أفكار

القرضاوي.. المعرفة الدينية ووظيفة العلماء وقابليتها للتحريف

ما ورثه العلماء عن الأنبياء هو فعل التحرير والتنوير وليس فعل التخدير والتبرير
ما ورثه العلماء عن الأنبياء هو فعل التحرير والتنوير وليس فعل التخدير والتبرير

المسألة الأولى: ما طبيعة المعرفة الدينية؟

ما طبيعة المعرفة الدينية وكيف نحول دون تحريفها الذي يكاد يلغي الدور العلمي ولا يبقى إلا على دورها الدعوي؟ فهل للفصل بين الديني والدنيوي محل غير التمييز بين الاختصاصات؟ وهل الدعوي مقدم على العلمي أم هو تابع على الأقل من حيث المنهج؟ وكيف نحدد موضوع التعليم (مضمونه) لئلا يبقي الفصل بين الأخروي والدنيوي؟ وأخيرا كيف يحدد القرآن الكريم دور علماء الدين الإسلامي ووظائفهم وما الذي جعل تحريف هذا الدور من علل الانحطاط الذي عرفه تاريخنا؟

اخترت مسألة لا تخلو من الالتباس والغموض. إنها مسألة ما يرثه العلماء من الأنبياء. فهذه المسألة التي لها ما يميزها في تحديد دور العلم في الإسلام يمكن أن تفسد فتصبح شبه تأسيس لسلطة روحية خفية قد تؤول إلى كنسية أو على الأقل إلى ما يسمى مرجعية بالمعنى الشيعي للكلمة. وإذا كانت السنة مبدئيا لا تقول بتقليد المرجعيات فإنها في واقع الحال تحولت بالتدريج إلى وضع لا يختلف كثيرا عن كنسية خفية وهو ما قد يؤدي بما يشبه الانقلاب إلى الضد إلى رفض شبه تام حتى للمشورة العلمية الخالصة.

والمعلوم أن كلا هذين المفهومين منافيان تمام المنافاة لدور العلماء في الإسلام فالكل يأتي ربه فردا والله لا يقبل الجدال عن النفس بتحميل المسؤولية للمتبوع. فهما يعارضان وجهين من وجوه أهم ثورة روحية وخلقية حققها الإسلام في تحرير الإنسان وجعله في علاقته بربه وبغيره لا يخضع إلا إلى سلطة الشرع مباشرة ودون وساطة قد تغنيه عن مسؤوليته وتلجئه إلى الاعتماد على الوساطة في أمر دينه فضلا عنها في أمر دنياه.

ولست أشك لحظة واحدة في أن الشيخ القرضاوي رحمه الله لا يقبل بأي من هذين التحريفين لمفهوم وراثة الأنبياء كما حدثا في المسيحية وخاصة في التشيع الذي هو تحريف جلي للإسلام. فهو أعلم الناس وأولاهم بحفظ الدلالة القرآنية لقوله تعالى "وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً ۚ (الجهاد) فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ(الاجتهاد) وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (وراثة النذير وضمنيا البشير)"  .

فالتفرغ للتفقه في الدين لإنذار القوم وظيفة وشرطا هما المقصود بوراثة الأنبياء : النذير على علم، البشير على علم.

لكن التحريف غالبا ما يحصل في مستويين: 

في الفتوى أو الاستشارة الدينية والخلقية المتعلقة بعلاج أزمات المؤمن مع نفسه في خياراته.

وفي الاستحواذ على السلطة التشريعية الناتج عن تجاوز الاجتهاد الفقهي التعليم والقضاء إلى التشريع الخفي بالقياس.

ويمكن القول إن هذا التحديد منصوص عليه صراحة في القرآن الكريم إذا ما استثنينا مفهوم النبوة من الآية 79 من سورة آل عمران وأبقينا على المفهومات التي نسبتها الآية إلى عيسى عليه السلام لتنفي عنه دعوى الألوهية وتنسب إليه ما يأمر به تابعيه :

فالكتاب (شرط نقلي) والحكم (شرط عقلي).

والتعليم (وظيفة دعوية ومعرفية) والدرس (وظيفة تكوينية وعلمية).

