أفكَار

"ما بعد كورونا" بين نظريتي المؤامرة والعولمة (1من2)

رغم استمرار سقوط الضحايا بسبب كورونا.. العالم يتجه لتخفيف إجراءات الحظر  (الأناضول)
رغم استمرار سقوط الضحايا بسبب كورونا.. العالم يتجه لتخفيف إجراءات الحظر (الأناضول)

كيف يقرأ الخبراء والكتاب العرب عالم ما بعد كورونا؟ كيف سيواجه العالم وقواه الحية التداعيات الاقتصادية الكبرى التي خلفها الوباء؟ ما هو شكل العلاقات الدولية والإنسانية ما بعد كورونا؟

الكاتب والإعلامي الجزائري حسان زهار يناقش في هذا التقرير الخاص بـ "عربي21"، والذي ننشره على حلقتين، مع عدد من الجامعيين والكتاب الجزائريين، شكل ومستقبل العالم بعد فيروس كورونا.

تنحو معظم الدراسات المستقبلية، خاصة بعد أزمة كورونا، إلى الحديث عن أزمة اقتصادية طاحنة، وليس فقط أزمة مالية كما حدث في 2008، وعن "سيناريوهات سوداء"، تتعلق بالكساد الكبير، وبالبطالة والارتفاع الفاحش في الأسعار، بينما تنحو أخرى للحديث عن كارثة "الديْن العام" للدول والأفراد، وعن أرقام فلكية بتريليونات الدولارات، وكيف أن الدين على الفرد الواحد مع ولادته هو فوق أن تتحمله طاقته عن التسديد حتى يوم وفاته.. بل إن هناك من البحوث والدراسات ما تذهب أبعد من كل ذلك، حين تصور مشاهد هوليودية لـ"نهاية العالم"، وقد اندلعت حرب مدمرة بين الولايات المتحدة والصين، قبل أن يلحقها بقية العالم.

والحقيقة أن كل ذلك ممكن، لكنه يحتاج إلى "ترتيبات"، ليس أقلها الادراك أن ما بعد كورونا، يستلزم الاستعداد لفهم عالم ما بعد القطب الواحد، ودول ما بعد الحزبية، وما بعد الفصائلية، وما بعد الدولة الحديثة عموما، وهو ما يستلزم حديثا آخر ذو شجون عن عالم ما بعد الأمم المتحدة، تلك المنظومة الخربة التي فقدت بنيتها الفكرية والقيمية، بانسحاب أمريكا من مجلس حقوق الإنسان وربما أيضا منظمة الصحة العالمية، ما يعني أن نذر حقبة "الجور الشامل" قد لاحت، ويكفي أن نعيد قراءة ما كتبه وزير خارجية أمريكا الأسبق، هنري كيسنجر، في صحيفة "الوول ستيرت جورنال" حول عالم ما بعد كورونا لندرك ذلك جيدا، وكيف أن أمريكا "سيدة العالم ما قبل كورونا" وقد وصفها كيسنجر بأنها "أصبحت أقل تحملا من قبل"، ستجد نفسها في موضع إثبات هذه السيادة بطريقة أقسى، عبر "إعادة النظر في جوانب نيوليبرالية كثيرة في نظامها الاقتصادي".

غير أن ذلك كله، يتوقف على متغير أساسي، وهو الفترة الزمنية التي سيستغرقها العالم، لكي يصل إلى عقار يلجم انتشار الفيروس المدمر، والراجح أن العام 2020 الذي وُسم بالوباء لن يكون عاما للشفاء، ما يعني أن التداعيات ستكون ضخمة اقتصاديا وبشريا، بحيث تضع البشرية جمعاء، بغض النظر عن أعراقها ودياناتها ومعسكراتها السياسية، في مواجهة مع هذا العدو المشترك أو "عدو الجميع"، والذي تجاوز في تهديده مستوى التهديد الكلاسيكي للصراعات البينية الدولية.. حين ساوى بين الأمم والشعوب في الانتشار، وجعل منهم جميعا أسرى النزوع نحو البقاء، والحفاظ على الاستمرار البيولوجي والأنطولوجي من حيث مبدأ الوجود بحد ذاته.. 

