كتاب عربي 21

باتريك زكي.. ولماذا خضع الجنرال هذه المرة؟!

باتريك زكي- جيتي
وقد وصل الناشط السياسي باتريك زكي الى وطنه (المختار) إيطاليا مرفوع الرأس موفور الكرامة، وقد استُقبل هناك استقبال الفاتحين، وجب السؤال لماذا باتريك زكي؟!

الثلاثة الذين خُلّفوا في الحوار الوطني، ما بين مجمّد لعضويته ومنسحب، احتجاجاً على الحكم الصادر بسجن الناشط المذكور، قدموا الشكر للجنرال على استجابته لهم، وكذلك فعل مجلس أمناء الحوار المذكور، مع أنه لا شكر على واجب، ومع أنهم يعلمون أن الاستجابة لم تكن لهم، فالأسباب التي دفعتهم لاتخاذ هذا الموقف الجريء (على غير العادة)، هي ذاتها الأسباب التي دفعت رأس النظام لإصدار قرار بالعفو الفوري، وبدون تردد، مع ما مثّله هذا من خضوع سريع بما يخالف العادة أيضاً.

لن نتحدث عمن لا بواكي لهم من معتقلي التيار الإسلامي، لأن القوم في الحوار الوطني، وفي خارجه من أحزاب الأقلية، لا يرون أنفسهم معنيين بمعتقلي هذا التيار، ضمن تصنيف غير دقيق بأنه لا شفاعة لمن تلوثت أيديهم بالدماء، أو اتُهموا بأعمال إرهابية، فليس صحيحاً أن كل المعتقلين من هذا التيار وُجهت لهم اتهامات هكذا، فمعظمهم بحسب المنسوب إليهم هم معتقلو رأي وفق ما استقر عليه القضاء المصري في عهود سابقة، ومن بين من يطالبون هم بالإفراج عنهم لأنهم من شيعتهم؛ من هم في السجون بتهم عنف!

التيار المدني في عمومه (لدي تحفظ على هذا الوصف) كان شاهدا ومؤيدا للمجازر التي ارتكبت، وشاهدا على الجثث التي أُحرقت. وقاعدة الأيدي الملوثة بالدماء تسري على أهل الحكم أنفسهم، لكننا إذا سايرناهم في سياسة يباح للسلطة ما لا يباح لغيرها، لوقفنا على أن هناك معتقلين من التيار المدني، لم يجد الثلاثة إياهم أنفسهم مطالبين بتجميد عضويتهم في الحوار الوطني أو الانسحاب منه، من أجلهم!

شاهد على المجازر:

فالتيار المدني في عمومه (لدي تحفظ على هذا الوصف) كان شاهدا ومؤيدا للمجازر التي ارتكبت، وشاهدا على الجثث التي أُحرقت. وقاعدة الأيدي الملوثة بالدماء تسري على أهل الحكم أنفسهم، لكننا إذا سايرناهم في سياسة يباح للسلطة ما لا يباح لغيرها، لوقفنا على أن هناك معتقلين من التيار المدني، لم يجد الثلاثة إياهم أنفسهم مطالبين بتجميد عضويتهم في الحوار الوطني أو الانسحاب منه، من أجلهم!

ولن نذهب بعيداً فأمامنا حالة الناشط السياسي شريف الروبي، وهو ممن شملهم العفو الرئاسي، ولمجرد أن اشتكى من العوز، وضيق الرزق، أعيد اعتقاله من جديد، وهي حالة مشابهة لحالة باتريك زكي، فالأول أعيد اعتقاله أما باتريك فقد صدر حكم قضائي بسحنه، فغضبوا له ولم يغضبوا لشريف الروبي، وانسحبوا من أجل باتريك ولم ينسحبوا من أجل شريف مع ما في موقفهم هذا من استفزاز للسلطة، وازدراء لحكم قضائي. لكنهم كانوا يعرفون حدود اللعبة، وإدراك المسؤولين في الحوار الوطني لهذه الحدود هو ما جعلهم يطالبون السيسي بالإفراج عن باتريك، ولم يفعلوها في حالات أخرى، وصلت لحد اعتقال نساء لسن من التيار الإسلامي؛ مثل الإعلامية هالة فهمي، والصحفية التي تعاني من الإعاقة صفاء الكوربيجي.. جرأة هنا، وانبطاح هناك، مع أنه كان على مجلس الأمناء في الحوار الوطني أن يقدم مطلبه عبر القنوات الرسمية من غير أن يبدو أنه يمليها على النظام!

