قضايا وآراء

"دولة الجكليتة" و"كرة الفشل" ومستقبل العراق!

1300x600
يُقصد بكلمة (جكليتة) باللهجة العامّيّة العراقيّة قطعة الحلوى الصغيرة التي توزّع في الأعياد والأعراس وفي غالبيّة المناسبات السعيدة، العامّة والخاصّة!

والكلمة ليست عربيّة، فأصلها من كلمة (Chocolate) الإنجليزيّة، ثمّ حُوّرت شعبيّا إلى كلمة (جكليتة)، وجمعها (جكليت)!

ومفردة (الجكليتة) سبق أن استخدمها سياسيّا رئيس البرلمان العراقيّ الأسبق محمود المشهداني في لقاء مع قناة "دجلة" الفضائيّة منتصف تشرين الثاني/ نوفمبر 2020، حيث ذكر أنّنا "حينما استلمنا السلطة كمعارضة كنّا نحن مقاولي تفليش (هدم)، وسيطرت علينا عقليّة الثأر، نحن جئنا لننتقم، ولهذا هجّروا العلماء، وقتلوا الطيّارين، وانهارت القوى الأمنيّة، ونحن فرحون لأنّنا جئنا للسلطة، أمريكا أخذت منا الدولة وأعطتنا السلطة، بالضبط مثل الطفل يحمل شيئا ثمينا تأخذه منه وتخدعه بـ (جكليتة). نحن فرحنا بـ (الجكليتة) وتركنا الشيء الثمين، وهو الدولة العراقيّة، وصرنا نقتل ونقصي من يقول: (لا)، ونفّسنا عن كلّ أحقادنا، وأخرجنا كلّ عقدنا في السجون، وظلمنا الناس، وسيأتي اليوم الذي يُحاسبنا الشعب العراقيّ"!

وكلام المشهداني الصريح والخطير نراه الآن واقعا أمامنا، فهل الذي ينتقم من المواطنين يبني دولة؟

ونُتابع منذ بضعة أسابيع تساقط مؤسّسات (الدولة العراقيّة) تماما مثل أحجار الدومينو، فبعد أن شُلّ عمل البرلمان بسبب الاعتصام المستمرّ لأنصار مقتدى الصدر، ودخول المنطقة الخضراء مرحلة الشلل شبه التامّ، وبقاء أجهزة الدولة الأمنيّة في حالة ترقّب وإنذار وذهول من سيطرة التيّار الصدريّ على الدولة، ثبت أنّ الصدر أقوى من الجميع، أو هو دولة داخل (الدولة)!

وضمن هذه الحالة غير الواضحة بقيت كافّة مؤسّسات الدولة في حالة رُكود مع محاولات (حكومة تصريف الأعمال) لبقاء الحدّ الأدنى من تمشية المؤسّسات الضروريّة، ولكن وقع يوم الثلاثاء الماضي التطوّر المُرتقب والمُتمثّل بقرار الصدريّين الاعتصام أمام بوّابة مجلس القضاء الأعلى، وذلك بعد أن أفتى المجلس بأنّ طلب الصدر (حلّ البرلمان قضائيّا) لا يَدخل ضمن صلاحيّاته!

وهذه الخطوة الصدريّة دفعت المجلس والمحكمة الاتّحاديّة لتعليق أعمالهم في عموم العراق.

وقد أرغمت هذه التطوّرات الخطيرة رئيس حكومة تصريف الأعمال مصطفى الكاظمي على قطع زيارته لمصر لحضور القمّة العربيّة المصغّرة والعودة إلى بغداد!

وخلال الساعة الأولى من الاعتصام انتقد وزير الصدر، محمد صالح العراقيّ، قرار مجلس القضاء بتعليق عمل المحاكم في العراق، ومؤكّدا عدم تدخل الصدر لإيقاف المتظاهرين، ممّا يعني أنّهم أعطوا الضوء الأخضر للمتظاهرين لاقتحام مجلس القضاء!

