أفكَار

هل ردُّ العالم المجتهد لأحاديث نبوية يقدح في دينه وعلمه؟

علماء ومفكرون مسلمون يناقشون معايير رد الأحاديث النبوية  ـ عربي21
علماء ومفكرون مسلمون يناقشون معايير رد الأحاديث النبوية ـ عربي21

يَرجع علماء الشريعة، خاصة المتخصصين منهم في الحديث النبوي وعلومه في تصحيحهم للأحاديث النبوية وتضعيفها إلى القواعد والأصول والضوابط التي وضعها الأئمة المتقدمون لضبط عملية دراسة الأحاديث استنادا إلى تلك المنهجية التي توافقوا عليها.

وبحسب باحثين فإن من أسباب اختلاف المحدثين في الحكم على الأحاديث تصحيحا وتضعيفا اختلافهم في بعض قواعد الجرح والتعديل والحكم على الرواة المختلف فيهم، واختلافهم في بعض قواعد التصحيح والتضعيف، ونظرا للاختلاف في تلك القواعد وتطبيقاتها فإن أنظار المجتهدين تختلف في الحكم على الأحاديث النبوية صحة وضعفا، وقبولا وردا. 

وقد يتوقف إمام مجتهد في الأخذ بحديث أو أحاديث نبوية مع صحتها، لأنها لم تسلم في نظره واجتهاده مما يعارضها من أدلة شرعية أخرى، فإذا ما توقف إمام أو فقيه مجتهد في الأخذ بتلك الأحاديث لتأويلات شرعية سائغة، فهل يكون رادّا للحديث، رافضا له، أم يعده العلماء صاحب اجتهاد مقبول، ينظر في أسباب رده لتلك الأحاديث، ويناقش في أدلته وحججه، فإن كان مصيبا فله أجران، وإن كان مخطئا فله أجر واحد؟.

في هذا السياق تروي كتب الرجال والتراجم واقعة حكاها الإمام أحمد بن حنبل فقال: بلغ ابن أبي ذئب (إمام فقيه معاصر للإمام مالك) أن مالكا لم يأخذ بحديث "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا.."، فقال (أي ابن ذئب): يستتاب، فإن تاب، وإلا ضُربت عنقه، ثم قال أحمد: هو أورع وأقوّل بالحق من مالك".

 

 



وبعد إيراده لتلك الواقعة في كتابه (سير أعلام النبلاء) علق الحافظ الذهبي على ما قاله أحمد بن حنبل بقوله: "لو كان ورعا كما ينبغي لما قال هذا الكلام القبيح في حق إمام عظيم، فمالك إنما لم يعمل بظاهر الحديث، لأنه رآه منسوخا، وقيل: عمل به وحمل قوله "حتى يتفرقا" على التلفظ بالإيجاب والقبول (وليس تفرق البائع والمشتري بأبدانهم من مجلس عقد البيع)، فمالك في هذا الحديث، وفي كل حديث له أجر ولا بد، فإن أصاب ازداد أجرا آخر، وإنما يرى السيف (القتل) على من أخطا في اجتهاده الحرورية (أي الخوارج)". 

ويخلص الذهبي إلى القول "وبكل حال فكلام الأقران بعضهم في بعض لا يعول على كثير منه، فلا نقصت جلالة مالك بقول ابن أبي ذئب فيه، ولا ضعف العلماء ابن أبي ذئب بمقالته هذه، بل هما عالما المدينة في زمانهما ـ رضي الله عنهما ـ ولم يسندها الإمام أحمد، فلعلها لم تصح". 

ووفقا لمراقبين فإن تلك الواقعة التي حكاها الإمام أحمد، وما تضمنته من حكم شديد وقاس على الإمام مالك من إمام معاصر له (ابن أبي ذئب)، بسبب عدم أخذه بحديث صحيح، لا يبعد أن يستشهد بها بعض المتشددين في زماننا على تكفير من رد بعض الأحاديث، أو لم يأخذ بها ، والمطالبة بقتله، حتى لو فعل ذلك باجتهاد معتبر، أو تأويل سائغ.
 
