كتاب عربي 21

لا تصافح.. ولو منحوك الذهب!

جمال الجمل
السوشيال ميديا - article-4-final
السوشيال ميديا - article-4-final
(مفتتح)

أترى حين أفقأ عينيك ثم أثبت دولارين مكانهما.. هل ترى..؟

هي أشياء لا تشترى.

(1)

لا أتفق مع التحليلات التي تضع مشهد المصافحة تحت ما يسمى "دبلوماسية كرة القدم"، ولا أتفق مع تصوير المشهد باعتباره لحظة حياء أدت إلى "مصافحة" توسط لأجلها أمير قطر من أجل إنجاح افتتاح كأس العالم، ومنح قطر صورة أجمل في الحدث الكوني الكبير، فشيطان رأسي يأخذني دوما إلى الأبعاد الاستراتيجية لأي حدث (ولو صغير).

وبرغم أن محاولات التقارب التركي المصري قد بدأت منذ فترة ليست بالقصيرة، إلا أن صورة المصافحة كانت مفاجئة ومثيرة للتعليقات والتحليلات، لأنها تعد تحولا صادما لكل من تابع تصريحات أردوغان عن "الانقلاب في مصر" وعن الانقلابات عموما، وعن الجنرال المصري نفسه، وعن إشارة "رابعة" باعتبارها خطاً (بالدم الأحمر) يمنع لقاء الرجلين على أرضية واحدة. فالخلاف كما تحدث عنه أردوغان دخل في منطقة المبادئ الإنسانية والأخلاقية، وبالتالي لا تسري عليه ما يسري على الخلافات السياسية العابرة، والتي يضعها أردوغان تحت شعار "لا خصومة في السياسة"، مبررا تحولاته الميكافيلية في كثير من المواقف.

(2)

لا أعتب على رئيس يسعى لمصلحة بلاده، فهذا هو الواجب (والتكليف الطبيعي الذي يقتضيه المنصب)، المشكلة عندي في الوسيلة وليس في الهدف، لذلك فإن خصومتي مع ميكافيللي تبدأ من تبريره للوسائل الذي يستخدمها لتحقيق الغايات.
صورة المصافحة كانت مفاجئة ومثيرة للتعليقات والتحليلات، لأنها تعد تحولا صادما لكل من تابع تصريحات أردوغان عن "الانقلاب في مصر" وعن الانقلابات عموما، وعن الجنرال المصري نفسه، وعن إشارة "رابعة" باعتبارها خطاً (بالدم الأحمر) يمنع لقاء الرجلين على أرضية واحدة

وقد نجح السياسيون من أتباع ميكافيللي في وضع السياسة كلها خارج حسابات المبادئ والأخلاق، لكن المثقف أو الكاتب ليس ملزما بما يعتقده السياسي في تبريره للخسّة أو الانقلاب على المبادئ بحجة "تغير المواقف والمصالح"، لأن الفهم الاستراتيجي للسياسة يجب أن ينطلق من "عقيدة ثابتة" يتحرك في إطارها أفراد السلطة التنفيذية من الرئيس إلى أصغر موظف. ومن هذا الفهم أحاول قراءة الصورة في مسارها التاريخي، دون الوقوع في القراءة الفوتوغرافية التي تُعلي من حضور اللحظة على حساب الحركة والمسار، فالرئيسان تحدثا عن الصورة باعتبارها "موشن" وليست "لقطة استاتيكية" نتيجة موقف بروتوكولي اقتضى المجاملة..

التركي قال إنها خطوة أولى من أجل إطلاق مسار جديد بين البلدين، والمصري تحدث عن بداية لتطوير العلاقات الثنائية استنادا إلى عمق الروابط التاريخية التي تربط بلدين وشعبين!

(3)

أحب هذه اللغة الودودة، ويعجبني الحديث عن تآلف الدول وتعاونها من أجل خير شعوبها، لولا أن الواقع الذي عشناه في السياسة والإعلام (حوالي 10 سنوات) يدعونا للتفكير في الأسباب الخفية لتحول الأعداء إلى أصدقاء:

التحليلات العاجلة ركزت على الوساطة القطرية، وأنا لا أقلل منها، مذكرا بحجم أموال الاستثمارات التي قدمتها قطر لإنقاذ العملة التركية في أوقات صعبة، وجودة العلاقات الثنائية التي تعمقت أثناء المقاطعة الشهيرة لقطر بقيادة السعودية، وانتقلت التحليلات (خاصة التركية) إلى مصالح أنقرة في منطقة شرق المتوسط، ورغبتها في كسب مصر من أجل التعاون في هذا الملف على حساب اليونان. ومحفزات التقارب تمتد إلى ملفات تنافسية أخرى آن لها أن تتحول من التنافس والصراع إلى التعاون والتفاوض من أجل الاقتسام بدلا من الاستحواذ، كما هو الحال في ليبيا، وربما منطقة القرن الأفريقي التي حاولت تركيا العثور على موقع قدم فيها من خلال السودان، لولا المتغيرات التي أطاحت بوجودها على البحر الأحمر، وكذلك في تشاد والعمق الأفريقي عموما.

