كتب

اللغة العربية في القرن الأفريقي.. تقاطعات الدين والهوية والإثنية

مؤسسات اللغة العربية في دول القرن الأفريقي، تعاني جميعها إشكالات هيكلية
الكتاب: أوضاع اللغة العربية في القرن الأفريقي: تقاطعات الدين والهوية والإثنية
الكاتب: النور حمد ـ عبد الوهاب الطيب بشير
الناشر: الدوحة، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الطبعة الأولى، آذار/مارس2020.

ظلت منطقة القرن الأفريقي، عبر التاريخ، مركزا لاهتمام القوى الدولية، فهي منطقة بالغة الحيوية من الناحيتين الجيواستراتيجية والاقتصادية، فمضيق باب المندب، الذي يفصل بين القرن الأفريقي وجنوب الجزيرة العربية، يُعدّ نقطة من أخطر نقط الاختناق المائية ذات الأهمية القصوى. وقد بدأ تشكّل واقع جديد في علاقات الوطن العربي بدول القرن الأفريقي، تَمثّل واحد من جوانبه في اتساع مثير للاهتمام لدائرة استخدام اللغة العربية في منطقة القرن الأفريقي.

في هذا الإطار، صدر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ضمن سلسلة قضايا، كتاب "أوضاع اللغة العربية في القرن الأفريقي: تقاطعات الدين والهوية والإثنية" للباحثين د. النور حمد، أستاذ التربية، وعبد الوهاب الطيب بشير، أستاذ الدراسات الأفريقية.

تضمن الكتاب نتائج بحث ميداني لأوضاع اللغة العربية، شمل أربعا من دول القرن الأفريقي، هي إثيوبيا وإريتريا والصومال وجيبوتي، وناقش الكتاب جهود الدول العربية، والمنظمات الإسلامية، في نشر اللغة العربية، والدين الإسلامي في هذه الدول، موضحا إيجابيات هذه الجهود وسلبياتها. كما عرض ما تشهده هذه المنطقة من تدافعات، وتجاذبات بين الديانات، والهويات، والإثنيات المرتبطة بموضوع اللغة، مع التركيز على المستجدات، والمتغيرات التي حدثت في العقود القليلة الماضية.

بدأ المؤلفان الفصل الأول "تعريف عام لنطاق البحث"، بالإشارة إلى التعريف الذي اعتمداه للقرن الأفريقي، وهو التعريف الذي يختصر القرن الأفريقي في الصومال، وجيبوتي، وإريتريا، وإثيوبيا، والسودان. وأوضحا أن البحث لم يركز على السودان؛ لكونه قُطرا تسود فيه اللغة العربية.

قُسّم الفصل لعدد من المحاور، جاء أولها بعنوان الإثنية واللغة في القرن الأفريقي، فيما تناول الثاني علاقة  العرب بالحبشة، وناقش الثالث التداخل الحِميري- الحبشي، وبحث الرابع عن أصل الشعوب الحبشية والإريترية والنوبية والصومالية، وهل هم ساميون أم كوشيون أم حاميون؟ ثم عاد المحور الخامس ليعرض الوجود الحبشي في تاريخ العرب، وقارن المحور السادس بين عربية الشمال وعربية الجنوب في شبه الجزيرة العربية، وأخيرا ناقش المحور السابع منعطفات التحول اللغوي في القرن الأفريقي.

أراد المؤلفان أن يخلصا، من هذا الفصل، إلى القول؛ "إن هذا النطاق الجيو ثقافي، الذي يضم المشرق العربي والقرن الأفريقي، مترابط من الناحية التاريخية، والثقافية أكثر مما هو متصوَّر، لدى النخب السياسية والثقافية العربية، ولدى الجمهور العربي" ص (39). بيد أن هذا الفصل جاء طويلا جدّا، فضلا عن أن جميع المعلومات والموضوعات التي طرحها، تم تكرارها في الفصول اللاحقة.

في الفصل الثاني "الأدبيات السابقة" قام، المؤلفان، بالبحث في ما سبق ونُشر حول أوضاع اللغة العربية في القرن الأفريقي، حيث لاحظ المؤلفان، أن ما كُتب في هذا الشأن محدود جدّا، وكثير منه ورد في سياق آخر له صلة بوضع اللغة العربية.