ويوحد بين الشرطين والوظيفتين ما يصل بينهما فيحدد تجهيز الإنسان الرباني بمكونين هما المكون النقلي (الكتاب مادة التعليم) والعقلي (الوجود مادة الدرس) وتوظيف الإنسان الرباني تعليما (متوجه للمخاطبين بالكتاب) ودرسا (متوجه لآيات الآفاق والأنفس حيث تتبين حقيقة القرآن).

وهذا الواصل بين الشرطين والوظيفتين هو ما بين الشرطين والوظيفتين من تناسب  في تعريفي القرآن الكريم للإنسان. فهو مستعمر في الأرض ومستخلف فيها. وهو  كذلك ما تحيل إليه عبارة "ما كان لبشر" مع استثناء النبوة التي هي اصطفاء إلهي لا نطلبها في العلماء الذين يرثون الأنبياء:

فالكتاب للاستخلاف خاصة: ذلك أن تعليم الكتاب والسنة يتعلق باستخلاف الإنسان في الأرض. والكتاب والتعليم والاستخلاف في الأرض كلها موروثة عن النبي لأنها مضمون التذكير القرآني والتعليم النبوي لشروط الجمع بين متطلبات الاستعمار في الأرض وقيم التحرر من الإخلاد إليها حتى يكتمل الاستخلاف.

والحكم للاستعمار في الأرض خاصة: ودرس الآفاق والأنفس يتعلق باستعمار الإنسان في الأرض. والحكم والدرس والاستعمار في الأرض لا يمكن أن ترد إلى الموروث عن النبي بل هي ثمرة ما جهز به الإنسان من قدرات هي شرط نجاحه في الاستعمار في الأرض تحقيقا لكرامته بسد حاجاته الطبيعية.

والنوع الثاني غير الموروث يتعلق بفنيات عمل أبعاد الإنسان الخمسة التي هي قبس من صفات الله الذاتية: الإرادة والعلم والقدرة والحياة والوجود.

والنوع الأول الموروث عن النبي يتعلق بقيم عمل أبعاد الإنسان الخمسة التي هي شروط هذه الصفات لأنها لا توجد إلا بفضل ما يعللها في كيان الإنسان المكرم، فشرط الإرادة هو الحرية التي تقتضي التكليف والحساب، وشرط العلم هو العقل أو فهم الخطاب الذي يقتضي الصلة المباشرة بالله وآياته رسالته، وشرط القدرة  هو  تجهيز الإنسان بأدوات سد حاجاته الطبيعية وأهمها التوقع والادخار وثمرته الاقتصاد، وشرط الحياة هو تجهيز الإنسان بالذائقة التي تجعله لا ينسى نصيبه من الدنيا وثمرته الثقافة، وشرط الوجود هو الوعي بالذات المكرمة التي قبلت أن تتحمل ما عجزت دونه الجبال وثمرته الاستخلاف أو السمو إلى تحقيق قيم القرآن الكريم.

والجامع بين كل هذه الصفات ثمرتها التي هي الأخلاق القرآنية. وهذه الأخلاق لا يمكن أن تقتصر على الاستعمار في الأرض بل هي دائما مشدودة للاستخلاف فيها لأنها من دون ذلك تتحول إلى إخلاد إلى الأرض وعبادة الهوى. وهذا هو موضوع التعليم الديني ولا شيء غير ذلك.

أما ما عداها من التعليم فهو متعلق بعلوم أدوات لتحقيق هذه الغايات. لكن أكبر أدواء التعليم الديني هو إهمال الغايات والتفنن في الأدوات الجدلية العقيمة وليس في الأدوات العلمية والتقنية التي تحقق الاستعمار في الأرض ومن ثم التحرر من الحاجة التي تجعل الاستخلاف يكون دليل العرفان لرب الكون. وهذه الأدوات الجدلية هي التي جعلت الكلام والتصوف والفقه والفلسفة مجرد جدل إيديولوجي هو الذي سماه القرآن بمرض القلب وابتغاء الفتنة.

ولم يتمكن الغرب من التقدم الفعلي إلا بعد أن حرر فكره من هذا الجدل العقيم ليجعل العلم في خدمة الدين والدنيا تكريما للإنسان. لذلك فأهم علل ما حل بالأمة من انحطاط هو تحريف المعرفة الدينية تحريفها الذي أبعدها عن غرضها الأساسي فجعلها مجرد حرف إيديولوجية أو اختصاص في زرع الفتن التي جعلت كل مدرسة كلامية طائفة بل وحتى المدارس الفقهية فإنها تكاد تحاكيها وأهملت الوظيفة الخلقية والدينية في المعاملات الدنيوية بثمراتها الأخروية أي بطبيعتها الخلقية من حيث هي عبادة.

