قضايا وآراء

الحركات الإسلامية والقرارات السياسية

1300x600

في هذا الأسبوع خرجت شائعتان، ربما تكونان فيما بعد خبرين حقيقيين، فربما كانتا بلونة اختبار، أو تمهيدا لقرار سياسي لكل منهما على حدة، الأولى تتعلق بالإخوان المسلمين في مصر، والأخرى تتعلق بـ"حماس"، ولم يصدر عن كل منهما تأكيد صريح، أو نفي تام.

أما ما يتعلق بالإخوان، فهو خبر نشر على أحد المواقع وله مصداقية إلى حد كبير، يتحدث عن وساطة بين إخوان مصر، ونظام السيسي. وأما ما يتعلق بـ "حماس"، فهو عن عودة علاقاتها مع النظام السوري، بعد انقطاع دام لسنوات، بسبب موقف "حماس" من الثورة السورية، ومغادرة أفرادها الأراضي السورية آنذاك.

لست هنا بصدد الحديث عن صحة أو خطأ الخبر إن صح كخبر، فهو أمر سابق لأوانه، ولكن الذي يعنينا هنا هو ردود الأفعال تجاه الخبرين، وكذلك المواقف المختلفة للحركات الإسلامية في مواقف وقرارات سياسية، رغم صدورها عن كيان واحد من حيث المنهج، رغم اختلاف أقطاره، مثل: الإخوان المسلمين، لكن المتابع والراصد لتاريخ الجماعة يجد عددا من القرارات السياسية المختلفة من قطر لآخر، في نفس القضية الواحدة، لكنها مختلفة.

فمثلا تجد جماعة الإخوان في اليمن، كانت ذات علاقة وطيدة وقوية مع السعودية، رغم أن السعودية هي التي دعمت الانقلاب على الإخوان في مصر، ولها موقف متشدد مع المصريين، وتقوم بتسليمهم للسيسي، وكذلك الحال مع أعضاء حماس، قامت بالزج بهم في السجون السعودية. والإخوان السوريون في ظل العداء بينهم والنظام السوري، قاموا بالتحالف مع أحد أركان النظام السابقين، وهو عبد الحليم خدام.

أما عن علاقة "حماس" بالأنظمة المعادية للإخوان، فنماذجها كثيرة، فعلاقتها بالنظام المصري المنقلب على الإخوان، تسوء أحيانا، وتتحسن أحيانا أخرى، بحكم أن مصر أحد أهم المعابر على حدود غزة، وكذلك علاقة حماس بإيران، ومعروف موقف إيران في بلدان كسوريا والعراق ولبنان، وحجم الدعم لمواقف كلها لا تصب في صالح الإخوان في بلدانهم.

ولو رجعنا لتاريخ الحركة في مصر سنجد مثل هذه النماذج، فمنذ العهد الملكي أيام الملك فاروق، وهو الذي بارك وأيد مقتل مؤسس الجماعة حسن البنا، بعد ذلك قام المرشد الثاني حسن الهضيبي بزيارته، ولما سألوه بعد خروجه من القصر الملكي: ما تعليقك؟ فقال: زيارة كريمة، لملك كريم.

وبعد أحداث يوليو 1952 حاكمهم وأعدم عددا منهم: النظام الناصري، وكان من تولى أمر هذه المحاكم في سنة 1954م محمد أنور السادات الرئيس المصري فيما بعد، وطوى الإخوان الصفحة معه، وكأن شيئا لم يكن. والنماذج كثيرة في عهد مبارك ومن بعده.

وأمام هذه المواقف المختلفة، والتي قد يرى الكثيرون أنها متناقضة، فما يحرم في بلد، يجوز في بلد آخر، ومن تنظيم يحمل نفس الفكرة، والمفترض أنه يتبنى نفس الثوابت، فلماذا إذن هذه الاختلافات الشديدة؟

في تصوري أن منشأ هذه الاختلافات نابع من أنها مسائل تتعلق بالسياسة، والتحالفات السياسية، سواء في الانتخابات، أو في العلاقة مع الأنظمة والسلطات، فما يعتبره البعض ثابتا في بلده، يعتبره الآخر هو الممكن الذي لا ممكن غيره، والسياسة في أحد تعريفاتها: هي فن الممكن، فالسياسي يتحرك في هذا الإطار.

لكن الخطأ الذي تقع فيه كثيرا الحركة الإسلامية، هو الخطاب ذو السقف العالي، دون دراسة لمآلات هذا الخطاب، ودون ارتكاز على معرفة حجم وقوة الحركة فيما ترفع فيه خطابها، فمثلا: في اعتصام رابعة، كان الخطاب سقفه عاليا بشكل مبالغ فيه، ولم يضع أحد من القائمين على الأمر احتمالية أن يتكرر معهم نفس سيناريو السادات، أو أي سناريو آخر، فكان المطروح إما الشرعية أو الشهادة، والشرعية كاملة دون انتقاص، وبعدما استشهد الدكتور محمد مرسي، إذ بنفس الجهة تعلن أن الشرعية للشعب المصري!!

