كتاب عربي 21

انتخابات 2024.. هل هي الحل؟!

هل يخشى السيسي المساس بجمال أم سيكون نجل مبارك حذرا؟- صفحة المتحدث الرسمي
بدأت الأصوات في الداخل المصري ترتفع بالتأكيد على أن مصر لا يمكنها أن تتحمل السيسي أكثر من هذا، وهي أصوات للموالاة السابقين، وقد فقد الجنرال أغلبية مناصريه، وما بقي معه من أقلية يمكن أن تتخلى عنه إذا تأكدت تماماً أنه سيرحل، فدوافعها انتهازية بامتياز، وتذكرنا بالذين كانوا يهتفون في وجوهنا أيام الثورة، بأن مبارك والدنا وليس مقبولاً إهانته، فلما تنحى سبقونا لميدان التحرير ليحتفلوا بسقوطه!

ومهما يكن فالشعار المرفوع الآن، أن الأوضاع لا يمكنها أن تستمر مع هذا الفشل غير المسبوق، وغير المحتمل، وفي إطار الدولة العميقة وحزب الكنبة، فقد حدث تحول لافت، فمن العبارة سابقة التعليب: "أن مصر لا يصلح لها سوى حاكم عسكري"، فقد صار التسليم بأن العسكر لا يصلحون للحكم. وإذا استمر الحال لدورة أخرى مع هذا الفشل المؤكد، فسوف يتسبب في ضرر يلحق بسمعة العسكريين لدى عامة المصريين، وبشكل ربما لم يحدث منذ هزيمة يونيو 1967، عندما صار القوم مثار سخرية الناس، وهدفاً لنكاتهم، على النحو الذي دفع عبد الناصر إلى الطلب من الشعب المصري أن يعرض عن هذا، وأن يتوقف عن إطلاق نكاته التي تنال من الروح المعنوية للجيش المصري!

عندما وقف أحد الأصدقاء على هذا التحول، ومن شخصيات لها اعتبارها وكانت مؤيدة للمرحلة، وضد الإخوان وحكمهم، بل وضد الثورة أيضاً، اختلف معي فيما ذكرته هنا من قبل؛ من أن جمال مبارك لن يكون منافساً للسيسي، ولكنه يجهز ليكون بديلاً له، وقال إنه يتوقع بعد هذا الكلام عن عدم صلاحية العسكريين للحكم، أن يبدأ التمهيد لمرحلة جديدة يرفع فيها شعار "لا بد من حاكم مدني"، وأن المدنية لا تتحقق إلا في نجل الرئيس الراحل، باعتباره الخيار الاستراتيجي حتى الآن لطوي هذه المرحلة، لدى الحزب الوطني، وكبار العائلات، وحزب الكنبة والأعضاء المؤسسين له ممن لا يستطيعون ضرباً في الأرض!

وعليه فإن الصديق، الذي لم يكن بالمناسبة مؤيداً لحكم الرئيس محمد مرسي ولم يكن معارضاً للانقلاب عليه، يرى أن انتخابات 2024 قد تشهد دخول جمال مبارك على خط المنافسة!

ورغم تمسكي برأيي بأن مبارك الابن لن يكون منافساً للسيسي، بأي حال من الأحوال، إلا أنه طفا على سطح ذاكرتي أجواء الانتخابات البرلمانية في 2000، وما في تفاصيلها من دلالة!

جمال مبارك ليس مغامراً بطبيعته، وهو لأنه كان في السلطة، فيعرف حدودها في الانتقام، وهو يدرك أنه سينافس من يرى أن استمراره في الحكم لآخر يوم في حياته هو مسألة حياة أو موت!

والسيسي سيفكر بدلاً من المرة مائة مرة قبل إيقاع الضرر به، لأن حماية أسرة مبارك من اختصاص الإقليم، فضلاً عن أنه ليس في كل مرة تسلم الجرة، وقد يقابل هذا برفض واسع في الداخل، وهو يخشى من المغامرة، وإلا لكان عزل شيخ الأزهر، أو مكن نفسه عندما عدل الدستور من الإطاحة به، فضلاً عن أنه في الفترة الأخيرة بدأ في التراجع في بعض قراراته وتأجيلها وذلك على غير طبيعته في الحكم، كما حدث مع قرار إزالة المباني المخالفة من تأجيل، أو إرجاء تنفيذ!