ولكنّ الصدر طلب من أنصاره، بعد خمس ساعات من الاعتصام وبعد أن نصبوا أكثر من 150 خَيْمة بباب مجلس القضاء، الانسحاب وإبقاء الخِيام تحت عناوين ولافتات منها: (اعتصام شهداء سبايكر) و(أهالي الموصل) و(مُحاسبة الفاسدين) و(قضاء مستقلّ ونزيه) وغيرها من المطالب!

وقد يكون هذا التصعيد الصدريّ ضمن سياسات (جرّ الأُذن) كما يُسمّيها الصدريّون، والتي تتنامى منذ عدّة أشهر، وأنّ الإبقاء على الخِيَام عند بوّابة المجلس هو إنذار نهائيّ قبل عودة المُعتصمين إليها في أيّ لحظة للاعتصام أو الاقتحام أو الفوضى، وبالذات مع تأكيد وزير الصدر، الأربعاء الماضي: "مَنْ يعتبر خطوة دخول القضاء فاشلة فإنّنا سنخطو خطوة مفاجئة أخرى لا تخطر على بالهم ولدينا المزيد"!

وقد لوحظ أنّ تغريدة وزير الصدر فيها تركيز على (سقوط النظام الحاليّ)، وربّما هذه هي الخطوة المفاجئة التي أشار إليها وزير الصدر، وهذا ما ستكشفه الأيّام المتبقّية من هذا الشهر!
 
والسيناريو الصدريّ عند بوّابة مجلس القضاء يُذكّرنا بسيناريو اقتحام البرلمان، وبالنتيجة شلّوا حركة البرلمان، وهذا يعني أنّ مصير مجلس القضاء سيكون مُشابها لمصير البرلمان!

فهل الصدر يتحدى الجميع داخل العراق وخارجه، وبالذات مع التسريبات التي تُؤكّد بأنّ ممثّلة الأمم المتّحدة ببغداد، جينين بلاسخارت، نقلت رسالة شديدة اللهجة ورافضة لفعّاليات الصدر التصعيديّة من المجتمع الدوليّ وذلك خلال اللقاء الذي جمعهما قبل أسبوعين، ولكن يبدو أنّ الصدر لم يَهتم لهذا التحذير؟

ومع ذلك قد يكون قرار الانسحاب الصدريّ من بوّابة مجلس القضاء بعد أن شعَرَ الصدر أنّه وقع في فخّ سياسيّ وقانونيّ، وقد يتمّ تحريك المجتمع الدوليّ والشارع العراقيّ ضدّه، وبالذات بعد ردّات الفعل المباشرة على تحرّكاته الأخيرة، ومنها تعطيل محاكم البلاد، ومذكرات الاعتقال الفوريّة لبعض الزعامات الصدريّة، وهذه (الردود القانونيّة) قد تؤدّي لتجميد الدولة، وإحراج الصدر، وربّما نهايته!

ومن هذا المنطلق وصف الإطار التنسيقيّ (جماعة الصدر) "بمختطفي الدولة"، ودعا جماهيره "للجهوزيّة التامّة لخطوة الردّ الشعبيّ"!

فيما أعلن الحشد الشعبيّ استعداده "للدفاع عن السلطات القضائيّة والتشريعيّة والنظام السياسيّ والدستور"!

وجميع هذه الفعّاليات تُؤكّد الفشل في بناء الدولة، ولهذا نجد بعض القوى السياسيّة ترمي (كرة الفشل) في ملاعب الآخرين رغم أنّهم جزء أساسي من المأساة.

وهكذا تبقى المناورات السياسيّة بين الزعماء الراكضين وراء مصالحهم تنقل العراق من نفق مظلم إلى نفق أشدّ ظُلمة!

فهل العراق ذاهب لمرحلة الفوضى الخلاّقة أم أنّنا فعلا صرنا دولة (الجكليتة) التي يتقاتل ساستها من أجل قطعة حلوى (السلطة) رغم ضياع الدولة؟

dr_jasemj67@