في السنوات الأخيرة، لم تعد
الرواية الغربية
التي تتناول الشرق الأوسط أو المجتمعات الإسلامية منشغلة فقط بالحروب أو الإرهاب
أو اللجوء، بل انتقلت إلى مساءلة البنى الثقافية والهوية الجنسية والاغتراب بوصفها
مفاتيح لفهم الإنسان المعاصر.
وفي هذا السياق، تأتي رواية "No God But Us" (لا إله إلا نحن) للكاتب الأفغاني الأمريكي
بوبق سيد (Bobuq Sayed)، التي حظيت
باهتمام نقدي واسع قبل صدورها، باعتبارها واحدة من أبرز الأعمال
الأدبية التي
تتناول تقاطع المنفى، والهوية، والسياسة، والجنس، في عالم ما بعد "الحرب على
الإرهاب".
وفي مراجعتها المنشورة في صحيفة الغارديان،
ترى الناقدة بيجاي سيلكوكس أن الرواية تبدأ بطاقة سردية استثنائية، قبل أن تنزلق
تدريجياً إلى مسار أكثر تقليدية، فتخفق في المحافظة على الوهج الفكري والجمالي
الذي ميز افتتاحيتها.
المسرح بوصفه استعارة للعالم
تقوم الفكرة المركزية للرواية على استعارة
بالغة الكثافة: الجميع يؤدون أدواراً. العائلات تؤدي
دور المحافظة الاجتماعية، والسياسيون يمثلون السلطة، والمنظمات الدولية تمارس
أداءً أخلاقياً، بينما لا يعترف بحقيقة "التمثيل" سوى فناني عروض السحب (Drag Queens)، لأنهم وحدهم يدركون أنهم يرتدون الأقنعة.
هذه الفكرة لا تتعلق بالهوية الجنسية وحدها،
بل تمتد إلى بنية المجتمع الحديث بأسره؛ حيث يتحول الإنسان إلى كائن يعيش تحت ضغط
التوقعات الاجتماعية، فيمارس أداءً دائماً للهوية أكثر من كونه يعيشها بصورة
طبيعية.
وتستعيد الرواية هنا إرثاً فلسفياً قريباً
من أطروحات عالم الاجتماع الكندي إرفنغ غوفمان حول "الحياة بوصفها
مسرحاً"، حيث تتحول العلاقات الاجتماعية إلى سلسلة من العروض المتبادلة التي
يسعى فيها الأفراد إلى إدارة انطباعات الآخرين عنهم.
الشتات الأفغاني وأسئلة الانتماء
بطل الرواية "دلبار" شاب أمريكي
من أصول أفغانية يعيش في ضاحية "ليتل كابول" بولاية فرجينيا الأمريكية. وهو ابن مهاجرين أفغان يمثلان نموذج الطبقة المحافظة
التي نجحت اقتصادياً لكنها بقيت أسيرة منظومة القيم التقليدية. لا يشعر دلبار بالانتماء الكامل إلى أي عالم؛ فهو ليس
أمريكياً بالكامل، ولا أفغانياً كما تريد عائلته، كما أنه يخفي ميوله الجنسية عن
محيطه الأسري.
وتجسد شخصيته أزمة شائعة في أدب الهجرة
الحديث، حيث لا يكون المنفى مجرد انتقال جغرافي، بل حالة وجودية دائمة يعيش فيها
الفرد بين ثقافتين، من دون أن يمتلك وطناً كاملاً في أي منهما.
إسطنبول.. المدينة الحدودية
بعد انكشاف جانب من حياته الشخصية، يغادر
دلبار الولايات المتحدة إلى إسطنبول، التي تتحول إلى المسرح الرئيس للأحداث.
ولا تبدو المدينة مجرد خلفية جغرافية، بل
رمزاً للحدود الحضارية بين الشرق والغرب، وبين الحرية والقمع، وبين المواطنة
والهشاشة. فالكاتب يقدم
إسطنبول باعتبارها مدينة يعيش فيها الجميع داخل المكان نفسه، لكن بشروط مختلفة
تماماً.