أورد الكاتبان ملخصات لسبعة عشرة دراسة، هي كل الدراسات التي أجريت تقريبا، وخلصا منها إلى أن
مؤسسات اللغة العربية في دول القرن الأفريقي، تعاني جميعها إشكالات هيكلية، تتعلق بضعف المناهج، وقلة ارتباطها بالأوضاع المحلية، فضلا عن ضعف تدريب المعلمين، وتدني رواتبهم. وأوضح، الكاتبان، أن الأمر لايقف عند حدود الإمكانات، بل يتعداها إلى الرؤية والرسالة؛ إذ ظهر أن اللغة العربية مربوطة ربطا وثيقا بالدين، بل منحصرة في هذا الارتباط.

أثيوبيا المعاصرة

اختار المؤلفان أن يبدأا مناقشة أوضاع اللغة العربية في أقطار القرن الأفريقي، بإثيوبيا، لعدد من الأسباب منها؛ إن أثيوبيا المعاصرة تضم أرض المملكة القديمة، التي تمثل النطاق الأعرق في الإرث الحضاري في منطقة القرن الأفريقي، باستثناء السودان، كما أن لإثيوبيا علاقات تاريخية طويلة مع الجزيرة العربية، وهي تمثل قوة إقليمية لها وزن كبير، من حيث عدد السكان، والقوة العسكرية.

خصص المؤلفان الفصول من الثالث إلى السابع لدولة إثيوبيا، في الفصل الثالث "إثيوبي"، حاول الكاتبان تقديم صورة موجزة لتاريخ الهضبة الحبشية، وتاريخ علاقتها بجوارها العربي، إضافة إلى حالة الصراع الطويلة التي تسببت في عزلة الهضبة الحبشية عن محيطها العربي، وذلك بهدف فهم العوامل التي تحكّمت ولا تزال تتحكم في أوضاع اللغة العربية في الهضبة الحبشية، في إثيوبيا.

أشار الفصل الرابع "أصول الإثيوبيين العرقية" إلى أن هناك اختلافات حول الأصول العرقية في إثيوبيا، لكن هناك تقسيم عليه اتفاق كبير مفاده أن الإثيوبيين ينقسمون إلى ثلاث مجموعات رئيسية، هي: المجموعات ذات الأصول الكوشية، والمجموعات ذات الأصول السامية، والمجموعات ذات الأصول الزنجية.

قُسم الفصل إلى محورين، رسم أولها خريطة إثنية لإثيوبيا، وعرض الثاني المجموعات العرقية في إثيوبيا، حيث عرض أصول كل مجموعة، وموقعها، ولغتها، والأديان التي تعتنقها هذه المجموعات.
توصف إثيوبيا بأنها "متحف للبشر والألسن" ص (100)، وهي واحدة من الدول التي تتميز بكثرة اللغات، إذ يُقدر عدد اللغات واللهجات فيها بأكثر من 83 لغة حية ولهجة، لذا خصص المؤلفان، الفصل الخامس، لدراسة "اللغات في إثيوبيا".

هناك اختلافات حول الأصول العرقية في إثيوبيا، لكن هناك تقسيم عليه اتفاق كبير مفاده أن الإثيوبيين ينقسمون إلى ثلاث مجموعات رئيسية، هي: المجموعات ذات الأصول الكوشية، والمجموعات ذات الأصول السامية، والمجموعات ذات الأصول الزنجية.
يشير الفصل إلى أن اللغات في إثيوبيا تنضوي تحت صنوف اللغات الكوشية، والسامية، والأُموتية، ويتحدث أغلب سكان إثيوبيا اللغات الكوشية، أما اللغات السامية المتكلمة في إثيوبيا، فهي الأمهرية والتغرينية والتيغرية والعربية، وعموما فإن التحدث بالعربية، في إثيوبيا، محدود ومرتبط بالأوساط الدينية الإسلامية ومراكزها، غير أن فهمها أوسع من التحدث بها.

على الرغم من تفوق عدد الذين يتكلمون اللغات التي تنتمي إلى المجموعة الكوشية، على غيرهم من اللغات الأخرى، فإن اللغة الأمهرية أصبحت هي اللغة الرسمية في إثيوبيا، ويعود ذلك إلى سيطرة قومية الأمهرا على مقاليد الحكم في إثيوبيا قرونا طويلة.