ولا يمكن الفصل بين الوظيفتين:

فلما كان الإنسان يحاسب على أعماله في الدنيا فإن كونها من دون الاستخلاف هو عين الإخلاد إلى الأرض. ولما كان نجاح الاستعمار في الأرض محررا من التبعية وشارطا للحرية فهو مسهم في الاستخلاف فيها من حيث الدور في تحقيق كفاءة الصفات الخمس. والاستخلاف مسهم في الاستعمار في الأرض من حيث الدور في تحقيق قيم فاعلية الصفات الخمس.

لكن ما حصل هو أن شروط الاستعمار في الأرض قد فصلت بصورة شبه مطلقة (إذا ما استثنينا بعض عموميات العلوم المساعدة أو الأدوات) وأصبح جل المتمكنين فيها من ذوي التكوين العصامي أو في مدارس لا تنتسب إلى الملة. واقتصر العلم والعمل على ما يتعلق بالعبادات وفقدت الأمة كل شروط الاستعمار في الأرض من العلوم الممكنة من السلطان على الطبيعة لسد الحاجات المادية ومن السلطان على التاريخ لسد الحاجات الروحية. وغياب هذين السلطانين هو سر ضعف الأمة وتبعيتها في الرعاية والحماية ومن ثم فهو سر تبعيتها المطلقة.

المسألة الثانية: وظيفة العلماء وقابليتها للتحريف

كيف نحول دون تحريف وظيفة أولى مهام علماء الدين أولاها الموروثة عن الأنبياء أو الفتوى لئلا تتحول إلى سلطة وساطة روحية وخاصة بعد أن شوهها الكثير ممن ليس لهم علم الشيخ القرضاوي رحمه الله أو أخلاقه أعني دعاة الفضائيات بعد أن فضحتهم الثورة.

قد يتصور بعض المتعجلين أن  الكلام في الفتاوى فيه مبالغة  في الاستنتاج استنادا إلى فرضيات حول الفتوى ومقدمها وتاليها؟ فينتج عن ذلك تحميل المؤسسة ما لا تحتمل. لكن إذا أردنا أن نفهم ما آل إليه حال الأمة فينبغي أن نطلب علله في مؤسساتها ذات التأثير على أخلاقها خاصة. فما يعطل المبادرة الفردية ومسؤولية المكلفين لا يمكن فهمه من دون أن ندرس المؤسسات التي لها علاقة مباشرة بتنشيط هذين الوجهين من عمل الإنسان أو بتنويمها.

والمؤسسات التي يتعلق بها الأمر كلها كانت بيد المؤسسة الدينية-التعليم النظامي ويتعلق بالفنون المختصة أو التعليم غير النظامي ومنه الفتوى والوعظ والإرشاد. والمعلوم أن نظام التعليم النظامي قد آل إلى مأساة حضارتنا الأولى التي خصصنا لها المسألة الأولى التي نتجت عن الصراع الدائم بين فرعيه العملي (الفقه والتصوف صراعا بين القانون والأخلاق) وبين فرعيه النظري (الكلام والفلسفة صراعا بين العلم والإيمان) وما آل إليه أمر الأمة من جهل بعلوم الدنيا وشروط تحقيق الاستعمار فيها بدعوى خطرها على الاستخلاف فيها حتى صارت الأمة عاجزة  عن سد حاجاتها في الحماية والرعاية.

وما كان ذلك يحصل لو لم يحرف تفسير القرآن الذي يؤسس لهذه الفنون الأربعة في الحضارة الإسلامية (الكلام والفلسفة والفقه والتصوف) الفنون التي بمجرد تنافيها وصراعها في المقابلة النظرية بين الإيمان والعلم والمقابلة العملية بين الأخلاق والقانون تكون قد غفلت عن المنهج القرآني الذي حل هذه المعضلات حلا يلغي المقابلة الأولى بنظرية الغيب وحجبه والمقابلة الثانية بالوصل بين العمل ونيته:

فالقول بالغيب اعتراف بوجود حقيقة مطلقة وحجبه يعني نسبية العلم الإنساني وعدم إطلاقه ما يحول دون التقابل بين العلم والإيمان.

