كتب

الدول الأوروبية.. من التحالف مع السلطنة العثمانية إلى الاتحاد ضدّها

وظّفت أوروبا الانتماء المسيحي لرفد الحشد ضد الدولة العثمانية رغم أنّ النهضة الفكرية التي كانت أوروبا تعيشها تحدّ من تأثير الدين من الحياة العامة.
الكتاب: العلاقات العثمانية ـ الأوروبية في القرن السادس عشر.
الكاتب: إدريس الناصر رائسي.
الناشر: دار الهادي للطباعة والنشر والتوزيع، ط1 بيروت 2007.
عدد الصفحات: 432 صفحة.

ـ 1 ـ


اصطلح على البحث في موضوع التسابق الأوروبي لتثبيت أقدام البلدان الغربية في كيان السلطنة العثمانية بـ"المسألة الشرقية"، ومداره على  الصراع العثماني الأوروبي الذي امتد لعدة قرون كثيرة وخيض على عدّة جبهات؛ منها السياسي ومنها الاقتصادية والديني. وكان نظام الامتيازات، والمقصود منه تلك المعاهدات التي أمضيت بين الإمبراطورية العثمانية والدول الأوروبية لضمان مصالحها ومصالح رعاياها في البلدان الإسلامية، عنصرا مهما في ما طرأ على هذا الصراع من التغيرات والتبدلات على مرّ قرون عديدة. ونظر إليه من زوايا عديدة. وفي أثر "العلاقات العثمانية ـ الأوروبية في القرن السادس عشر"ّ، يتعهد الباحث  إدريس الناصر رائسي بـ"معالجة هذا الموضوع بالبحث العلمي الذي يعتمد على طريقة الاستقصاء والتحري، وذلك بالاعتماد على المصادر التاريخية الموثقة، وأيضا عبر الاطلاع على مجموعة الوثائق التي تمحورت حول هذه المسألة".

ـ 2 ـ

مثل القرن السادس عشر منعرجا مهما في تاريخ السلطنة العثمانية؛ ففيه انتقلت من إمارة الثغور التي تركز جهودها الحربية شمال هضبة الأناضول، كما كان الأمر في القرنين الرابع عشر والخامس عشر، إلى إمبراطورية مترامية الأطراف تمتلك كل أسباب القوة على المستويين العسكري والاقتصادي، وذلك بعد أن تسنى لها التخلّص من دولة المماليك في المشرق العربي، وصد الخطر الصفوي وراء الهضبة الفارسية. فضلا عن ذلك، أخذت تسيطر على الإمارات البيزنطية بعد فتح القسطنطينية سنة 1452م، وتهيمن على المستعمرات التجارية للمدن الإيطالية، التي كانت تمثل همزة الوصل بين الشرق والغرب، وأبعدت الخطر البرتغالي عن البحر الأحمر لضمان استمرارية الطرق التجارية القادمة من الشرق.

ولهذه الوضعية الجديدة تبعاتها، فستخاض معارك برية وبحرية بداية من هذا القرن، غايتها إعادة توزيع النفوذ بين الشرق الإسلامي وتمثله السلطنة العثمانية، والغرب المسيحي ممثلا في قوى عديدة وتحالفات تقودها الإمبراطورية الرومانية، ولكنها ستكرّس جميعها تفوق السلطنة العثمانية على المستويين العسكري والاقتصادي، وهذا ما جعلها تتمتع بجيش قوي منظّم مدعّم بولاء قراصنة البحر والقوى المحلية العربية وغير العربية، خاصّة أن الانسجام بين الأقليات والأعراق والأطياف في ولاياتها كان سائدا لا يزيد هذه القوى إلا تلاحما، وكان اقتصادها النشط يحقق فائضا كبيرا في الإنتاج.