الأمريكي يستطيع مغادرتها متى شاء، أما اللاجئ الأفغاني فيعيش فيها معلقاً داخل
متاهة الإجراءات البيروقراطية، بانتظار قرار من مفوضية الأمم المتحدة للاجئين قد
لا يأتي أبداً. ومن هنا تصبح
المدينة استعارة للعالم المعاصر، الذي يسمح بحرية الحركة للبعض، بينما يحاصر آخرين
داخل حدود غير مرئية.
الحب بوصفه تجربة سياسية
يلتقي دلبار بمنصور، وهو لاجئ أفغاني فرّ من
بلاده ثم من إيران بعد انكشاف ميوله الجنسية. وتنشأ بين الرجلين علاقة حب، لكنها ليست مجرد قصة عاطفية. فالكاتـب يستخدم العلاقة للكشف عن اختلاف الخبرات
الإنسانية داخل الجماعة الواحدة. كلاهما أفغاني، وكلاهما مثلي. لكن أحدهما يحمل جوازاً أمريكياً، والآخر يحمل تاريخاً
من اللجوء والاقتلاع. وبذلك تتحول
العلاقة إلى اختبار لفكرة الامتياز داخل الشتات نفسه. فحتى أبناء الهوية الواحدة لا يعيشون العالم بالكيفية
نفسها.
نقد الليبرالية الأمريكية
تشير مراجعة الغارديان إلى أن الرواية تطرح
نقداً ضمنياً للحلم الأمريكي. فدلبار يؤمن
بإمكانية إعادة اختراع الذات عبر الإرادة الفردية، وهي فكرة مركزية في الثقافة
الأمريكية الحديثة. لكن منصور،
الذي عبر الحدود مرات عديدة، لا يؤمن بهذه الأسطورة. فالتاريخ بالنسبة إليه ليس شيئاً يمكن تجاوزه بسهولة، بل
قوة مستمرة تعيد تشكيل حياة الإنسان مهما حاول الهرب منها.
وهنا تقدم الرواية مواجهة بين تصورين للحرية: حرية ليبرالية ترى أن الفرد يستطيع صناعة ذاته، وتجربة لاجئ تؤكد أن السياسة والجغرافيا
كثيراً ما تسبقان الإرادة الفردية.
السياسة بوصفها قدراً يومياً
تجري أحداث الرواية عام 2015، في لحظة سبقت
تحولات كبرى في العالم؛ قبل عودة الشعبوية، و"بريكست"، وجائحة كورونا،
والعودة الثانية لدونالد ترامب. وتتعمد
الرواية اختيار تلك اللحظة التاريخية بوصفها زمناً بدا فيه العالم أكثر تفاؤلاً. غير أن القارئ، الذي يعرف ما سيحدث لاحقاً، يقرأ الأحداث
بعين مختلفة، مدركاً أن ذلك التفاؤل كان مؤقتاً.
وبذلك تتحول الرواية إلى تأمل في هشاشة
اللحظات التاريخية، وكيف يبدو المستقبل دائماً أكثر استقراراً لمن لم يعش
انهياراته بعد.
نقد البنية السردية
ورغم الإشادة الكبيرة بالبداية، ترى مراجعة
الغارديان أن الرواية تعاني من تراجع واضح في النصف الثاني. فالشخصيات الثانوية التي بدت شديدة الحيوية في البداية،
وعلى رأسها والدة دلبار "قندال"، تتراجع بصورة مفاجئة. كما تتحول الرواية من عمل ساخر وجريء يكشف تناقضات
الجاليات المهاجرة إلى قصة رومانسية سياسية مألوفة تدور حول الحب المستحيل واليقظة
السياسية.
وترى المراجعة أن الكاتب لم ينجح في تجاوز
القوالب التقليدية للرواية الليبرالية المعاصرة، رغم امتلاكه مادة إنسانية وثقافية
غنية.
قراءة فكرية
تكشف "لا إله إلا نحن" عن تحول
مهم في الأدب المكتوب بالإنجليزية حول المجتمعات الإسلامية.
فهي لا تتناول الإسلام بوصفه قضية دينية،
ولا أفغانستان بوصفها ساحة حرب، وإنما تنظر إلى الإنسان المسلم بوصفه فرداً يعيش
صراعات الهوية والاغتراب والجسد والسياسة في آن واحد.