 

العمل بالسياسة عمل شائك، وتحفه من كل جهة مشكلات وعقبات، وحين يكون من حركات إسلامية، فعندئذ يلزمها أن تفكر كثيرا فيما هو ثابت، وما هو متغير، وأن تعمق ثقافة جماهيرها به، بدل أن تسوقها الجماهير إلى قرارات غير مدروسة، أو مغامرات تخصم من رصيدها.

 


مثل هذه الخطابات العاطفية التي لا ترتكن على أساس عقلي يترك مساحة مفتوحة لخيارات أخرى، يصنع نوعا من الجماهير الضاغطة على الحركات الإسلامية في أي قرار ستتخذه يتعلق بالتحالفات السياسية، أو المفاوضات السياسية حسب قوتها وقدرتها، أو ضعفها والمواءامات المطلوبة.

خاصة أن جماهير الحركة الإسلامية العربية منها تحديدا، تتسم بتناقض عجيب في مواقفها، فقد تقبل من إخوان حماس ما لا تقبله من إخوان مصر، وقد تقبل من إسلاميي تركيا ما لا تقبله من إسلاميي حماس، هي هي نفسها الجماهير وكذلك نخبتها، فلو أن الرئيس التركي أردوغان أقدم على عمل سياسي مع السيسي أو بشار، سنجد جماهير الحركة الإسلامية المصريين والسوريين، تبحث عن أعذار، وتقدم المبررات للفعل التركي.

بل عندما يفعلها السياسي التركي ربما حكم البعض بأنها دهاء سياسي، وذكاء وحنكة، وأين حركاتنا وقاداتنا من هذا الدهاء، وأن الظروف لا تسمح لهم بأكثر من ذلك، وأكثر الله من خيرهم، فقد تحملوا ما لا يتحمله أحد، لكن في نفس الوقت لو كان الفعل من حماس أو إخوان مصر، يكون رد الفعل مختلفا، والرفض شديدا، لست هنا أبرر لهذا أو ذاك، إنما فقط أرصد ردود الأفعال التي تصدر عن جماهير الحركة في موقف واحد، لكن الفاعل مختلف.

 

على الحركة الإسلامية بعد الدراسات من المختصين، أن تجري حوارا مفتوحا مع الحاضنة الشعبية لها، سواء من داخل صفوفها، أو من جماهير الأمة التي هي رصيدها الحقيقي في مواجهة أعدائها، أو خصومها، فأحيانا يراد بالحركات الإسلامية فقد هذه الحاضنة، وأن تصبح عارية الظهر، بلا سند يسندها، أو داعم يدعمها،

  

وبين هؤلاء وهؤلاء يقف الفقيه الحركي، في حيرة من أمره، بين مواقف الجماهير المتناقضة، وبين موقف فقهي مطلوب منه، أو موقف دعوي، وكثير منهم ليس ملما بتفاصيل الأمر السياسي، ولو عنده طرف منها، فسيتهم من أمده بها أنه يريد منه التأييد أو الرفض، حسب ما يعطى له من معلومة، وهل الفقيه الحركي لديه التأهيل العلمي الكافي لاتخاذ مواقف في هذه القضايا السياسية؟!

العمل بالسياسة عمل شائك، وتحفه من كل جهة مشكلات وعقبات، وحين يكون من حركات إسلامية، فعندئذ يلزمها أن تفكر كثيرا فيما هو ثابت، وما هو متغير، وأن تعمق ثقافة جماهيرها به، بدل أن تسوقها الجماهير إلى قرارات غير مدروسة، أو مغامرات تخصم من رصيدها.

كما أن الحركة الإسلامية عليها أن تلجأ قبل أي قرار إلى عمل بحوث ودراسات معمقة من داخلها وخارجها، والتي من خارجها أهم، لأن من بالداخل لا يرى الصورة كما يراها من بالخارج، فهو أكثر حيادا، وأبعد عن تأثيرات الجماهير، مع إمداد هؤلاء الباحثين بالمعطيات السياسية التي لديها، دون إيحاء برأي يوجهه، بل معلومات مجردة بكل إنصاف وحيدة، إن أرادت رأيا مخلصا ومفيدا لها فيما تنوي من قرار.

كما على الحركة الإسلامية بعد الدراسات من المختصين، أن تجري حوارا مفتوحا مع الحاضنة الشعبية لها، سواء من داخل صفوفها، أو من جماهير الأمة التي هي رصيدها الحقيقي في مواجهة أعدائها، أو خصومها، فأحيانا يراد بالحركات الإسلامية فقد هذه الحاضنة، وأن تصبح عارية الظهر، بلا سند يسندها، أو داعم يدعمها، وأحيانا تهمل بعض هذه القيادات هذه الحاضنة، فتخسر نواتها الصلبة التي ظلت تدعمها طوال سنواتها الطويلة.