في الفصل السادس، "الأديان في أثيوبيا"، يقول المؤلفان؛ "إن وجود اللغة العربية في إثيوبيا ارتبط بوجود الإسلام؛ فعلى الرغم من ارتباط الإثيوبيين بالسبئيين، الذين قدموا إلى الهضبة الحبشية في العصور القديمة، فـإن اللغة التي سادت في شمال الهضبة الحبشية، حيث استوطن السبئيون، كانت هي اللغة الجعزية. ويشير كثير من الدلائل إلى أن اللغة العربية كانت متكلَّمة، بقدر ما، في الهضبة الحبشية قبل وصول المهاجرين الأوائل. وبما أن القدر الذي انتشرت به اللغة العربية في الهضبة الحبشية ارتبط، إلى حد كبير جدّا، بانتشار الدين الإسلامي، فقد تأثر هذا الانتشار، مدّا وجزرًا، بمجريات الصراع المسيحي - الإسلامي فيها". ص (117)

أما الفصل السابع "حالة اللغة العربية في إقليم أورميا الإثيوبي"، فقد أوضح الكاتبان أن اختيار هذا الإقليم جاء نتيجة أنه أكبر الأقاليم الإثيوبية مساحة، فضلا عن أن إثنية الأورومو هي الإثنية الأكثر عددّا في إثيوبيا.

عرض الكاتبان لنتائج البحث الميداني، الذي تم عن طريق تجول الفريق البحثي في الإقليم، وأجرى مقابلات مع السكان، في مختلف المناطق، كما أجرى جلسات مجموعات تركيز مختلفة. وقد أسفرت التحريات الميدانية عن أن للغة العربية وجودا معتبرا في الأقليم، خصص المؤلفان المبحث الأول لدراسة أسباب هذا الانتشار.

خصص الكاتبان باقي مباحث الفصل لدراسة حالة اللغة العربية في مدن الإقليم المختلفة، وقد وجد الكاتبان أنه على الرغم من التفاوت الواضح في أوضاع اللغة العربية في الأقاليم الإثيوبية المختلفة، فإنه يمكن القول؛ "إن أوضاع اللغة العربية في إثيوبيا في تحسن مستمر، بل إن إثيوبيا تمثل في منطقة القرن الأفريقي، اليوم، القُطر الواعد في مجال استخدام اللغة العربية، مقارنة بكل من إريتريا، الصومال، وجيبوتي" ص  (160).

حضور اللغة العربية في إريتريا

أشار الكاتبان في الفصل الثامن "حالة اللغة العربية في إريتريا" إلى أن هناك تداخلا كبيرا بين التاريخ الإثيوبي والتاريخ الإريتري، إذ يرى الإريتريون أن مملكة أكسوم التاريخية تمثل جذرا تاريخيا لإريتريا أكثر مما تمثله لإثيوبيا.

وجد الكاتبان، أنه على الرغم من أن إريتريا ليست عضوا في جامعة الدول العربية، فإن للغة والثقافة العربيتين حضورا واسعا فيها، فاللغة العربية واحدة من اللغتين الرسميتين في دولة إريتريا، وهي مستخدمة على نطاق واسع، خصوصا في الأراضي الغربية المنخفضة المجاورة للسودان. كما أن اللغة العربية تُدرس في المدارس الإريترية إلى جانب اللغتين التيغرينية والإنجليزية.

جاء ترتيب محاور الفصل بالترتيب نفسه للفصول التي تناولت إثيوبيا، حيث تناولت المحاور الإثنيات والأديان واللغات في إريتريا، ثم ناقش الكاتبان مظاهر الثقافة العربية في الفضاء الإريتري، وعرضا مجموعة مختارة من الأدبيات المتعلقة بإريتريا، لجذب النظر إلى أن الثقافة العربية مكون أصيل من مكونات الثقافة الإريترية.

الصومال الكبير

أشار المؤلفان في مقدمة الفصل التاسع "جيبوتي"، إلى أن جيبوتي تُعد جزءا من النطاق الجغرافي والثقافي والإثني، الذي يسمى في مجمله "الصومال الكبير"، الذي يضم في وقتنا الراهن، جمهورية الصومال، والأجزاء التي أضحت مستقلة عنها متمثلة في (صوماليلاند، وبونتلاند)، جيبوتي، محافظتي هرر وأوغادين الإثيوبيتين، والمنطقة الشمالية الشرقية من كينيا.