والقول بالعمل اعتراف بمسؤولية الإنسان واشتراط النية يعني نسبية الحكم على ظاهر أفعال الإنسان ما يحول دون التقابل بين القانون والأخلاق.

لذلك فالنظر وراءه حقائق تتجاوزه ما يؤدي إلى تواضع الإنسان والتسليم بأن علمه ناقص دائما ما يحرره من الصراع ويجعله يقبل التعدد الذي يعتبره القرآن من آيات الله إذ لو كان الله يريد أن تكون البشرية أمة واحدة على مذهب واحد لما أعجزه ذلك (المائدة 48). والعمل وراءه سرائر تتعاوزه ما يؤدي إلى عدم الحكم على ظاهر العمل خلقيا من دون وصله ببعد السرائر واعتبار الفقه مقصورا على الحكم بالظاهر لضبط العيش المشترك ورفض دعوى التصوف بأن المهم هو الباطن وأن ما عداه قشور لأن العيش المشترك هو المجال الوحيد لتحقيق استعمار الإنسان في الأرض والتدليل على تحقيق شروط الاستخلاف فيها : فذلك هو جوهر الأخلاق بالمعنى القرآني وليس زعم المتصوف أنه يعلم الحقيقة في مقابل ما يعلمه الفقيه أي الشريعة.

والقرآن الكريم يثبت ذلك بطريقتين غالبا ما يغيبهما الانتقاء الكلامي والفلسفي والفقهي والصوفي من منطلق خيارات مذهبية هي التي تفرض قراءة منحرفة للقرآن بغير الاعتماد على منهجيه البينين :

فهو يستعمل الطرد المثالي: بتحليل مقومات القضايا تحليلا عقليا واستعمال الحجاج الموجه لانتباه ذوي البصائر دون أن يكون ذلك من جنس الاستدلال الكلامي الذي يعتمد على أمرين كلاهما ينافيان الدين أصلا : فقيس الغائب على الشاهد ينفي الغيب الذي لا يقاس على الشاهد وريد النقل إلى العقل بالتأويل ينافي الدين أصلا لأنه لو كان النقلي يقبل الرد إلى العقلي لكان ما يتجاوزه به عديم المعنى ولاستغنينا عن الوحي.

وهو يستعمل السرد الأمثولي: بضرب الأمثال التي تعين مقومات القضايا في مشاهد حسية تكاد تكون من جنس العرض المسرحي أو السينمائي للمعاني التي يراد تجسيدها حتى يدركها من لا يستطيع فهم المستوى الأول من التحليل المثالي. وأحيانا يكون هذا المنهج الثاني ناتجا عن استحالة استعمال المنهج الأول بسبب دقة المعاني التي تتجاوز التحليل العقلي.

لكن نظام التعليم العام من فتوى ووعظ وإرشاد بقي غافلا عن هذين المنهجين وظنهما قابلين للرد إلى الاستدلال الكلامي والتأويل الصفوي وهو ما آل إلى مأساتنا الثانية التي هي مأساة غير محسوسة بخلاف الأولى. لذلك لم يعرها فكرنا ما تستحقه من اهتمام. لكن ضررها كما سنبين اكبر من ضرر الأولى بل لعلها هي سبب الأولى.  فاعتماد الأفراد على خاصة تنوبهم بفرض الكفاية في ما هو فرض عين هو سر انعدام الرشد الشخصي خاصة إذا تمأسس هذا النوع من التعليم العام فأصبح الوسيط بين الأمة والحكام.

فالإنسان يوم البعث يأتي ربه فردا وأن كل احتجاج باتباع الوسطاء لا يقبل بل إن الوسطاء يومها يتنصلون من المسؤولية فيصبح الفرد حينها في ورطة وعليه تحمل مسؤولية تخليه عن مسؤوليته في الحياة الدنيا. فلنحاول الآن فهم هذه الظاهرة الثانية في التعليم العام غير النظامي وما يمكن أن ينجر عنه في أزمة الأمة الخلقية وما يسميه ابن خلدون بفساد المعاني الإنسانية. فمن المعلوم أن الفتوى ذات مستويين :

فردي ويتعلق بحاجة البعض لسؤال أهل العلم الشرعي في ما تحيروا فيه من حل وعقد في شؤونهم الخاصة ذات الصلة بالأحكام الشرعية.