كما تعكس الرواية اتجاهاً متنامياً في الأدب
الغربي نحو تفكيك الحدود التقليدية بين قضايا الهجرة، والهوية، والجنس، والسياسة،
باعتبارها قضايا متداخلة لا يمكن فهم إحداها بمعزل عن الأخرى.
وفي الوقت نفسه، تثير الرواية أسئلة أوسع
حول مفهوم الحرية ذاته: هل يستطيع الإنسان فعلاً أن يعيد تشكيل نفسه بعيداً عن
التاريخ والأسرة والدولة؟ أم أن هذه البنى تظل حاضرة مهما حاول الفرار منها؟
وفي المحصلة، تبدو "No
God But Us" عملاً طموحاً في موضوعه وأسئلته، إذ
ينجح في رسم عالم معقد تتقاطع فيه تجارب المنفى والهوية والسياسة، حتى وإن رأى بعض
النقاد أن زخمه السردي يخفت بعد افتتاحية لافتة، وأنه ينتهي إلى بنية أكثر تقليدية
مما كانت توحي به بداياته. ومع ذلك، تبقى الرواية جزءاً من موجة أدبية جديدة تسعى
إلى إعادة تعريف صورة الإنسان المسلم في الأدب العالمي، بعيداً عن القوالب
النمطية، وعبر أسئلة الانتماء والحرية والحدود التي أصبحت من أبرز قضايا القرن
الحادي والعشرين.
من هو بوبق سيد؟.. كاتب ينتمي إلى جيل ما
بعد الحرب
ينتمي الكاتب الأفغاني الأمريكي بوبق سيد (Bobuq Sayed) إلى جيل جديد
من الأدباء المنحدرين من أصول أفغانية الذين يكتبون باللغة الإنجليزية، ويختلفون
عن الجيل الذي سبقهم في طبيعة الأسئلة التي يطرحونها. فإذا كان كتّاب مثل خالد
حسيني ركزوا على الحرب واللجوء والحنين إلى الوطن، فإن سيد ينتمي إلى جيل ولد أو
نشأ في المهجر، ويكتب انطلاقاً من تجربة الشتات بوصفها هوية مستقلة، لا مجرد
امتداد للوطن الأم.
ويُعرف سيد أيضاً بنشاطه في قضايا اللاجئين
والمهاجرين والمثليين من أصول مسلمة، وهو ما انعكس بوضوح على أعماله الأدبية التي
تتناول تقاطع الهوية الدينية والثقافية والجنسية، ضمن فضاءات تتجاوز الحدود
القومية التقليدية. وتعد رواية "No
God But Us" أول أعماله الروائية، لكنها جاءت بعد سنوات من الكتابة
الصحفية والنشاط الثقافي، الأمر الذي منحها حضوراً لافتاً في دور النشر الغربية
حتى قبل صدورها، إذ صدرت في وقت متزامن تقريباً في الولايات المتحدة وبريطانيا
وأستراليا، في مؤشر على الرهان الكبير الذي وضعه الناشرون عليها بوصفها صوتاً
جديداً في الأدب الإنجليزي المعاصر.
ولا يكتب سيد بوصفه شاهداً على أفغانستان
فحسب، وإنما بوصفه كاتباً عابراً للحدود، تتحرك شخصياته بين واشنطن وإسطنبول
وكابول وطهران، ويصبح الوطن لديه شبكة من الذكريات والهويات المتعددة أكثر من كونه
رقعة جغرافية ثابتة.
الأدب الأفغاني.. من رواية الحرب إلى أدب
الشتات
شهد الأدب الأفغاني خلال العقود الأربعة
الماضية تحولات عميقة ارتبطت بالتحولات السياسية التي عرفتها البلاد منذ الغزو
السوفييتي عام 1979، مروراً بالحرب الأهلية، وحكم طالبان، ثم التدخل الأمريكي،
وانتهاءً بعودة طالبان إلى السلطة عام 2021.
وقبل هذه التحولات، ظل الأدب الأفغاني يُكتب
في معظمه باللغتين الدارية والبشتوية، وكان يدور حول الشعر والتصوف والسرد الشعبي،
مع حضور محدود للرواية الحديثة مقارنة بجيران أفغانستان في إيران أو الهند.