لقد تاهت البشرية ثم انكمشت اليوم في بوتقة البحث عن المأكل والمشرب وحديث "الكمامات"، وقد استوت في ذلك شعوب أوروبا وأمريكا مع شعوب آسيا وإفريقيا الفقيرة، ما يطرح فكرة التساوي على حقيقتها، وتدفع بالنخب ما بعد كورونا لمناقشتها بطريقة أكثر إنسانية مما ظلت تناقش به في عالم ما قبل كورنا، حيث الطبقية والعوالم المصطنعة للعالم المتقدم والعالم الثالث والرابع وعالم ما تحت خط الكرامة.

ومهما تكن العواقب والفرضيات المستقبلية، يجدر بالإنسانية بعيدا عن ثنائية الصراع التاريخية بين الإنسان والإنسان، وبينهما وبين الطبيعة وما وراء الطبيعة، أن لا يتوقف التراكم العلمي الذي حققته البشرية عبر العصور، وأن لا يتوقف العقل البشري عن التفكير في فهم الكون وخالقه.. كونه الطريق الوحيد للنجاة الحقيقية. 

بين نظريتي المؤامرة والعولمة

بالنسبة للدكتور سليم قلالة، أستاذ الدراسات المستقبلية والاستشراف، بجامعة الجزائر، هناك مقاربتان للنظر إلى العالم بعد كورونا، واحدة تنطلق مِمَّا يُعرَف بنظرية المؤامرة، والثانية من نظرية العولمة. بالنسبة للأولى يرى أصحابها أن هناك قوى خفية في العالم تريد أن تُحكِم سيطرتها عليه، وتُعيد ترتيب الأوضاع فيه من غير شن حرب حقيقية بالسلاح، فلجأت إلى هذه الحرب التي هي شبيهة بالحرب البيولوجية غير المُعلَنة مستخدِمة كافة وسائل التأثير العقلي والنفسي من خلال شبكات الإعلام التي تمتلكها وقدرتها على التلاعب بعقول الناس... 

أما الثانية فهي تَعتبر ما حدث اليوم، إنما هو نتيجة كانت متوقعة للتطور غير المُتَحكَّم فيه من قبل الدول والشركات الكبرى، مستدلا بذلك من كون الانتشار السريع للوباء ما كان ليحدث بهذا الشكل لو لم تكن شبكات النقل الجوي وشبكات النقل البري والبحري وكذا شبكات توزيع السلع والخدمات مُعَوْلَمَة، أي أن طبيعة العولمة هي التي سمحت لكوفيد 19 بأن يأخذ كل هذا الحجم من الانتشار ويتسبب فيما تسبب فيها من وفيات... وطبقا للزاوية التي ننطلق منها في التحليل ستبدو لنا الانعكاسات.

 



ويشرح الدكتور سليم قلالة في حديث لـ "عربي21"، أنه بالنسبة للزاوية الأولى فإن كافة القطاعات سيتم السيطرة عليها من قبل فئة قليلة. كما أن السلطة ستُحتكَر من قبل المُتحكِّمين في المال والإعلام. وستزداد الهيمنة على بقية فئات المجتمع، حيث تُقيَّد الحُرِّيات، وتُنتهَك الخصوصيات الشخصية، وتَسترجع الدول الغربية جانبا كبيرا من الصلاحيات التي تخلَّت عنها لصالح المواطنين في إطار ما تبنته من قوانين لها علاقة بالمواطنة وبحقوق الإنسان، حيث لن تُصبح قوانين الديمقراطية كما كانت بل مفهوم الديمقراطية ذاته سيتغير ولن تُصبح هي نهاية التاريخ وأفضل النظم السياسية التي ابتكرها الناس، وهكذا سيتغير مفهوم العقد الاجتماعي الذي تقوم عليه، ولن يتم التنازل عن بعض صلاحيات الدولة المركزية للمواطنين كما كان في السابق، بل ستعود الأنظمة السياسية الغربية خاصة إلى نموذج الدول المركزية القوية التي تَحُد من الحريات وتَرفض التنازل عن صلاحياتها. وفي ظل هذا النمط من  الدولة، سيتم تغيير أنماط الانتاج والاستهلاك والسكن والصحة والتشغيل وغيرها من مناحي الحياة بما يخدم السلطة المركزية.

