافيا على الأقل في ابتداء الطلب وتصور العلم، كما لا يحسن بطالب العلم أن يحبس نفسه في مرحلة معينة ليقرأ عدة متون فيها، ويستظهر شروحها بحجة التأصيل، ويؤخر الانتقال للمرحلة التالية، وكما لا ينبغي لطالب العلم أن يؤخر قراءة الكتب والجرد ويُغلّب الأخذ على الشيوخ إلى الأبد، فالأخذ عن العلماء يكون في ابتداء التحصيل، ثم يبقى الجهد الفردي والاطلاع على تراث السابقين".

في سياق بحثه لظاهرة المتون والمختصرات في العلوم الشرعية، بيَّن الباحث مفهومها وأوصافها، وتتبع تاريخ ظهورها وعوامل تكوينها، ومظاهر قبولها، وجهود العلماء في نقد التعامل الخاطئ مع المتون، كما تناول بالبحث والمناقشة المآخذ على المتون ونتائجها السلبية على العلم والتعليم، كتضييقها لدور الاجتهاد وإغلاقه، ومساهمتها في ترسيخ التقليد، ودورها في نمو بذرة التعصب، وجناية التعصب على العلم، وانحصار العلم في نمط واحد، والإغراق في الجزئيات، وتحول المتون عن غايتها وهدفها..

المتون، وكذا الحفظ أمران لازمان لا يمكن الاستغناء عنهما البتة لطالب العلم في ابتداء طلبه، ولا يراد بهذا البحث إلغاؤهما بالكلية وأنّى له ذلك، إذ المتون بها يبدأ العلم، ويُبنى في مراحله الأولى، كما أن ثمة علوما لا قيام لها في ذهن المتعلم بغير الحفظ والتلقين، ومن نسب إليَّ إلغاءهما بالكلية فقد أساء وتعدى وظلم
ووفقا للكاتب فإن تلك السلبيات "التي يُظن بالمتون تفعيلها وترسيخها في محافل التدريس، وهي كفيلة بوأد القدرات وقتل المواهب في مهدها؛ فينشأ من جراء ذلك جيل فاتر الذهن، خائر العزيمة، لا يقدم إضافات علمية ولا مقترحات عملية في أي مجال"، كما أن الباحث ركز على إظهار "كيف انحرفت جملة من المتون الصناعية عن مسارها؛ وهو تقريب العلم بأسلوب مبسط، وتحقيق التدرج فيه". وبسبب ذلك "أتت الدعوة صريحة بالرجوع إلى علم السلف وترك علم الخلف؛ لأن الاهتمام بالجوهر واللب أولى من الاهتمام بالفروع غير المثمرة، ومعارك الألفاظ".

خصص المؤلف الفصل الثاني لتسليط الضوء على مسلك الحفظ والتلقين في التعلم، فبين اتجاهات الشرعيين في مسلك التلقين والحفظ، وأهمية الحفظ ودور المتون في تنميته وإشاعته، ولأنه يرى أن حفظ المتون والمختصرات مطلوب لطالب العلم، خاصة في بداية طلبه للعلم، شدد على أهمية اقتران الحفظ بالفهم، وأهمية الفقه والتدبر، وهو ما يساهم بصورة فاعلة في تكوين الملكة العلمية، وتأهيل طالب العلم للاستقلال بالنظر، والترقي لدرجة الاستنباط، محذرا من المبالغة في التلقين والإكثار منه على العلم..

رؤية بنائية تكاملية

بعد بيانه لكثير من الجوانب السلبية لمنهجية الحفظ والتلقين السائدة في تلقي العلوم الشرعية في كليات الشريعة، والمعاهد الشرعية، والحلقات المشيخية والمسجدية، وما ينتج عنها من ظواهر سلبية كالجمود والتعصب والانغلاق وضيق الأفق، وغلبة الاجترار والتكرار على الدراسات الشرعية، لا سيما في رسائل الماجستير والدكتوراه، والتي في أغلبها لا تقدم إضافات حقيقية، فقد قدم الباحث رؤية بنائية تتناول الأسس والبدائل لتجاوز كل مظاهر الخلل والنقص في منهجيات الحفظ والتلقين، عبر تفعيل العقلية النقدية وإعمال أدوات ومنهجيات التحليل والتدقيق، والاهتمام بالعلوم التي من شأنها تكوين الملكة العلمية المنتجة، لتتعاطى مع المستجدات بما يناسبها من أحكام واجتهادات.

ولتحقيق ذلك كله دعا المؤلف إلى "تفعيل مبدأ التكامل والتوازن بين الوسائل المحصّلة للعلم"، بتحصيل كل الفوائد المرجوة من حفظ المتون ودراستها، من غير التوقف عند هذه الدرجة، بل تجاوزها إلى ما هو أعلى منها، بالإكثار من القراءة الفردية في الأصول والمراجع، ومن أجل تفعيل ذلك وتحصيله قدم جملة من المقترحات المكوِّنة للذهنية العلمية، في شقيها، المقترحات النظرية والفكرية، والمقترحات العملية والتطبيقية".

في بيانه للمقترحات النظرية والفكرية فقد حذر المؤلف من "الإلف العلمي" بمعنى الركون إلى ما هو سائد في الأوساط الشرعية من الحفظ والتلقين والرضا بذلك والتسليم له، كما أنه دعا إلى "تنمية الملكة العلمية، وهذا يتطلب منهجيات تعلي من شأن النقد والتحليل والنظر والبحث، وعدم الاكتفاء بالحفظ والتلقين".

كما أنه شدد على أهمية البحث والتنقيب والمداومة على ذلك، فالعلم ينمو بذلك ويزداد ويقود إلى توسيع آفاق طالب العلم، وطالب الباحث بإشاعة ثقافة السؤال وعدم التلقين، وهذا من شأنه تفتيح ذهنية طالب العلم، وحفزه على البحث والتنقيب، وعدم الاكتفاء بما يقال بلا اقتناع، وألحّ على ضروة "إبراز الاستدلال العقلي في الخطاب الشرعي".

أما ما يتعلق بالمقترحات العملية التطبيقية، فجاءت كالآتي: "المبادرة لتيسير منهج التعلم، وهجر المتون المقفلة، ودور المحافل العلمية تجاه هذه الظاهرة سلبا أو إيجابا، والانتقاء من مختصرات المتقدمين، ومجاوزة المنهج القائم على شرح المتون لفظة لفظة، والإضافة وإنشاء البديل، والعناية بمقام التدريب والتطبيق".

وختم الباحث الأنصاري دراسته بجملة من التوصيات من أهمها: "دعم الدراسات والبحوث التي تدعو للتغيير والتجديد بالنقد والحوار، وتداولها في الملتقيات العلمية بالنقاش والتحليل، ودعوة المحافل العلمية، وحلق العلم إلى قراءة التراث المتقدم والرجوع إليه، وعدم التضجر من أي نقد للتراث، لا سيما إن كان صادرا من أهله المشاركين فيه، أو كان موضوعيا ومعللا، ومراعاة الواقع المعاصر في اعتماد ما يقرر ويدرس في حلق العلم ومحافل التدريس، وإنشاء مراكز بحثية تُعنى بتطوير الكتب المقررة، وتجديد التراث.. والاستفادة من تجارب الآخرين ونقدهم فيما أصابوا فيه وأحسنوا.. ولو كانوا من المعارضين الألداء، فالحق أحق أن يتبع، ومقتضى العدل الاعتراف بإحسان المحسن".
التعليقات (0)