وإذا أضفنا إلى ذلك استجابة الدوحة وأنقرة لوقف الحملات الإعلامية المعادية للنظام المصري والتضييق على المعارضة في الخارج، فإن المشهد يوضح أن هناك متغيرات عميقة تضغط على كل الأطراف لتقديم تنازلات في مواقف كانت تبدو راسخة ومحسومة قبل عامين. لكن هذه الأسباب ليست كل شيء، بل إنها لا تكفي لتبرير التحول الذي يخذل الملايين من جمهور أردوغان كقائد إسلامي يتجاوز الرهان عليه حدود بلده وفقط، حتى أن الإعلام الشعبي على مواقع التواصل قدمه للناس كخليفة عصري للمسلمين العرب، وداعم لتيارات الربيع العربي الساعية على ديمقراطيات مدنية متحررة من لعنة الانقلابات العسكرية وتدخل الجيوش في السياسة.
المشهد يوضح أن هناك متغيرات عميقة تضغط على كل الأطراف لتقديم تنازلات في مواقف كانت تبدو راسخة ومحسومة قبل عامين

وهذا يعني أن الخسائر المعنوية والشعبية لأردوغان أفدح من أي مكاسب انتخابية أو معيشية يمكن أن تحققها المصافحة والمصالحة في الداخل التركي، لأن نظام العدالة والتنمية الذي يتزعمه أردوغان يتبنى نظرية "العمق الاستراتيجي" التي بلورها داود أوغلو، والتي تعتبر أن قيمة تركيا لا تتوقف عند حدودها، لكنها تقاس بتأثيرها في محيط إقليمي أوسع من حدودها بكثير، وبخاصة في المناطق التي كانت تسيطر عليها الدولة العثمانية القديمة.

وهذا يعني أن حديث المكاسب والخسائر يجب أن يبدأ بالاستراتيجي الراكز وليس بالسياسي العابر، وهذا يستدعي إلى الذهن التفكير في "العامل الخفي" الذي يصعب رصده في "دافع واحد"، لأنه ينطلق من رؤية استراتيجية معقدة وشاملة لما يدور من سياسات وتحركات في المنطقة كلها، وباختزال مخل يمكن أن نشير إلى هذا العامل تحت عنوان "ترتيبات الشرق الوسط الجديد". وأعتقد أن هذا العامل يحتاج إلى مفاتيح يدلف منها كل قارئ ليضيف ما عنده من استفسارات أو معلومات أو علامات تعجب، لتوضيح بعض مما أهملته التحليلات التبريرية للمصافحة المريبة

(4)

أذكر أنني في عام 2019 دعوت على شاشة تلفزيون "العربي" إلى ضرورة الحوار المصري التركي، واعترضت على تدخل تركيا في ليبيا من دون التشاور مع مصر وترتيب الخطوات، وكنت أرى أن هناك مصالح كثيرة تفيد الطرفين يجب تنشيط العمل الدبلوماسي من أجل خلق أرضية مشتركة وفهم مشترك للعمل فيها، وصدمني قرار البرلمان التركي بالموافقة على إرسال قوات إلى ليبيا، وهو الفعل الذي قد يؤدي إلى تصعيد عسكري يضر بكل من مصر وتركيا لحساب لاعبين آخرين في الملف الليبي، خاصة وأن السيسي وقف يستعرض جاهزية قواته الجوية في أحد مطارات المنطقة الغربية قرب ليبيا، ردا على التدخل التركي، وبعد عامين تقريبا انتهت الطموحات العسكرية الفردية إلى فراغ وغموض ومكاسب ضائعة ابتلعها المجهول في ليبيا.
لست ضد التقارب المصري التركي، بالعكس كنت (وما زلت أرحب به)، لكنني أدعو إلى تقارب واضح ومفهوم وعادل، يقوم على أسس استراتيجية تخدم مصالح البلدين (حتى لا يتحول التآلف إلى تحالف)، لأنني أكره التحالفات نفسيا وسياسيا، لأنها تقوم على "رذيلة التنمر الدولي"