مرحلة جديدة من مراحل العولمة

أما انطلاقا من الزاوية الثانية بحسب الدكتور سليم قلالة دائما، فإن ما يَحدث اليوم هو مرحلة جديدة من مراحل العولمة لا أكثر، حيث أن البشرية ستعرف بعد هذا الوباء أوبئة أخرى في السنوات القادمة وفيروسات أخرى أخطر من كوفيد 19، وينبغي على الناس الاحتياط لذلك من الآن لذلك والأخذ بمكانيزمات التكَّيُف الملائمة، وإلا ستضطر لدفع الثمن غاليا يمكنه أن يصل إلى حد زوال بعض الدول أو تفككها.

فعلى صعيد القطاعات المختلفة، من وجهة النظر هذه، ستضطر الدول إلى إعادة النظر في اعتماداتها المتبادلة، وإلى ربط تحالفات جديدة، وتغيير نمط إنتاجها وأساليب تسيير خدماتها المختلفة، وهذا من شأنه أن يترك الدول المختلفة بين ثلاث خيارات: إما التكيف مع نمط الدول السريعة القادرة على البقاء، أو الاضطرار إلى الانضواء تحت لواء قوى كبرى تحميها وتمكنها من البقاء، أو الزوال.

أما باقي القطاعات فإنها ستُواصل تطورها الاتجاهي نحو التغيير، ولن تُغيِّر كورونا من هذا الاتجاه تَغيرا ثقيلا، إنما ستُسَرِّع من وتيرته فقط، حيث ستتسابق معظم الدول على التحكم في الأوبئة اللاَّحقة، وستُعيد تنظيم نفسها اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا بما يتوافق مع التطورات المحتملة في المستقبل.

وفي هذا المجال يقول الدكتور سليم قلالة، ستضطر الدول المختلفة إلى تقليد الدول الكبرى التي نجحت في السيطرة على الوباء وكسبت من ذلك ماليا وسياسيا، وبخاصة الصين في مجالات تسييرها للقطاعات المختلفة مثل التعليم أو الصحة أو الانتاج الصناعي أو الفلاحي أو غيره من القطاعات، ويُتوقّع أن النموذج السياسي الصيني غير المستمد من خبرة الديمقراطية الغربية، وكذا أنماط تسييرهذا البلد المختلفة ستكون محل دراسة واتباع من قبل الكثير من الدول.

المؤامرة هي التسمية الخرافية لما يحصل داخل العولمة

بناء على هذا، يميل الدكتور سليم قلالة إلى اعتبار أننا نعيش اليوم مرحلة متقدمة من تطور العولمة. وما المؤامرة التي يتحدث عنها البعض سوى التسمية الخرافية لما يحصل فعلا داخل العولمة من احتكار لفئات قليلة للمال والإعلام والقدرة على التلاعب بالعقول. وقد سبق أن أشرنا لهذا الموضوع فيما يحدث من حرب على مستوى العقول، والبعد النفسي لدى الإنسان. وهناك من الأدلة ما يكفي للبرهنة على ذلك باعتبار أن ما نعرفه اليوم هو نتيجة التسابق نحو التطور بجميع أشكاله المادية من صناعة وتكنولوجيا وغيرها.

ويخلص الدكتور سليم قلالة إلى التأكيد أن هذا الخط الاتجاهي المادي في التطور ينبغي أن يتم تصحيحه بخط روحي له علاقة بإحياء الأبعاد القيمية والإنسانية في المجتمعات المادية. وفي هذا فرصة كبيرة للمجتمعات المسلمة أو تلك التي مازالت تحافظ على تقاليدها الروحية، لكي تتمكن من مواكبة ما سيحدث من تطورات في المستقبل وتجنب ما يترتب عن ذلك من آثار سلبية.