غير أن موجات اللجوء الواسعة إلى أوروبا
وأمريكا الشمالية أفرزت جيلاً جديداً من الكتّاب الذين اختاروا الإنجليزية لغة
للإبداع، وهو ما أدى إلى انتقال الأدب الأفغاني من المحلية إلى العالمية.
وكان خالد حسيني أبرز من مثّل هذه النقلة من
خلال روايات مثل عدّاء الطائرة الورقية وألف شمس ساطعة، حيث قدم أفغانستان بوصفها
بلداً تمزقه الحروب، لكن أعمال الجيل اللاحق تجاوزت هذا الإطار، لتتناول أسئلة
الهوية والمنفى والاندماج والذاكرة والانتماء، ولم تعد الحرب سوى خلفية من بين
خلفيات عديدة.
وفي هذا السياق، تمثل رواية "No God But Us" امتداداً لهذا
التحول، لكنها تضيف إليه بعداً جديداً يتمثل في معالجة قضايا النوع الاجتماعي
والهوية الجنسية، وهو ما يجعلها أقرب إلى أدب "ما بعد اللجوء"، حيث لم
يعد السؤال المركزي هو كيفية النجاة من الحرب، بل كيفية بناء الذات بعد النجاة
منها.
بين مخاطبة الغرب وإعادة تعريف الذات
تندرج رواية بوبق سيد ضمن تيار أدبي واسع
أخذ يتبلور منذ تسعينيات القرن الماضي، ويتمثل في أعمال يكتبها أدباء من أصول
عربية أو إسلامية باللغة الإنجليزية، موجهة أساساً إلى القارئ الغربي، لكنها في
الوقت ذاته تعيد مساءلة المجتمعات التي ينتمي إليها هؤلاء الكتّاب.
ويضم هذا التيار أسماء بارزة مثل خالد
حسيني، ومحسن حامد، وكاميلا شمسي، وليلى العلمي، وهدى بركات في بعض ترجماتها
الإنجليزية، وغيرهم من الأدباء الذين جعلوا من اللغة الإنجليزية وسيلة للعبور إلى
المجال الأدبي العالمي.
ولا يقتصر هذا الأدب على نقل صورة عن
المجتمعات الإسلامية، بل يسعى إلى تفكيك الصور النمطية التي ترسخت بعد أحداث
الحادي عشر من أيلول/سبتمبر، من خلال
تقديم شخصيات مسلمة بوصفها كائنات إنسانية
معقدة، تعيش تناقضات الهوية والاغتراب والحب والسلطة والأسرة، بعيداً عن الثنائية
التقليدية التي حصرت المسلم في صورة الضحية أو المتطرف.
وفي المقابل، يثير هذا اللون من الكتابة
نقاشاً نقدياً واسعاً داخل الأوساط الأكاديمية، إذ يرى بعض الباحثين أن الكتابة
باللغة الإنجليزية تمنح الأدب العربي والإسلامي حضوراً عالمياً وقدرة أكبر على
التأثير في الرأي العام الغربي، بينما يعتبر آخرون أن السوق الأدبية الغربية تفرض،
أحياناً، أولوياتها الموضوعية والجمالية، فتزداد الروايات التي تتناول قضايا
الإرهاب واللجوء والجندر والهوية لأنها أكثر قابلية للتداول والنشر والاحتفاء
النقدي.
ومهما يكن من أمر هذا الجدل، فإن هذا الأدب
أصبح اليوم أحد أهم الجسور الثقافية بين العالم الإسلامي والغرب، وأحد أبرز الحقول
التي تُعاد من خلالها صياغة صورة المسلمين في المخيال العالمي. وفي هذا الإطار،
تمثل رواية "No God But Us"
نموذجاً واضحاً لأدب ما بعد الهجرة، الذي لم يعد ينشغل بتقديم الشرق إلى الغرب
فحسب، وإنما يسعى إلى إعادة تعريف معنى الانتماء نفسه في عالم باتت فيه الهوية
تجربة متحركة تتجاوز الحدود القومية والثقافية والدينية.