ومع هذا الاستفزاز الذي مثّلته رسالة الثلاثة إياهم، والمطلب المعلن لقادة الحوار الوطني، لم يعطِ رأس السلطة لنفسه وقتاً للمناورة، ولو من باب الرد على هذا الاستفزاز، ولكنه هرول إلى الإفراج السريع عن باتريك زكي، ولم يمارس سياسة ذر الرماد في العيون، بأن يكون الإفراج عنه بإجراءات احترازية، فقد كان في حالة هلع أفقدته لياقته في التصرف، ولم يراع حجم الحرج الذي أحاط بمؤيديه من جراء ذلك!

وهو أمر ذكّرنا بواقعة سابقة، عندما طلب المجلس العسكري من قاضي التحقيق في قضية التمويلات الأجنبية منع المتهمين الأمريكيين من السفر، وسط زفة عظيمة من مؤيديه ومن الموالاة بأن مصر تتغير، وأن الدولة في ظل حكم القوات المسلحة قادرة على أن تعامل الأمريكيين معاملة آحاد الناس، وإذ فجأة تحدث الفضيحة المدوية، فقد ألغي القرار من قاض غير مختص، وتم السماح لهم بالسفر حالاً، لأن الطائرة الأمريكية مرابطة في المطار، وحاول البرلمان أن يجد لنفسه مخرجاً لرفع الحرج، وقد شارك في الرقص على الواحدة والنصف لقرار المنع، فاستدعى رئيس الحكومة، فقال إنه لا شأن له بالأمر، واستدعى وزير العدل فقال إنه لم يعلم بما جرى!

عندئذ كتبت مبكتاً القوم، بأن المسؤول عن ذلك هو المجلس العسكري ولا داعي لسياسة اللف والدوران، فإما أن يستجوبوا المسؤول وإما لا داعي لذلك. وكان المجلس العسكري في حالة صمت يداوي جراحه والكرامة التي أُهدرت، ونقل عن مبارك في محبسه دهشته، وتساؤله كيف حدث المنع من السفر والمشير محمد حسين طنطاوي يعرف حجم علاقتنا بالأمريكيين، وأن هذه التمويلات متفق عليها ولا تصلح أن تكون مادة للاتهام، لكن بعد ذلك عرفنا من كان يدير الأمور في هذه الفترة استغلالاً لعلاقة القرب من طنطاوي، ووضع البلد كله في حالة حرج!

زمن الحماية الأجنبية:
الذي جعل الثلاثة وجماعة الحوار الوطني ينفرون خفافا وثقالا، ويغدون خماصا وبطانا، هو ذاته السبب في هذا القرار السريع بإخلاء سراح باتريك، مع أنهم لم يقوموا بالدور نفسه في حالة شريف الروبي، لنقف على سياسة التمييز بين الخيار والفاقوس داخل التيار المدني نفسه!

إن الذي جعل الثلاثة وجماعة الحوار الوطني ينفرون خفافا وثقالا، ويغدون خماصا وبطانا، هو ذاته السبب في هذا القرار السريع بإخلاء سراح باتريك، مع أنهم لم يقوموا بالدور نفسه في حالة شريف الروبي، لنقف على سياسة التمييز بين الخيار والفاقوس داخل التيار المدني نفسه! لأننا عدنا إلى زمن الحماية الأجنبية التي أُلغيت بإلغاء النحاس باشا لمعاهدة 1936، وقد وقفت في دراستي لتاريخ الصحافة المصرية، على أن هذه الحماية امتدت في مرحلة ما على الصحف الأجنبية التي تصدر في القاهرة، والتي كانت عصية على الخديوي نفسه!

إن باتريك ينتمي لـ"المبادرة المصرية للحقوق الشخصية"، وهي مبادرة تقع تحت الحماية الأجنبية الكاملة، ورأينا كيف أن الأمين العام للأمم المتحدة الساب منح صاحبها الصفة الصحفية، ومن ثم أعلن عن شعوره بالقلق لاعتقاله، فاضطرب الحاكم العسكري وأفرج عنه، وهذه نقطة!

لكن ضغوطاً غربية مكثفة صدرت في حالة علاء عبد الفتاح، ورغم هذا لا يزال معتقلاً، وإذا كانت إيطاليا منحت باتريك الجنسية الإيطالية، فإن بريطانيا فعلت الشيء نفسه مع عبد الفتاح بمنحه الجنسية البريطانية، فكيف أنقذت الإيطالية صاحبها، بينما لم تضف الثانية شيئاً لحاملها؟!