الحاجة إلى تعقيم كوكب الأرض

بالنسبة للكاتب والمحلل السياسي الأستاذ عيسى جرادي، فإن عالم ما بعد كورونا يستوجب استذكار عالم ما قبل كورونا، فكورونا لم يأت من فراغ، فلقد تم التبشير بالقرية الكونية التي تتلاشى بين أقطارها الحدود، وتحولت العولمة إلى دين جديد يُجبر العالم اعتناقه والإيمان به، وتم التبشير بنهاية التاريخ التي وضعت الليبرالية المتوحشة قدرا لكل البشر يجب التسليم به، وحفزت قوى السوق وهوس الشركات العابرة للحدود على وضع بيض العالم كله في سلة واحدة اسمها الصين، ليتفرغ باقي العالم للاستهلاك، وتشكلت خطوط إمداد جديدة في اتجاه واحد من الصين إلى بقية العالم، بينما في الوجه الآخر للصورة، غابت الروح الإنسانية تماما، فلم تعد ثمة رغبة في الزواج وبناء العائلة ومد جسور التواصل بين الناس، وانكفأ الأفراد على أنفسهم في أنانية مفرطة، وشاخت مجتمعات الغرب الأوروبي، وهيمنت روح الاستهلاك الجشع على كل شيء، وأهدرت الضوابط الأخلاقية "الزواج المثلي".. وتحولت دور العجزة إلى قبور انتظار تسبق الموت البيولوجي للبشر العاجزين.

 



ويتصور الأستاذ عيسى جرادي أنه قد يتسنى التحكم في الوباء، لكن ليس قبل عام أو عامين، وربما يكون مقدرا على البشر التعايش معه للأبد على غرار فيروسات الأنفلونزا الأخرى، لكن نهاية القصة ليست هنا، فثمة ما يجب أن يتغير عميقا وعلى امتداد الكوكب، لتسقط مسلمات وتنهار أوهام، وتخر قواعد وأسس عالم لم يكن في يوم من الأيام أفضل حالا، مشيرا إلى أنه بين أيدينا أكثر من سيناريو توقعي أو استشرافي لعالم ما بعد كورونا، وربما في ظل كورونا ـ إذ لا نملك الادعاء أن الوباء سينتهي ـ وكما فكر مغامرو الاستكشاف الكوني في بناء أنظمة حياة مكيفة ومعقمة في المريخ، فقد نكون بحاجة إلى تعقيم الكوكب ليظل قابلا للحياة، وللعيش في ظل كورونا.

تقديرات وافتراضات

ويطرح الأستاذ عيسى جرادي في حديثه لـ "عربي21"، التقديرات والافتراضات التالية لرسم صورة كوكب الأرض غدا:

1 ـ لا قرية كونية بعد الآن: وقد لا ندعي زوالها تماما، لكنها لن تظل على حالها كما كانت، فإغلاق الحدود الذي جرى أخيرا، ينبئ عن احتمال أسوأ ـ إن لم يتم التحكم التام في الفيروس ـ حين يصبح التنقل بين الدول محكوما باعتبارات صحية وأمنية أكثر صرامة، صحيح أن التواصل الافتراضي سيفرض نفسه باعتباره أنسب وسيلة للتخاطب، لكنه سيلغي فكرة الاندماج و الهجرة.. فمن الأفضل أن تغلق عليك بابك، من أن تدعه مفتوحا لزائر غير مرغوب فيه.

2 ـ عودة الدولة القطرية: ففي مواجهة الوباء الذي ضرب بقوة في كل مكان، اكتشف العالم أن الأولوية للداخل على حساب الخارج، لمواطني الدولة وليس لغيرهم، حتى الاتحادات الأكثر رصانة تضعضعت أمام هول الكارثة، واكتشفت دول أنها تقف وحيدة في مواجهة مصيرها، إذ لم يلتفت إليها أحد " إيطاليا مثال بارز على ذلك "، و ستكون هذه مدعاة لنمو شوفينية وطنية غير مسبوقة.

3 ـ التاريخ لا نهاية له: فليس بإمكان المبشرين بعالم ينتهي إلى نموذج خطي وأبدي، هو النموذج الغربي في السياسة والاقتصاد والثقافة، عالم تسود فيه الليبرالية والانفتاح والحريات التي لا حدود لها، أقول ليس بإمكان هؤلاء أن يراهنوا على سلامة هذا النموذج واستمراره، فكل ما هو تاريخي هو نسبي بالضرورة، و ليس مسوغا صب العالم في قالب وحيد، و لا ادعاء امتلاك الوصفة السحرية لكل أمراض العالم، و لا التعدي على الثقافات الخاصة بدعوى إشاعة نموذج كوني هو الأصلح و الأقوى.