لم تترك هذه الوضعية الدول الأوروبية المتناحرة فيما بينها على حياد؛ فقد سعت إلى كسب ودّها خوفا منها، أو حاولت التحالف معها لصد أعدائها، أو عملت على مواجهتها ببناء التحالفات والتكتلات، خاصة بعد أن تحقّقت من غاياتها التوسعيّة. وكانت الإمبراطورية الرومانية في مقدّمة هذه القوى؛ فلطالما أعلنت رغبتها في تدميرها، ولطالما حشدت الرأي العام الأوروبي بمساعدة البابوية لتوسيع تحالفاتها ضدّها. وفي الآن نفسه، كان العثمانيون حريصين على تفتيت القوى الأوروبية والعمل على إبقائها مشتتة؛ تجنباً لأي تكتل قد يهدد وجودها في أوروبا الشرقية، وكانوا يعوّلون على ولاء عديد الأقاليم الإسلامية الطوعي كما في بلدان شمال أفريقيا، ولوعيهم بأن الاقتصاد يبقى المحرك الأساسي للصراع، تم إقرار نظام الامتيازات في عهد  سليمان القانوني.

ـ 3 ـ

لقد كانت السلطنة العثمانية تعوّل على الفلاحة والتجارة لضمان نهضتها الاقتصادية، واختارت تقسيم  الأراضي على الجنود والفلاحين، وجعلت لها ضوابط وقوانين محكمة لرفد ميزانية الدولة بالأموال لدعم مجهودها الحربي.

وكان عليها أن تنخرط في مبادلات تجارية واقتصادية مع الدول الأوروبية. ومن هنا مأتى أهمية نظام الامتيازات الذي أشرنا إليه، وأساس فلسفته منح امتيازات جبائية للتجار الأوروبيين داخل أراضي السلطنة، بهدف تنشيط الاقتصاد العثماني، خاصّة بعد ما طرأ على خطوط التجارة العالمية من تحوّل إثر الاكتشافات الكبرى التي قام بها الأوروبيون. ولتفوق الدولة العثمانية حينها قدّم هذا النظام باعتباره منّة وعطفا.

مثل القرن السادس عشر منعرجا مهما في تاريخ السلطنة العثمانية، ففيه انتقلت من إمارة الثغور التي تركز جهودها الحربية شمال هضبة الأناضول، كما كان الأمر في القرنين الرابع عشر والخامس عشر إلى إمبراطورية مترامية الأطراف، تمتلك كل أسباب القوة على المستويين العسكري والاقتصادي.
وقد جاء في قول السلطان سليمان القانوني عند إمضاء المعاهدة الفرنسية - العثمانية لعام 1535م، التي تنزل بالضرائب الجمركية على البضائع الفرنسية المصدرة إلى البلدان الواقعة تحت السيطرة العثمانية، إلى خمسة بالمائة: "عُرضت مطالبكم على أقدام عرشنا، فنظرنا فيها بعطف". وبعد أقل من عقدين، حصلت بريطانيا بدورها على حرية رعاياها في التجارة بكامل الإمبراطورية العثمانية. ثم توسعت دلالة هذا الاصطلاح لاحقا، لتشير إلى المعاهدات التي ربطت الدول الرأسمالية الأوروبية بالدول الإسلامية عامة، ومنها تلك التي أمضيت مع الدول المغاربية.

ـ 4 ـ

لقد كان لهذا النظام أسباب دينية؛ فالقوانين الشرعية وقتها تمنع على غير المسلمين حق التملك وإدارة المشاريع في أرض الإسلام. والعالم الحديث من حول الإمبراطورية العثمانية يتحوّل بسرعة، لذلك كان لا بد من إجراءات استثنائية تدفع بالحركة التجارية في السلطنة. مع ذلك، يظلّ الدّافع إلى هذه المعاهدات سياسيا اقتصاديا بالأساس، تقتضيه تحالفاتها مع بعض الدول الأوروبية التي مثّلت لها أداة من أدوات الهيمنة، تساعدها على ضمان مركز مميز إزاء القوى المنافسة التي تتنامى قوتها البرية والبحرية، فشكّل تحالفها مع فرنسا على سبيل المثال أساس سياستها الأوروبية في مواجهة شارل الخامس الإمبراطور الروماني، الذي يعلن دائما أن هدفه الأساسي هو القضاء على السلطنة العثمانية، ويلقى في ذلك دعم البابوية.