وجد، الباحثان، أن وضع اللغة العربية في جيبوتي لم يزل هامشيّا على الرغم من وجودها القديم هناك، وعلى الرغم من اعتبار اللغة العربية لغة رسمية للبلاد. وقد كان للاستعمار الفرنسي دور كبير في ذلك، إذ عمل على إضعاف اللغة العربية وإلحاق جيبوتي إلحاقا كليّا بثقافته. وإن رأى الباحثان أنه "ينبغي ألا تُلقى اللائمة كليّا على سياسات الاستعمار وحدها، فقد دل المسار الذي سارته جيبوتي، منذ استقلالها، على أن الحديث عن دعم اللغة العربية غلب عليه الكسب السياسي والاقتصادي الآني، لا الرغبة الصادقة في التحول إلى اللغة العربية وتقوية وضع الثقافة العربية". ص(232)

 بدأ الفصل العاشر "الصومال" بلمحات من التاريخ الصومالي، الذي يقول المؤلفان إنه "يكتنفه الغموض؛ فهو أقل وضوحا في تفاصيله وتسلسله إذا ما قورن بتاريخ السودان القديم، وبتاريخ الهضبة الإثيوبية القديمة" ص (237)

تميز الصومال من غيره من دول القرن الأفريقي بوجود لغة واحدة، هي اللغة الصومالية التي يتحدثها كل الشعب الصومالي. ولكنه اكتسب لغات وافدة، إما بسبب الدين والصلات التاريخية بالجزيرة العربية، كما في حالة اللغة العربية، وإما بالاستعمار كما في حالة اللغتين الإنجليزية والإيطالية.

تواجه اللغة العربية  في الصومال تحديات؛ أبرزها العزوف عن دراسة اللغة العربية، أو الدراسة بها، وقد أرجع الكاتبان هذا إلى عدد من الأسباب منها: تراجع الكفالة والدعم المادي للمؤسسات العربية والإسلامية بعد أحداث 11 سبتمبر؛ تحول الدولة للتعامل في المجال الرسمي باللغة الإنجليزية، على الرغم من أن الدستور ينص على أن اللغة العربية هي اللغة الرسمية؛ قلة الكوادر المتخصصة في اللغة العربية؛ فضلا عن جهود المستعمرين، خلال الحقبة الاستعمارية، لإضعاف اللغة العربية وإبعادها عن الساحة الصومالية.

خصص الباحثان مبحثا لدراسة أوضاع اللغة العربية في صوماليلاند، ولكنهما لم يفعلا الأمر نفسه مع بونتلاند، دون إبداء أسباب.

جاء الفصل الأخير بعنوان "خلاصات أخيرة"، ناقش عددا من المحاور المتعلقة بموضوع البحث، مثل سلاح اللغة، وكيف أولت الدول الاستعمارية مسألة نشر لغتها في العالم أهمية كبيرة، وأهمية الاهتمام بلغات الجوار ودراستها ، كما ناقش ضعف الجهد العربي المتمثل في الحكومات العربية، وجامعة الدول العربية التي لم تستطع أن تنجز جهدا جماعيّا ممأسسا وثابتا في العناية باللغة العربية في القرن الأفريقي، وحاول البحث في أسباب هذا الضعف. ثم عرض دور جامعة أفريقيا العالمية، والملحقات الثقافية التابعة للسفارات العربية في نشر اللغة العربية.

وبعد، يمكن القول بأن هذا البحث جاء كمساهمة وإضافة بحثية جديدة، فموضوع اللغة العربية في القرن الأفريقي، واحد من الموضوعات التي لم يخصص لها الدارسون العرب من البحوث المفصلة سوى القليل.

بيد أن في محاولة الكتاب لتلمس أوضاع اللغة العربية في القرن الأفريقي، ورؤية حقيقتها على أرض الواقع، خاض مؤلفاه في كثير من الجوانب التاريخية، والاجتماعية، والسياسية،  وهو الأمر الذي قد يربك القارئ في متابعته للبحث الميداني، الذي وعدنا به المؤلفان في مقدمة الكتاب، حيث لا يوجد في الكتاب أي معلومات عن ماهية الأسئلة التي تم من خلالها إجراء البحث، ولم نعرف ما هي الفئات المستهدفة، ولا عدد من شاركوا فيه، وكانت النتائج في معظمها ملاحظات مرسلة للباحثين.