هنا نحن أمام الوزن النسبي لـ"المبادرة" من حيث ارتباطها بالغرب، وبين التيار المدني في مجمله، تماماً كما أننا أمام الوزن النسبي لـ"إيطاليا" بالمقارنة بوزن "بريطانيا"، فالحكم العسكري يشتري صمت روما على مقتل الباحث جوليو ريجيني، وقد دفع من لحم الحي الكثير دية لقتيل إيطاليا، ومن صفقات تجارية إلى صفقات سياسية. وتبدو الحكومة الإيطالية لديها استعداد للتجاوز عن مطلب فتح التحقيق في قضية ريجيني، راضية بالثمن المدفوع، لكن البرلمان يمارس ضغوطاً بين الحين والآخر على الحكومة، فكان لا بد من دعم موقفها بمثل هذه الصفقات وآخرها الإفراج عن باتريك، والتي قالت رئيسة الحكومة البريطانية إنها على اتصال يومي بالسيسي من أجله!

تكمن المشكلة هنا في هذه الإدارة العشوائية للدولة، فلست مستعداً لتنزيه القضاء عن التدخل في شؤونه فأزايد بهذا عمن ضمهم النظام لحواره، وقد احتجوا على حكم السجن، كما لو كان قرارا سياسيا.

لكن ضغوطاً غربية مكثفة صدرت في حالة علاء عبد الفتاح، ورغم هذا لا يزال معتقلاً، وإذا كانت إيطاليا منحت باتريك الجنسية الإيطالية، فإن بريطانيا فعلت الشيء نفسه مع عبد الفتاح بمنحه الجنسية البريطانية، فكيف أنقذت الإيطالية صاحبها، بينما لم تضف الثانية شيئاً لحاملها؟!

الاستقواء بالأجنبي:

وبدلاً من هذا الإحراج كان ينبغي على السلطة أن توجه للبراءة، أو الإدانة بنصف هذه المدة، وقد قضاها بالفعل في السجن، فلا تكون الإدانة سبباً في القبض عليه، لكن من الواضح أن تداخل الاختصاص بين الأجهزة نتج عنه هذا الوضع المخزي، فيبدو النظام مدشنا لفكرة الاستقواء بالأجنبي وقد قبِل وساطة رئيسة الحكومة الإيطالية، مع أن من الأفضل قبول شفاعتها سراً دون المرور بهذا الحرج الذي مرت به البلاد مع المتهمين الأمريكيين، فلما صدر الحكم بمنعهم من السفر، وملّت الإدارة من مناورات الجانب المصري كان أمرها بأن يفرج عنهم الآن، وهو ما رفضه القاضي المختص والذي من الواضح أنه حمل على قرار المنع من السفر، فكان اللجوء الى استدعاء قاض غير مختص ليشهد العالم فضيحة تغنّى بها الركبان!

وهناك نقطة أخرى دفعت إلى أن يخضع هذا النظام في قضية باتريك، الذي سبق اعتقاله لعام ونصف مع منعه من السفر، كما رفض التدخلات الأجنبية في حالة علاء عبد الفتاح، وهو اختلاف التوقيت، فهم على أبواب انتخابات رئاسية كلما اقترب موعدها ارتبكوا، لدرجة أن يشطح بهم خيالهم حد الاعتقاد أن جمال مبارك يمكن أن يقْدِم على منافسة السيسي مع وجود عتبة قانونية مانعة!

والحال كذلك، فقد فقدوا لياقتهم في التصرف، وبدلا من الإدانة التي لا ترتب أثرا، كان الحكم بسجنه ثلاث سنوات، ثم قبول الضغوط الخارجية، وقبول ابتزاز الثلاثة أعضاء الحوار الوطني، ثم يتم اتخاذ قرار سريع بدلا من التريث لعدة أيام، ويكون الإخراج مرتبكاً، وبدلاً من أن يصدر العفو ضمن مجموعة كبيرة نسبياً من القوى المدنية، تضم صحفيين ونساء، رأينا الكفاءة المتواضعة في إدارة الأزمة، ألا وقد تم العفو عن مسيحي فليكن هذا مع معتقل سلفي هو المحامي محمد الباقر، فمن قال لأهل الحكم إن باتريك يتم حسابه طائفياً من جانب أهل السياسة والمراقبين؟!

"يقضى على المرء في أيام محنته حتى يرى حسناً ما ليس بالحسن"!

twitter.com/selimazouz1