ولاحظ الأكاديمي الأردني، المتخصص في أصول التربية، الدكتور محمد الفقيه أن بعض التنظيمات الإسلامية المتشددة، ومن يشاركها بذات العقلية والمنهجية وجدت ضالتها في بعض الأقوال والآراء المذكورة في بعض المراجع الفقهية والحديثية والتفسيرية، ولم يقف الأمر عند التكفير فقط، بل امتد ليستدلوا بها على استباحة الدماء والأعراض والأموال" على حد قوله.
 
وأضاف: "لقد وصل الحال بتلك التنظيمات إلى تكفير كل من أنكر حديث آحاد ظني في ثبوته، لذا فستجد من كفر الإمام مالك، إمام أهل المدينة لأنه لم يأخذ بأحاديث آحاد، وستجد من كفر غيره من الأئمة والعلماء والفقهاء لأنهم لم يأخذوا أو يعلموا ببعض تلك الأحاديث". 

 



وذكر الفقيه لـ"عربي21" أمثلة من كلام الأئمة في تكفير من أنكر حجية الحديث النبوي، والتشنيع على من رد بعض الأحاديث النبوية إلى حد الحكم باستتابة من فعل ذلك، وإلا قُتل، كما أفتى بذلك ابن أبي ذئب بحق الإمام مالك حين بلغه أنه لا يأخذ بحديث "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا..". 

وانتقد الفقيه هذا "التساهل في إطلاق هذه الأحكام الشديدة والغليظة على من توقف في الأخذ برواية حديثية، أو ردها لاجتهاد معتبر لديه، ومن ثم يحكم عليه بالكفر، ويتم إهدار دمه وإقامة الحد عليه، وقد حدث ذلك بالفعل عبر تاريخنا الماضي والمعاصر".

من جهته أفاد أستاذ الحديث النبوي وعلومه بجامعة الملك خالد بالسعودية، الدكتور لطفي الزغير أن حكاية ابن أبي ذئب مع مالك، لم يروها إلا الإمام أحمد ولم يُسندها، بل حدَّث بها بلاغا" لافتا إلى أنه لم يجد لها طريقا غير طريق الإمام أحمد، وهي رواية منقطعة حيث إن أحمد لم يدرك صاحب القول ابن أبي ذئب، إذ إن الأخير توفي قبل ولادة أحمد بعدة سنوات، فالسند بينهما غير متصل، لذا فإن القصة غير صحيحة بسبب انقطاع سندها.
 
وأردف: "ثم لو أن مثل هذا الأمر حصل لذاع وانتشر، وإلى هذا مال الحافظ الذهبي فقال "ولم يسندها الإمام أحمد، فلعلها لم تصح"، مضيفا "ذكر بعض المؤرخين أمورا بين ابن أبي ذئب ومالك، وأنه كان بينهما جفوة، وأرجع هذا لما يكون بين الأقران، فقد يشتط أحدهما بالنقد ويخرج عن حدود المعتاد، ولهذا فلا عبرة بكلام الأقران بعضهم ببعض، وهو مما يُطوى ولا يروى كما قرر ذلك السبكي في قاعدته".

 


 
وإجابة عن سؤال "عربي21" حول مدى صحة قول ابن أبي ذئب في حق الإمام مالك، قال الزغير: "الإمام مالك إمام في الفقه، وإمام في الحديث، وهو من أهل النظر والاجتهاد في كليهما، ولو حكم على حديث أي حكم أدّاه إليه اجتهاده فهو دائر بين الأجرين إن كان مصيبا والأجر إن كان مخطئا، وليس ثمة ما يوجب تأثيمه فضلا عن استتابته، طبعا هذا كله يُقال لو أن هذا الحكاية كانت صحيحة وثابتة".
 