هذه التذكرة تعني أنني لست ضد التقارب المصري التركي، بالعكس كنت (وما زلت أرحب به)، لكنني أدعو إلى تقارب واضح ومفهوم وعادل، يقوم على أسس استراتيجية تخدم مصالح البلدين (حتى لا يتحول التآلف إلى تحالف)، لأنني أكره التحالفات نفسيا وسياسيا، لأنها تقوم على "رذيلة التنمر الدولي": دول تجتمع في حلف ضد دول أخرى، وتدير سياساتها بمفهوم العصابات والغلبة والمصالح الرخيصة، على حساب التعاون والتآلف وصدقية المرجعية القانونية والأخلاقية للدول.

وهذا سر تحفظي وتخوفي من هذه المصافحة التي تمت على حساب مبادئ واستراتيجيات كثر الحديث عنها وقت الخلاف، ثم سقطت فجأة لأسباب أخطر بكثير مما يتداوله الإعلاميون وتصريحات الساسة من الجانبين..

(5)

ليست لدي معلومات قاطعة عن الترتيبات التي سبقت المصافحة، لكن تقديري أنها لا يمكن أن تتم في الفراغ. من المفهوم أن دولة مثل تركيا لا تتلقى تعليمات مباشرة من دول أخرى، حتى لو كانت أمريكا، وهو ما يظهر في الموقف التركي من انضمام السويد وفنلندا إلى الناتو، لأن الميكافيللية تقتضي أن تحصل على مكسب من أي موقف.

وأردوغان لا يفرط في حصاد المكاسب، لكن طريقته في ذلك تعتمد على قراءته للأوضاع السياسية بشكل جيد، بحيث يستطيع أن يقدم الدور المطلوب الذي يستحق من أجله المكسب. فعل ذلك في الخلاف الأرميني الأذربيجاني، وفعل ذلك في الموقف من الحرب الروسية الأوكرانية، ونجاحه في إجازة اتفاق الحبوب وحصول تركيا على نصيب معتبر من كعكة التجارة في البحر الأسود.

وأعتقد أن قراءته للوضع الإقليمي في الشرق الأوسط، هي الدافع الخفي الشامل الذي مهّد للمصافحة، ليس رغبة في حل الخلاف مع السيسي كرئيس، ولا مع مصر كدولة وشعب، لكن من أجل تشييد جسر متين مع الحلف القوي الذي يتسع في الإقليم، وهو الحلف الذي ترعاه أمريكا وإسرائيل، وبالتالي يجب التفكير في نتائج المفاوضات التركية الاسرائيلية الأخيرة التي انتهت بتنشيط التحالف الاستراتيجي والعسكري بين تل أبيب وأنقرة.
أردوغان صافح السيسي كثمن للمرور إلى التكتل الشرق أوسطي الجديد، باعتباره الواقع الجديد الذي سيعيد تشكيل المنطقة، ويتحكم في أسواقها ومواردها وتوريداتها إلى أوروبا

ويجب التفكير في الخيار التركي بين وضعية إيران كدولة منبوذة من هذا الحلف، وبين الدخول إلى الحلف الجديد (حتى ولو بشكل غير رسمي وغير معلن)، فالواضح أن إسرائيل تلعب دور المايسترو أو دور الملقن الذي يضع الكلام على لسان الممثلين الذين لا يحفظون أدوارهم، وبالتالي فإن مصافحة أنقرة والقاهرة سبقتها مصالحة تركيا والإمارات، وسبقها تجميل العلاقات مع الرياض وإعدام قضية جمال خاشقجي، وتلبية طلبات تقييد المعارضة المصرية في تركيا خاصة في الملف الإعلامي.

وهذا يعني أن أردوغان صافح السيسي كثمن للمرور إلى التكتل الشرق أوسطي الجديد، باعتباره الواقع الجديد الذي سيعيد تشكيل المنطقة، ويتحكم في أسواقها ومواردها وتوريداتها إلى أوروبا.

وأعتقد أن الموضوع يحتاج إلى قراءات أكثر تفصيلا، وأكثر اطلاعا، لأن "أنظمة السوق" في المنطقة تهرول من أجل تسليع وبيع كل شيء حتى المبادئ والشرف والأوطان.

(ختام)

ما الصلح إلا معاهدةٌ بين ندَّينْ/ (في شرف القلب) لا تُنتقَصْ/ والذي اغتالني مَحضُ لصْ/ سرق الأرض من بين عينيَّ/ والصمت يطلقُ ضحكته الساخرة!

[email protected]
النقاش (0)