وجمعي ويتعلق بحاجة السلطة الحاكمة لرأي أهل العلم في ما تريد تمريره من قرارات ليست متأكدة من شرعيته وتحاول طلب سند لتبريره.

والأول يطرح قضية خلقية أساسا. والثاني يطرح قضية سياسية أساسا. لكن الأول لا يخلو من بعد سياسي يتعلق بالمستفتي. والثاني لا يخلو  من بعد خلقي يتعلق بالمفتي.

 

المقصود بالطبقة الدينية السلطة الروحية التي هي سلطة الرمز سواء كان نخبة دينية أو نخبة علمانية. ذلك أن جل البشر أميل إلى الاستناد إلى من يحمل عنهم عبء المسؤولية الروحية والمسؤولية السياسية.

 



والجامع بين البعدين هو الظاهرة التي نريد فهم علة كونها قد تصبح تحريفا للإسلام بإيجاد سلطة دينية تتمأسس بالتدريج فتكون كنسية خفية تابعة للسلطة السياسية في الوظيفتين: ظاهرة خضوع الجماعة لسلطة وسيطة بين السياسي والديني تسهم في الحد من الحريتين اللتين أسسهما الإسلام فتحول ما هو من فرض العين إلى ما هو من فرض الكفاية:

الحرية الدينية بالاجتهاد الشخصي في الحياة الخاصة خلقيا ودينيا.
الحرية السياسية بالجهاد الشخصي في الحياة العامة خلقيا وسياسيا.

والجامع بينهما هو ما يمكن فهمه بالعلاقة بين الآية 104 من آل عمران  والآية 110 منها. فالإشارة الإنشائية في 104 تمثل شرطا لما تخبر به الآية 110. ومعنى ذلك أن خيرية الأمة أساسها هاتان الحريتان وأن الفتوى يمكن أن تنحرف فتحول دون هذين الحريتين :

ذلك أن الاعتماد على المفتي يتحول بالتدريج إلى  تبعية ضمير الفرد الخلقي والديني بالتخلي عن القرار الشخصي والاتكاء على آراء المفاتي وهو مصدر ما يسمى بظاهرة الخاصة والعامة.

والمفتون المعتمد عليهم  يتحولون بالتدريج إلى طبقة دينية  هي ما يسمى بطبقة علماء السلطان التي من وظائفها التحيل الفقهي لتبرير أفعال المستبدين حتى بلغ الأمر إلى فقه شرعية المتغلب.

وهذه العلاقة بين التخلي عن الحرية الروحية التي تصبح مدخلا للتخلي عن الحرية السياسية قد لا تبدو بينة بنفسها. لكنها في الحقيقة هي جوهر الصلة بين فلسفة الدين وفلسفة التاريخ. والوسيط بينهما هو نوع من الانتقال اللاواعي من قبول الوساطة بين المؤمن وربه إلى قبولها بين المواطن وحاكمه. فالطبقة الدينية هي التي تضفي الشرعية على الطبقة السياسية حتى في الدول العلمانية. فالمقصود بالطبقة الدينية السلطة الروحية التي هي سلطة الرمز سواء كان نخبة دينية أو نخبة علمانية. ذلك أن جل البشر أميل إلى الاستناد إلى من يحمل عنهم عبء المسؤولية الروحية والمسؤولية السياسية.

والقرآن الكريم يشير إلى هذه العلاقة بوضوح وخاصة في آل عمران وفي المائدة إذ أن الاستبداد والفساد لا يمكنهما أن يسيطرا في الجماعات الإنسانية إلا بنوع من التبرير الخلقي كالذي أدى إلى فقه شرعية المتغلب في حضارتنا. فشرعية المتغلب تستمد أساسها من علاقة الحماية بالرعاية. فالإنسان العادي يحتاج إلى الحماية وخاصة إلى حماية شروط الرعاية. وبهما كليهما تنشأ كل العبوديات لغير الله.