وذكر أن "العلماء لم يقبلوا كلام ابن أبي ذئب في مالك رحمه الله، فعلى الرغم من أن ابن أبي ذئب كان مقدما على مالك عند أحمد بن حنبل فيما يتعلق بقوله للحق، حيث عُرف عنه (ابن أبي ذئب) شدته وصرامته، فقال عنه: إنه أورع وأقول للحق من مالك، إلا أن هذا القول لم يُعجب الحافظ الذهبي فرد قائلا "لو كان ورعا لما قال هذا الكلام القبيح في حقِّ إمام عظيم"، ثم اعتذر لمالك لعدم عمله بالحديث، كأن يكون منسوخا عنده، وهو ما ذكره القاضي عياض في أول ترتيب المدارك".
 
وطبقا للزغير فإن "ابن أبي ذئب لا يُقلد في صنيعه، ولا يقتدى به، لما فيه من خروج عن حدّ الاعتدال في النقد، وتجرئة من لا يعلم على انتقاص الأئمة والحط من قدرهم، وهذا وحده كاف في ردّ هذه المقولة لو صحّت"، مؤكدا أن "عدم الأخذ بحديث أو رده وتضعيفه إن صدر عن رجل من أهل العلم والنظر، فيقبل اجتهاده، وينظر في حجته ولا يتهم في نيته، أما إن صدر عمن لا علم عنده ولا دراية، فينصح ويزجر ولا يقبل منه، حتى لا يؤدي هذا إلى التطاول على الحديث والسنة كما يفعله كثير من الأغرار في هذا الزمان".
 
وفي الإطار ذاته قال الباحث والداعية السلفي المغربي، حسن الكتاني "لم يكن أئمتنا السابقون يتساهلون مع من يردون الأحاديث النبوية لمجرد الهوى والرأي، لكنهم كانوا يتقبلون ذلك إذا كان لاجتهاد معتبر وتأويل سائغ، ولا يطعنون في النيات، بل يناقشون ذلك الاجتهاد وينظرون في ذلك التأويل".
 
وتابع "وهذا واقع وموجود في مسالك الأئمة المجتهدين، إذ كانوا لا يأخذون بأحاديث لأسباب منها، عدم سلامة تلك الأحاديث مما يعارضها من أدلة أخرى في نظرهم واجتهادهم، وهذا شائع ومعروف في اجتهادات الأئمة والعلماء، أما الكلام المروي عن ابن أبي ذئب في حق الإمام مالك، فالقصة ليست ثابتة عنه، وقد أشار إلى ذلك الحافظ الذهبي بقوله "ولم يسندها الإمام أحمد، ولعلها لم تصح".

 


 
وردا على سؤال "عربي21" كيف يوجه العلماء كلام ابن أبي ذئب على فرض ثبوته عنه، ذكر الكتاني أنه "لم يحسن فيه التصرف، وقد كانت فيه شدة، كما يظهر ذلك من سيرته وترجمته، وكلامه في حق الإمام مالك غير مقبول، ولعله قالها في حالة غضب، ولا يقتدى به في ذلك، حتى لا تكون حجة يتجاسر بها الأغرار على الأئمة والعلماء".
 
وختم حديثه بالتحذير من "الوقوع في الأئمة والعلماء بذريعة مخالفتهم للأحاديث النبوية أو ردها، ومهاجمتهم وتعنيفهم بحجة الدفاع عن السنة، مع أن أولئك الأئمة والعلماء لم يفعلوا ذلك لهوى طاغ، أو لرأي فاسد، وإنما باجتهادات معتبرة ومحترمة، فمن كان أهلا فليناقشهم في أدلتهم واجتهاداتهم بكل أدب وتوقير، لأنهم باجتهاداتهم تلك يدورون بين الأجر والأجرين".

التعليقات (1)
adem
الجمعة، 19-06-2020 07:38 م
أجمل ما قيل في هذا الموضوع و أروع ما كُتِب و يا ليت الجميع يطّلع عليه و يفقهه ويعمل به ما جاء في فتاوي العلاّمة المجاهد ابن تيمية رحمة الله تعالى عليه في مقال - رفع الملام عن الأئمة الأعلام- والذي قدّم شرحا وافيا و إجابة شافية على السّؤال .