لكن في المقابل فإن جمال مبارك ليس مغامراً بطبيعته، وهو لأنه كان في السلطة، فيعرف حدودها في الانتقام، وهو يدرك أنه سينافس من يرى أن استمراره في الحكم لآخر يوم في حياته هو مسألة حياة أو موت!

وبعيداً عن جمال مبارك، فإن قوى سياسية في الداخل بدأت تتحدث عن ضرورة أن يكون هناك بديل لخوض الانتخابات المقبلة في 2024، لأن الأوضاع لا يمكن أن تستمر على هذا النحو، وإن لم تتفق بعد على من يمكنه ذلك، لإدراكها أن الإعلان عن أسماء لمرشحين الآن يمثل مخاطرة كبرى على أمنهم الشخصي، وأمام من يتخلص من خصومه المحتملين واحداً تلو الآخر، ولهذا يبقي على المرشح الرئاسي السابق د. عبد المنعم أبو الفتوح في السجن، بدون اتهام واضح!

وهذه الدعوة لضرورة التغيير عبر الانتخابات المقبلة، بمنافس للسيسي، لم تتبلور بعد، وهي تجد معارضة ممن رفضوا المسار برمته منذ البداية، لأن الانقلابات لا تسقط بالانتخابات، وهي أحكام غير صحيحة، والصحيح أن هناك انقلابات سقطت بالانتخابات (حكم برويز مشرف نموذجاً)، ومثل هذا الرفض القائم على لا جدوى من الأمر، يكون منطقياً إذا كنا أمام خيارين؛ الثورة أو الانتخابات، لكن المؤسف أن من يرفضون هذا التغيير بالانتخابات لا توجد أمامهم خيارات أخرى، ودعوتهم تكرس لبقاء الحال على ما هو عليه، فلا تغيير بالانتخابات، ولا استعداد للتغيير بالثورة!

ولا يخفى على أحد أن الدعوة للتغيير بالانتخابات ليس مسلّماً بها من جانب الذين كانوا مع مسار 30 يونيو وما أنتجه من آثار، فلما تبين لهم الرشد من الغي، كان قرارهم أن البلد لا يحتمل هذا الحكم وفشله، وأنه صار يمثل عبئاً على وجدان مصر وأعصابها، وعلى حاضرها ومستقبلها، فمن بين هذا التيار من يستهينون بالدعوة يأساً، وقد استمعت لرئيسة حزب الدستور، في مقطع غير مكتمل، تقول إن أعضاء الأحزاب لا يستطيعون الخروج خارج مقار أحزابهم، فكيف يمكن قبول الدخول في تحدي الانتخابات!

وما البديل؟ لا بديل، فهم ينتظرون أن يتكرم النظام القائم بتوسيع الهامش الديمقراطي ليمكنهم من المنافسة، وهذا عبث، لأنهم يعتقدون أن مبارك هو من فعلها في نفسه ويرجون من السيسي ذلك، لعدم إدراكهم بأن بداية ما جرى منذ 2004 كانت بسبب ضغوط خارجية، وداخلية ممثلة في المعارضة، بسبب الإخفاق في الملف الاقتصادي، وقد قاوم الرئيس الضغوط مبكراً، لكن في النهاية كان حضور الشعب أكبر من أي مقاومة!

لا بديل، فهم ينتظرون أن يتكرم النظام القائم بتوسيع الهامش الديمقراطي ليمكنهم من المنافسة، وهذا عبث، لأنهم يعتقدون أن مبارك هو من فعلها في نفسه ويرجون من السيسي ذلك، لعدم إدراكهم بأن بداية ما جرى منذ 2004 كانت بسبب ضغوط خارجية، وداخلية ممثلة في المعارضة، بسبب الإخفاق في الملف الاقتصادي، وقد قاوم الرئيس الضغوط مبكراً، لكن في النهاية كان حضور الشعب أكبر من أي مقاومة

مغامرة أيمن نور:

وعندما بدأ الحديث عن تعديل الدستور بما يسمح بالانتقال من مرحلة الاستفتاء على الدستور إلى الانتخابات التعددية، لم يكن هذا بإرادة مبارك، وكانت المعارضة التقليدية، بجانب الشخصيات التي كان لها دور في مرحلة السادات، في ارتياب وخوف، وهنا تخطى الرقاب مغامر هو أيمن نور، غير ملتفت لما قد يصيبه من قراره بالمنافسة الجادة لمبارك، بينما هذه الشخصيات في ذهول، ومع أنه دفع الثمن، إلا أن الغيرة منه تملكتها، وقال حمدين صباحي في جلساته الخاصة إنه سيخوض الانتخابات القادمة، وما كان هذا إلا غيرة منه وندما لأنه فوت الفرصة، لأنه لم يستوعب المرحلة الجديدة، فالخارج قام بضغوط من أجل الإفراج عن نور، قاومها مبارك في البداية، ثم رضخ لها مهزوماً، كما هُزم في ملف سعد الدين إبراهيم، بعد مقاومة هائلة!

ومن مؤهلات السياسي أن يستشعر جديد اللحظة الراهنة، وعندما قضت المحكمة الدستورية العليا في سنة 2000 بعدم دستورية قانون الانتخابات فيما يختص بكونه لم ينص على الإشراف القضائي على العملية الانتخابية، تحايل أهل الحكم على ذلك، ليكون الإشراف الجزئي داخل اللجان، وكان هذا كافياً ليعرف السياسيون أن الشعب يريد التغيير، وذلك على عكس ما كان قد استقر في الوجدان على مدى السنوات العشر الماضية، ومنذ مقاطعة المعارضة للانتخابات البرلمانية في سنة 1990، وذهب قادتها يقبلون بالفتات من السلطة، ويبيعون بالرخيص؛ فأحزاب من بابها بيعت مقابل مقعد في البرلمان سواء بالتعيين أو بالتزوير!

وعندما استشعر المصريون أن ثمة باباً مفتوحاً للتغيير اندفعوا إلى لجان الانتخابات، لكنهم لم يجدوا المعارضة، فكانت أصواتهم لكل من لا تريده السلطة، لكنهم كانوا للأسف من الذين تمردوا على الحزب الوطني، وخاضوا الانتخابات ضد مرشحيه، وشهدت بعض الدوائر مقاومة لقرار منع الناس من الإدلاء بأصواتهم وكان إشراف القاضي لا يمتد إلى خارج لجنة الانتخابات. ولك أن تتصور أن يستمر الكر والفر، لصالح مرشح الحزب الوطني السابق محمد عودة في شبرا الخيمة، رغم قرار مدير جهاز مباحث أمن الدولة بإسقاطه، وذلك جزاء وفاقاً لموقفه ضد قرار إزالة أحد السلالم الخارجية بمسجد بدائرته، فقد صدر قرار الإزالة لأنه في حرم الشارع، وجاءت قوات الأمن لتنفيذ الإزالة، لكن نائب الحزب الحاكم انحاز للجماهير التي احتشدت لتقاوم القرار، يومئذ قال مدير جهاز أمن الدولة في الإقليم اللواء صلاح سلامة له: على جثتي لو دخلت البرلمان مرة أخرى!

وعندما جاء موعد الانتخابات كان سلامة قد ترقى ليكون مديراً للجهاز على مستوى القُطر المصري، ومن يقف أمام إرادة مدير جهاز أمن الدولة؟!

لقد استبعده الحزب الوطني من قوائمه، فترشح مستقلاً، وكان القرار الأمني بضرورة إسقاطه، لكن عندما وصل التهاب الموقف لمبارك، بأن شبرا الخيمة قد تحترق من جراء منع أنصار محمد عودة من الإدلاء بأصواتهم، أعطى الإذن بمنع المواجهة الأمنية، وكان رأي اللواء سلامة أن ساعتين على إغلاق اللجان لن تمكن عودة من الفوز، لكنه فاز!

السيسي لن يكون في انتخابات 2024 في كامل قوته كما كان في انتخابات 2014، و2018، لاتساع دائرة الغضب، وكانت من قبل في حدود المعارضين لمساره منذ اليوم الآخر، وإذا كانت الأغلبية لم تكن مكترثة في السابق، فإنها غاضبة الآن!

تقدم جمال مبارك:

في هذه الانتخابات كانت المفاجأة في النتيجة التي حصل عليها مرشحو الحزب الوطني، والتي لم تتجاوز 33 في المئة، مع كل الإجراءات التي تمت خارج اللجان، لكن الحزب الوطني قبِلهم بعد تهديده بأن من يخوض الانتخابات ضد مرشحي الحزب خارج على الالتزام الحزبي ومن ثم لن يقبله الحزب مرة أخرى في صفوفه!