ومع ذلك فالتحليل الدقيق يبين أن فقه شرعية المتغلب بعكس تبريرها بالخوف من الفوضى وفقدان الحماية والرعاية  بسبب الفوضى والفتنة هي التي تحول الحياة الجماعية إلى سلسلة من الانقلابات الفوضية والفتن :

فأولا كل من يشعر أنه قادر على التغلب ينقلب على المتغلب السابق فتتوالى الانقلابات.

والحياة كلها تصبح خاضعة لحكم العنف لأن المتغلب بالفعل سيسعى بما يستطيع لمنع من يرى فيه متغلبا بالقوة.

 

إذا كان النبي نفسه قد أمر بمنع المنكر لمن يستطيع باليد أولا يعني بالقوة أو باللسان ثانيا يعني بالتنديد الرمزي في حالة العجز عن الردع الفعلي أو على الأقل بالقلب أي بالرفض المعبر عنه بالمقاطعة في حالة الخوف حتى من نتائج التنديد الرمزي..

 



فيصبح الوجود كله محكوما بمحافظة المتغلب على تغلبه  (الحاكم بالفعل دكتاتور) وبالسعي للتغلب على المتغلب (الحاكم بالقوة أو المتربص بالحاكم بالفعل). والنتيجة أن الحماية والرعاية تصبحان مشروطتين بالعبودية للحاكم ويصبح من وظيفته بيان الحقيقة القرآنية مبررا للانحراف عليها بدعوى اختيار أخف الضررين أو تقديم درء المفاسد على جلب المصالح.

وإذا كان النبي نفسه قد أمر بمنع المنكر لمن يستطيع باليد أولا يعني بالقوة أو باللسان ثانيا يعني بالتنديد الرمزي في حالة العجز عن الردع الفعلي أو على الأقل بالقلب أي بالرفض المعبر عنه بالمقاطعة  في حالة الخوف حتى من نتائج التنديد الرمزي. وإذن فتقديم المنع باليد يتنافى تماما مع حجة الخوف من الفتنة لأن أصل كل الفتن هو في الحقيقة  السكوت على التغلب الذي هم ملازم دائما للاستبداد والفساد. ولما كان المبدأ الأساسي في الحكم الإسلامي هو لا طاعة في معصية الله وكان ذلك لا يقتصر على العبادات بل يشمل المعاملات وأهمها معاملات تنظيم الحياة السياسية والمدنية فإن القرآن والسنة كلاهما ضد كل ما يفقد الإنسان حريته الروحية والسياسية.

وكل استعمال لمفهوم الخروج على السلطة دون وصله بشرعية السلطة هو الخروج حقا عن المفهوم القرآني للإيمان : فالإيمان الصادق هو الذي يجعل المؤمن رقيبا على من كلف بتطبيق شرع الله وليس مجرد خاضع لسلطان لا يطيع الله. فلا طاعة في معصية والطاعة في معصية معصية. وهي إذن عين الاستسلام للظلم. لكن تعميم استعمال مفهوم الخروج على كل من يثور على الظلم واعتبار الظلمة أولى أمر هو عين الكفر بقيم القرآن وبوصية النبي في النهي عن المنكر باليد واللسان والقلب.

ولا معنى لحجة ابن خلدون وسخريته الدائمة من الثورات ضد الاستبداد والفساد : حجة ضرورة توفر العصبية للثورة. فالثورة في هذه الحالة مأمور بها قرآنيا لأن إفقاد المؤمن حريتيه الروحية والسياسية تأليفه لمفقدهما. ولما كانت الثورة مثل كرة الثلج تبدأ بقلة ودون عصبية ثم بالتراكم والنصرة ضد الظلم يصبح الحاكم اكثر خوفا من المحكوم فإن العلم بذلك يحقق  التوازن الذي يبقى على النظام فتتحقق الحرية والكرامة للجماعة .

وحينئذ يصبح ما ورثه العلماء عن الأنبياء هو فعل التحرير والتنوير وليس فعل التخدير والتبرير. وإذن فوجود فقه شرعية المتغلب دليل على الإخلال بهذه الرسالة الموروثة عن النبي. فالقبول بالأمر  الواقع سواء في الداخل ضد النظام الوطني أو في الخارج ضد الاستعمار. ذلك أن فقه شرعية المتغلب لم يقتصر على الداخل بل هو بات يبرر حتى القبول بالاستعمار واعتباره قضاء وقدرا.


النقاش (0)