وللدول الأوروبية التي كانت تتحالف مع الدولة العثمانية حساباتها بدورها، فقد كانت تقدّر أن السلطنة العثمانية هي القوة العسكرية الوحيدة القادرة على حفظ التوازن الأوروبي في مواجهة الإسبان، ومن هذا المنطلق، كانت فرنسا ترى في هذا التحالف احتماء بالدولة العثمانية من إسبانيا في الجنوب، ومن الإمبراطورية الرومانية التي باتت تحيط بها من جميع الجهات.

ولمّا شعرت السلطنة بالخيبة من التحاف مع الملك الفرنسي المنشغل بحروبه الدينية ضد البروتستانت وتذبذب موقفه أمام ضغط البابوية والرأي العام الأوروبي، ثم تحالفه مع إسبانيا في منتصف القرن السادس عشر، حاولت عبر نظام الامتيازات هذا أن تستدرج إنجلترا للتحالف معها لشق الصفّ الأوروبي، خاصّة أنها كانت أكبر من يتصدى للهيمنة الإسبانية.

ـ 5 ـ

إذن كان نظام الامتيازات ناجعا في ظل الهيمنة التي كانت تبسطها على شركائها، أو الفوائد غير المباشرة التي كانت تجنيها. ومع تغير الظروف، ظهرت مساوئه بشكل جلي؛ فقد مكنت الاكتشافات الجغرافية من فتح طريق آخر للتجارة العالمية، ففقدت السلطنة العثمانية جزءا كبيرا من سيطرتها على التجارة العالمية بانهيار طريق الحرير. وفي الآن نفسه، تضاعف نصيب التجارة الأوروبية عدة مرات من اكتشافها للعالم الجديد، و تغيّرت وضعية السلطنة وأهدافها، فلما افتقدت لأسباب القوة لاحقا، أصبح هدفها الدفاع عن وجودها في أوروبا ومحافظتها على الأراضي التي تبسط عليها نفوذها، بعد أن كانت تقدّم التنازلات والامتيازات خدمة لأغراضها التوسعية.

وفقدت تحكمها في اللعبة السياسية، بعد أن تاهت في لعبة التحالفات والتحالفات المضادة التي انتهجتها بين القوى الأوروبية الصاعدة. وبالمقابل، تصدعت الجبهة الداخلية نتيجة لضعف السلطة المركزية وفقدانها للكلمة العليا في تعاملها مع الولايات التابعة لها، هذه التداعيات أدت إلى ضعف عام للسلطنة العثمانية، وعجزها في مواجهة خطر الهجمات الخارجية. ترتّب عليها ظهور حركات ذات نزعات انفصالية، عمقت من تأثير تداعيات الانهيار الداخلي للسلطنة العثمانية.

أنشأ  هذا السياق علاقة غير متكافئة بين السلطنة العثمانية والدول الأوروبية، واتضح أنّ هذه الامتيازات مثلت الثغرة التي استغلها الأوروبيون بشكل واع لتحقيق طموحهم في السلطنة، وباتت عبئا ينخر كيانها شيئا فشيئا، ويوفر موطئ قدم لخصومها لتحريض أقاليمها البعيدة، للتمرّد عليها بعناوين دينية طائفية حينا وقومية حينا آخر.

ـ 6 ـ

بداية من منتصف القرن السابع عشر، فقدت السلطنة العثمانية أغلب حلفائها بفقدانها للقدرة على حمايتهم، وأصبحت كل دول غرب أوروبا مستعدة لتجميع قواتها ضدها أو لإغراقها في التمردات الدّاخلية والحروب الأهلية، ووُظّف الانتماء المسيحي لرفد هذا الحشد، رغم أنّ النهضة الفكرية التي كانت أوروبا تعيشها تحدّ من تأثير الدين من الحياة العامة. ومقابل هذا التحالف الأوروبي ذي النطاق الواسع، فشلت السلطنة في إحياء الروح العثمانية التقليدية نحو الجهاد.