فمن بين ركام كورونا، سيولد عالم بقناعات جديدة، يتسع فيه المجال لمبادرات وخيارات ونماذج قد تكون أكثر ملاءمة وإيجابية، من هذا النمط الأحادي الذي قاد إلى الكارثة.. ستتحول الأفكار الجديدة إلى مسارات بديلة دون شك.

4 ـ انكشاف سوآت و "خيبات" العولمة الكاذبة: سواء تعلق الأمر بإزالة الحواجز الجمركية، أو فرض تخصصات اقتصادية في خدمة الشركات الكبرى، أو تبرير أنماط انتهازية من السياسات الاقتصادية المفروضة على العالم الثالث والرابع والخامس، أو بتحويل العالم برمته إلى مكب نفايات لما تنتجه الصين أو اليابان أو ألمانيا ـ على وجه الخصوص ـ وهذا الارتهان المفروض على الدول الفقيرة بجبرها على الاستدانة لشراء ما يلزم و ما لا يلزم، وما تمليه منظمات دولية "التجارة، الصحة، الغذاء" وحتى "اليونسكو" و"اليونيسيف" من سياسات تخدم سادة العالم، أقول: من المفروض أن يتغير كل هذا، فكورونا علمت الناس أن الأزمات الخانقة لا تجلب الملائكة بل تستنفر الشياطين. 

لقد اكتشفت أوروبا ـ وهي من أشد المتضررين بالجائحة ـ أن إعادة توطين الصناعات الإستراتيجية وتعريفها من جديد، ضرورة لازمة لأمنها القاري، ولضمان أمن وطني وربما إقليمي ـ يخص الاتحاد الأوربي ـ يعفيها من تكفف الصين أو أمريكا. 

5 ـ عولمة الأخطار: فكلما أوغل العالم في إيذاء نفسه والتعدي على الطبيعية، مدفوعا بهوس النمو وجني الأرباح والسيطرة على الأسواق، اكتشف أنه عرضة لعولمة الأخطار تبعا لذلك، تلك التي تنتقل إليه بسرعة عابرة في ساعات وأيام من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب، فلا أحد بمنجى من الآثار المدمرة لما يرتكبه الآخرون من تجاوزات دون اعتبار للمسؤولية العالمية في هذه الحالة، فهل تتسنى مساءلة الصين بشأن تداعيات كورونا كما يريد و يلح ترمب ؟ أم تتم تسوية الخلاف البيني على حساب ما بقي من العالم؟
 
6 ـ صراع المصالح: فلا أحد يملك التضحية من أجل غيره، فالصين التي صدرت الفيروس إلى العالم كله، صدرت له خمسين مليار كمامة ـ على سبيل المثال ـ فخدمة المصالح مقدمة على أي اعتبار آخر، ووقف تصدير بعض الأجهزة واللوازم الحيوية بدعوى تغطية الاحتياجات الوطنية أولا.. ينبئ أن العالم ليس كيانا مشتركا، بل مجرد وحدات سياسية مستقلة سرعان ما تنكفئ على كينونتها الاقتصادية والاجتماعية الخاصة، فلا مجال للتضحية من أجل الجزء الثاني. وتقديري أن مراكز البحث والاستشراف.. ستقدر إلى أي مدى ستكون المصالح المتضاربة بين الدول أساسا لبناء سياسات ومواقف جديدة. 

7 ـ الصين: هل تَصلح الديكتاتورية لقيادة العالم؟ الإجابة عن هذا السؤال، تعيدنا إلى السؤال عن نهاية  التاريخ، وهل يمكن الاحتكام لنموذج إدارة نمطي يكون مناسبا للعالم كله، ما هو أكيد أن النموذج الصيني لن يغري أحدا، فهذه الدولة التي يهيمن عليها حفنة من الأيديولوجيين الشيوعيين المتزمتين ـ من بقايا الحرب الباردة ـ لا تقدم أية إغراءات في مجال حقوق الإنسان، أو حتى في احترام البيئة "الدولة الأشد تلويثا للكوكب". ولا في ترتيب علاقات إنسانية تتجاوز إهدار حقوق الأقليات "الإيغور، التبت...".. فالصين الضخمة بشريا صغيرة وهشة إنسانيا، وقيادة العالم لا تتسنى بالقوة الاقتصادية فقط، بل بالإيمان العميق أن الإنسانية لا تأكل فقط، بل تشعر أيضا، ومن أين لدولة كانت السبب المباشر في كارثة كورونا، أن تكون نموذجا للاحتذاء! 

