قضايا وآراء

حين ترفض السعودية الإملاءات الأمريكية.. ماذا بعد؟

1300x600

هل قرار السعودية بخفض إنتاج النفط في منظمة "أوبك +" نابع من وعي ذاتي لمكانتها الاستراتيجية، أم نتيجة لشعور بالتراخي الأميركي في العالم بشكل عام ومنطقة الشرق الأوسط بشكل خاص؟ أم هو مجرد قرار تكتيكي لا يندرج ضمن تغيير قواعد اللعبة الاستراتيجية بين البلدين المستمرة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، عندما التقى الملك فيصل بالرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت على متن الطراد الأمريكي "يو إس إس كونسي عام 1945؟

قد لا يبدو مهما ما هي الأسباب التي دفعت الرياض إلى قرارها بخفض الإنتاج النفطي، رغم الضغوط والتهديدات الأمريكية بعدم اتخاذا مثل هذا القرار، مقارنة باللهجة السياسية التي عبرت بها السعودية ودافعت عن قرارها بتخفيض إنتاج النفط، حين قالت عبر بيان وزارة الخارجية، إن المملكة ترفض الإملاءات، وتعمل على حماية الاقتصاد العالمي من تقلبات الأسواق البترولية.

وما يلفت الانتباه أيضا في بيان الخارجية السعودية، أن الرياض لم تقدم أعذارا عن موقفها بعد الانتقادات الحادة التي صدرت من واشنطن، بل قامت بعملية هجوم سياسي، أكدت فيه "إن محاولة طمس الحقائق فيما يتعلق بموقف المملكة من الأزمة الأوكرانية هو أمر مؤسف ولن يغير من موقف المملكة المبدئي وتصويتها بتأييد القرارات المتخذة في الأمم المتحدة تجاه الأزمة الروسية الأوكرانية، انطلاقا من تمسك المملكة بضرورة التزام كافة الدول بميثاق الأمم المتحدة ومبادئ القانون الدولي ورفضها لأي مساس بسيادة الدول على أراضيها".

جاءت الأزمة الأوكرانية في مفصل تاريخي تشهد فيه الولايات المتحدة تراجعا في الساحة الدولية منذ الأزمة الاقتصادية عام 2008، في وقت تحاول فيه اتباع سياسة الحرب الباردة التي أصبحت من الماضي، عبر دفع الدول للانقسام بين معسكرين.

يضاف إلى ذلك، وجود شخصية سياسية شابة في الرياض (محمد بن سلمان) متحررة من ثقل علاقة التبعية التي ربطت الرياض وواشنطن على مدار عقود خلت، ومتحرر من ثقل الضغوط الداخلية في المملكة.

هنا، تكشفت القدرة السعودية ليس كلاعب دولي في مجال النفط فحسب، بل كلاعب سياسي في الساحة الدولية بشكل عام والساحة الأمريكية بشكل خاص، من خلال رسم المعادلات الانتخابية داخل الولايات المتحدة، في وقت يسابق بايدن الزمن لمواجهة التضخم، وارتفاع أسعار الوقود، ما يقلل فرص الحزب الديمقراطي بالحصول على أغلبية في الكونغرس خلال الانتخابات المقبلة، المقرر عقدها في نوفمبر المقبل.

ولا تخفي السعودية رغبتها بإسقاط بايدن والحزب الديمقراطي من ورائه، بعدما أظهرت سياسة معادية للسعودية في كثير من الملفات، خصوصا الملفين الإيراني واليمني، فضلا عن ملف خاشقجي، وتفضل إدارة جمهورية تتقاطع رؤاها مع الرؤى السعودية في ملفات المنطقة.

 

ستكون المرحلة المقبلة بالغة الأهمية بالنسبة للسعودية، من أجل فرض نفسها كمعادل إقليمي، بحيث تكون قادرة من خلال موقعها الجيوسياسي، واقتصادها القومي، ووفرتها النفطية، على فرض أجندتها قدر الإمكان، لكن هذا الأمر يتطلب أيضا، خروج الرياض من المنظار السياسي الضيق، والذي جعلها خلال الأعوام الماضية على عداء مع قطر وتركيا، وهما دولتان فاعلتان ومهمتان في المنطقة.

 



لقد شكل قرار تخفيض إنتاج النفط فرصة سعودية بالغة الأهمية لتوجيه رسائل ليس إلى الإدارة الأميركية الحالية فقط، بل إلى صناع القرار في واشنطن، بأن مرحلة الابتزاز قد انتهت، أو على الأقل لم تعد كما كان شكلها في السابق، وأن أسس جديدة يجب أن تبنى عليها العلاقات بين البلدين الحليفين، خصوصا بعد مرحلة من الابتزاز السياسي والاقتصادي مارسته إدارة بايدن على بن سلمان فيما يتعلق بملف خاشقجي.

صحيح أن التمرد السعودي ينبع من أسباب محلية، لكنه قد يشكل مقدمة لتمرد على المستوى الإقليمي، كانت المنطقة بأمس الحاجة إليه قبل نحو عشر سنوات.

بطبيعة الحال، لن يكون أثر القرار السعودي على المستوى القريب، فالعلاقات بين الدولتين استراتيجية، وكل طرف يمتلك أوراق القوة: السعودية هي الدولة الرائدة في منظمة أوبك وأبك +، وقادرة على فرض رؤيتها للسياسة النفطية في هذه المنظمة، وتمتلك أيضا قدرة على التحرك في ملفات المنطقة دون الرجوع إلى الولايات المتحدة، وهذا هو الأهم، لا سيما في المرحلة الحالية والمقبلة، حيث التراخي الأمريكي واضح للعيان، وكان آخرها هرولتها نحو طهران لعقد اتفاق نووي، سيكون على حساب المنطقة العربي بالتأكيد، وفي مقدمتها السعودية.

أما الولايات المتحدة، فلا تمتلك أوراق قوة مباشرة سوى ملف التسلح السعودي، وفي هذا المجال، لا تستطيع الضغط كثيرا، لأنها قد تجبر الرياض على توسيع مروحة تسلحها، ما يضعف من التأثير الأميركي أكثر.

ستكون المرحلة المقبلة بالغة الأهمية بالنسبة للسعودية، من أجل فرض نفسها كمعادل إقليمي، بحيث تكون قادرة من خلال موقعها الجيوسياسي، واقتصادها القومي، ووفرتها النفطية، على فرض أجندتها قدر الإمكان، لكن هذا الأمر يتطلب أيضا، خروج الرياض من المنظار السياسي الضيق، والذي جعلها خلال الأعوام الماضية على عداء مع قطر وتركيا، وهما دولتان فاعلتان ومهمتان في المنطقة.