فهل تتغير الظروف بما لا تدركه المعارضة، ليجد الناس أنفسهم بين خيارين هما: السيسي وجمال مبارك؟

مع أني أستبعد هذا الخيار، لكني أرى أنه لا بعيد في السياسة، ولا شك أن السيسي لن يكون في انتخابات 2024 في كامل قوته كما كان في انتخابات 2014، و2018، لاتساع دائرة الغضب، وكانت من قبل في حدود المعارضين لمساره منذ اليوم الآخر، وإذا كانت الأغلبية لم تكن مكترثة في السابق، فإنها غاضبة الآن!

بعيداً عن الأماني العريضة، والاستغراق في التوقعات، فلا يحل للذين لا يوجد أمامهم من سبيل للخروج من المأزق الحالي أن يحجروا على خيار من يرون الحل في الانتخابات، باعتبار أنه ليس حلاً واقعياً، لأن السيسي لن يترك الحكم بسهولة، وهو لن يتركه بسهولة أيضاً في حال قيام ثورة، واحتمال وقوعها غير وارد الآن، على الأقل في الأمد المنظور!

ورأيي أن هناك مخاطر جمة يمكن أن يتعرض لها الوطن، أكثر من الحاصل الآن، في حال ما إذا تمكن السيسي من خوض انتخابات على قواعد 2014، و2018، حيث لا منافسة جادة، ولا ذرة خوف من نتيجة الانتخابات لو عزف الجميع عن منافسته.

إنه سيكون أكثر جرأة على تنفيذ سياساته الفاشلة، والتي بدأ في التردد في تطبيقها الآن، وسيكون أكثر بطشاً، وسيقدم على تعديل الدستور بما يمكنه من البقاء في السلطة مدى الحياة، وسيتصرف بدون خوف من ردة فعل الشعب!

ولن تعدم مصر من وجود مرشح مغامر، كأيمن نور في مواجهة مبارك، وليس صحيحاً أن ترشيحه أعطى مبارك شرعية، فالصحيح أنه هز مركزه، وإذا وُجد هذا الشخص فسيكون مهماً، حتى لا يكون بديل الناس كما كان بديلهم في انتخابات 2000، فربما تتغير قواعد اللعبة دون أن نتبه لذلك!

نتيجة انتخابات 2000 هي التي سمحت لجمال مبارك باختراق الحزب الوطني، وفي اجتماع للأمانة العامة للحزب لمناقشة النتيجة، قال جمال مبارك إنها نتيجة تقول إن الشعب يريد التغيير، وأن التغيير ينبغي أن يكون من القمة للقاع، ورد عليه الأمين العام للحزب الوطني، ونائب رئيس الوزراء، ووزير الزراعة، يوسف والي بعصبية بعد أن ضرب بيده على المنضدة بعنف: عن أي شعب تتحدث يا جمال؟.. هذا شعب نعرفه نفتح له فيدخل، ونغلق أمامه الباب فيتراجع!

ولم يأت موعد الانتخابات التالية في 2005، إلا وكان التغيير قد حل بيوسف والي نفسه، فقد تم الاتفاق مع وزير الداخلية حبيب العادلي على ضرورة تصفية الحزب الوطني من الحرس القديم، ليتم التخلي عن يوسف والي في دائرته الانتخابية وينجح مرشح الإخوان، وتجري المحاولة نفسها مع كمال الشاذلي، لكن الداخلية تفشل في ذلك، لكن يتم إبعاده من منصب وزير شؤون البرلمان، ومن موقعه الحزبي، لصالح الحرس الجديد بقيادة جمال مبارك، الذي جاء لإصلاح الحزب الذي ترهل مع أنه في هذه الانتخابات لم يحصل سوى على 36 في المئة من المقاعد، لكنه استغلها في بسط قبضته كاملة عليه، فالشعب يريد التغيير وينبغي أن نكون مع الشعب.. هكذا قال جمال مبارك في اجتماع الأمانة العامة للحزب، لكن تبين أن فهمه لإرادة الشعب تتوقف عند تغيير قيادة الحزب وصعوده هو ومن معه!

هل يكررها جمال مبارك، بينما المعارضة تستسلم لعقبات الظرف الراهن؟!

twitter.com/selimazouz1