ومع بداية الثورة الصناعية في القرن الثامن عشر، تحولت أوروبا إلى عصر الدولة القومية المتطوّرة، فيما واصلت السلطنة العثمانية انحدارها حتى بلغت مرحلة الضعف، وأخذ حوض البحر الأبيض المتوسط  يتحوّل من نظام الامتيازات، الذي غدا استعمارا مقنّعا بعد، إلى الاستعمار الرأسمالي الصريح الذي يستهدف السيطرة على مصادر المواد الأولية أولا، ثم يعمل على أسواق لبيع ما ينتجه منها من المواد المصنعة. وأصبحت الولايات التابعة للسلطنة ميدان تنافس بين الفاعلين الدوليين، موضوعه السطو على خيراتها ومدّخراتها، وكان استعمار تونس والمغرب تجسيما للانتقال من نظام الامتيازات، إلى نظام الحماية بالجبر وبالتهديد بالقوة العسكرية.

بداية من منتصف القرن السابع عشر، فقدت السلطنة العثمانية أغلب حلفائها بفقدانها للقدرة على حمايتهم، وأصبحت كل دول غرب أوروبا مستعدة لتجميع قواتها ضدها، أو لإغراقها في التمردات الدّاخلية والحروب الأهلية.
تحوّلت عندئذ إقامة الجاليات الأوروبية في أراضي السلطنة العثمانية، وتوافدها من معظم أنحاء أوروبا الغربية وتنظيمها لنفسها، بحجة التجارة، إلى مظهر من مظاهر الاستعمار الأوروبي الممتد إلى قارات أفريقيا وأمريكا وآسيا. وتحوّلت  الاتفاقيات والمعاهدات من تنظيم الشراكة المتوازنة بين البلدان والتبادل المتكافئ للمصالح، إلى تنظيم للخضوع وللتغلغل الاستعماري، الذي يستبيح حقوق السكان الأصليين ويستخدمهم لاستنزاف موارد بلدانهم.

ونجح في خلق التناقضات داخل التركيبة السكانية للمجتمع العثماني، وكان على هذا الغرب المتحالف أن يكيّف مفهوم الشرق للمرحلة، فحوّل الفكرة الصليبية من المفهوم الحربي الذي سيطر على أذهان الغرب طيلة العصور الوسطى، إلى المفهوم الثقافي والفكري، وأن يضع فيه أسس إمبريالية القرن التاسع عشر.

ـ 7 ـ

الكتاب "العلاقات العثمانية ـ الأوروبية في القرن السادس عشر" كتاب ضخم ضمّ البحث التاريخي إلى التحليل الجيوسياسي بمهارة تعكس جهد كاتبه إدريس الناصر رائسي، فقد استند إلى عدد كبير من المراجع باللغات المختلفة، ودعّم تحليله بعدد مهم من الوثائق في شكل خرائط وظيفية وملاحق محققة، يأخذ أغلبها عن عبد الجليل التميمي من عمله التشكيل الإداري والجغراسياسي للإيالات العثمانية.

ويمكن اختزال همّه في البحث عن الجذور العميقة لاختلال موازين القوى بين الشرق والغرب وللاستعمار الغربي لأجزاء كبيرة من بلدان المشرق العربي، فيجعل من نظام الامتيازات الذي وُجد لبسط الهيمنة على البلدان الأوروبية "مفتاح الشرق أمام القوى الأوروبية، التي رأت فيه قيمة اقتصادية لأوروبا المتفتحة على النهضة الحديثة".

ويجد في علاقات العالم الغربي بدول العالم النامي عامة ضربا من الامتداد لهذه السياسة على نحو ما، رغم تغيّر الفاعلين وتوسّع الحيّز الجغرافي، فيشير ضمنا إلى انعدام التكافؤ في العلاقات الدولية القائمة على منطق الهيمنة، ويضع مفهوم استقلال دول العالم النامي موضع تساؤل، ولا شكّ أنّ الوقائع على السّاحة الدولية اليوم تؤكّد وجاهة أطروحته.