8 ـ خطر الأمن الغذائي والدوائي: لقد دق جرس الإنذار بقوة، حين تبين أن الدول التي تملك الغذاء، تملك حياة أو موت الآخرين أيضا، فلسبب من الأسباب ـ و هي كثيرة ـ يمكن الصبر على أشد التحديات قسوة، باستثناء انعدام الغذاء، فالهجمة الوحشية على المخازن التجارية وإفراغ رفوفها في لحظات قياسية، إشارة إلى ما يمكن أن يقع من فوضى اجتماعية لو تعطلت إمدادات الغذاء العالمية. ألا يحفز هذا الدول التي تعاني هشاشة على مستوى أمنها الغذائي و الدوائي، على إعادة النظر في سياساتها القائمة على التبعية للخارج، لتظل عرضة للابتزاز و الاضطراب، و ربما الانزلاق إلى هاوية الصراع الأهلي.

9 ـ المجتمعات الهرمة و خطر الانقراض: لقد كشفت بعض الإحصائيات عن أن نصف عدد المتوفين بسبب كورونا في أوربا كانوا من مقيمي دور العجزة، وقد يكمن التفسير الواقعي لشراسة الفيروس في الدول المنكوبة به في تركيبتها السكانية، فالفئات العمرية الأكثر تضررا من الجائحة كانوا كبار السن، الذين وفروا بيئة مثالية لكورونا، وهنا تقف الدول الهرمة سكانيا في مفرق طرق، فإما أن تجدد نفسها سكانيا، وإما أن تخاطر بانقراضها أو تحول سكانها الأصليين إلى أقلية أمام سيل الوافدين.

10 ـ بفشل الحكومات في احتواء الفيروس و تداعياته، و انهيار أبنيتها الصحية و الاقتصادية، تبين أن مستقبل الحكومات الكاذبة لن يمتد أبعد من زمن كورونا نفسه، فالسياسيون الفاشلون والغوغائيون ـ من أمثال ترمب ـ لن يكونوا أبطالا قوميين بكل تأكيد، و لن يرحب بهم  مر أخرى، بل يكون مدعاة لإعادة النظر في إدارة الشأن العام، واستخلاص النتائج من فشل أغلب الحكومات في مواجهة الفيروس، باستثناء عدد من الحكومات لا يتجاوز عدد أصابع اليد. لقد تخبطوا جميعا لأنهم لم يكونوا مهيئين لإدارة أزمة بهذه الحدة و الضخامة .. وفي المستقبل يكون جواز المرور إلى السلطة مرهونا برؤية ما قد يحدث و ليس ما قد حدث فقط "هنا الحديث لا يشمل العالم العربي الموبوء ديكتاتوريا".

11 ـ مهما كان عدد المتوفين أو عدد المصابين، وبغض النظر عن الحطام النفسي لأزمة كورونا، و هذه الصعقة التي خلخلت الكيان الإنساني برمته، فإن الأثر الاقتصادي و من ثم الاجتماعي للجائحة، سيكون الأخطر و الأشد وطأة من غيره، فعلى مدى أشهر من الإغلاق انهارت ركائز الاقتصاد العالمي بشل أهم أنشطته الحيوية، وتبين أن الدول أحادية النشاط ـ السياحة مثلا ـ معرضة لخطر الإفلاس، وفي الربع الأول من هذه السنة ـ سنة كورونا بامتياز ـ انخفض معدل النمو في أغلب دول العالم، و ستطفو نكبة الاقتصاد العالمي ـ التي ستفوق أي جائحة اقتصادية سابقة ـ على السطح بعد أن تضع كورونا أوزارها .. وحين يصار إلى حصر الخسائر الفعلية والمتوقعة، لتكون تلك هي إحدى أخطر التحديات التي ستواجه العالم : كيف يعيد بث الحياة في عصب اقتصاد كف عن الحركة؟

التعليقات (0)