قضايا وآراء

الإمارات.. انفصام الهوية وموت الضمير!!

1300x600
لم يعد ثمة تردد أو حياء أو إحساس بأي قيمة وطنية أو أخلاقية.. الانبطاح كامل.. والاستسلام مريب، والبيع سماحٌ، والحالة مشاركة وتضامن وتكافل وتأييد، والشرب من كأس واحدة، هي كأس العاشقَين المتيّمَين التي تدور جراءها رؤوس ثملة، تلعب فيها الإمارات دور "اللعوب" بامتياز وإبداع لا نظير له؛ بغية إرضاء سي السيد الصهيوني الذي شرب من دم أبناء فلسطين، وشردهم واستولى على أرضهم واستهان بمقدساتهم واعتقل رجالهم ونساءهم وأطفالهم، وضيّق عليهم حياتهم، وحاصرهم وجوّعهم، واعتدى على أعراضهم وأرزاقهم، وسرق غازهم، ولم يُبقِ شيئا من ظلم عرفته البشرية إلا مارسه على عليهم.

كل ذلك ودولة الإمارات في واد والفلسطينيون والعرب الأحرار في واد آخر؛ حتى لكأنك تحس بأن الإمارات باتت مستوطنة صهيونية كبيرة، لا دولة عربية مستقلة.

ما تقدمه الإمارات للكيان الصهيوني من تنازلات وخدمات لا يمكن أن تجد له تفسيرا منطقيا، ولا تاريخيا ولا فلسفيا، ولا سياسيا؛ فما يحدث لا يمكن التخمين بأسبابه، فهو فوق كل خيال مبدع، ولا يمكن أن أتخيل شخصيا بأن ثمة شيئا يمكن أن يدفع الإمارات إلى هذا التقارب الشديد مع الكيان الصهيوني الذي لم تفعله من قبل، حتى مع أقرب حلفائها التقليديين من دول الخليج.

هل هي لعبة مصالح؟ أم أوامر فوقية؟ أم أن الكيان الصهيوني يحتفظ بأوراق ضغط شخصية على حكام الإمارات يهددهم بها؟ أم هو الرعب من إيران؟ أم هي الخيانة؟

ما نراه شيء يبعث على الحيرة المفرطة، لا سيما حين نرجع بالذاكرة للوراء قليلا؛ حيث موقف الشيخ زايد الداعم لمصر وسوريا في حرب أكتوبر 1973، ومقولته الشهيرة "النفط العربي ليس أغلى من الدم العربي" التي تعكس مدى ارتباط الإمارات بأمتها العربية، وحيث دوحة الحرية والأمن والرفاه التي كان يعيش في كنفها المواطنون والوافدون على حد سواء، قبل أن يستولي محمد بن زايد على مقاليد الحكم، ويضيّق على الجميع ويعتقل عددا كبيرا من رجالات الوطن بدون مقدمات، وكل من نبس بحرف معارضا أيا من إجراءاته الجديدة، وافدا كان أم مواطنا، حتى لقد أخذ كثيرين بشبهة الشبهة، فأودعهم السجون منذ سنوات من دون محاكمة أو مجرد تفكير بالإفراج عنهم.

لكن نظرة إلى تاريخ الإمارات والصراعات الدموية بين الأسرة الواحدة في سبيل الاستيلاء على العرش تجعلنا نحس بأن من يقتل أباه أو أخاه في سبيل القفز إلى السلطة، يمكنه أن يفعل كل شيء؛ فتاريخ حكام أبو ظبي ملوث بالدماء، وكان آخر سلسلة القتل والنفي والمطاردة وإهدار الدم التي ميزت شيوخ أبو ظبي وإمارات أخرى في الدولة؛ مقتل أحمد بن زايد قبل نحو 12 عاما، في عملية اغتيال غامضة عبر إسقاط طائرته في المغرب، حيث تجمع كل الآراء على اتهام شقيقه محمد بن زايد، وقد أكدت هذا الاتهام تصرفات الأخير ومؤامراته في عدد من الدول العربية والأفريقية، حيث لعب دورا مقززا في تدمير دول الربيع العربي، وإعادتها إلى أسوأ مما كانت عليه قبل الثورات، والتسبب في قتل عشرات الآلاف، وتجويع الشعوب، وخصوصا شعب اليمن المغلوب على أمره.

لا أتصور أن مغامرات محمد بن زايد ضد الثورات العربية سببها الخوف من وصول الثورة إلى بلده فقط، بقدر ما أظن ذلك عملا موجها لصالح الكيان الصهيوني الذي سيظل ممسكا بقبضته على فلسطين التاريخية ومقدرات الفلسطينيين، ما دام هناك حكام لا يؤمنون بالحرية والديمقراطية والتعددية، وهو ما يسعى له محمد بن زايد بكل شراسة وانعدام مسؤولية.

لقد اعتدنا من قبل على بعض مفردات التطبيع وصوره مع مصر مبارك، والأردن، لكننا لم نتوقع بالمطلق أن يصل ابن زايد بالتطبيع إلى حد التصهين مكتمل الأركان؛ فمن حيث يتذكر الفلسطيني ويلات الهجرة وعذاباتها والمجازر التي سبقتها، يحتفي عبد الله بن زايد، وزير خارجية الإمارات، بهذه الذكرى التي يسميها الكيان الصهيوني عيد الاستقلال، وهو العيد الذي يحتفل الإسرائيليون فيه بإنشاء دويلتهم يوم 14 أيار/ مايو حسب التقويم الميلادي، أو 5 أيار/ مايو حسب التقويم اليهودي. ويطلق عليه الفلسطينيون "يوم النكبة"، باعتبار أنه ذكرى ما حل بهم من تشريد؛ نتيجة لاغتصاب الصهاينة لوطنهم، فيقوم وزير الخارجية والتعاون الدولي عبد الله بن زايد بالاتصال هاتفياً بوزير الخارجية الصهيوني يائير لابيد ليهنئه "بعيد الاستقلال الرابع والسبعين لدولة إسرائيل"!!

وليت الأمر يتوقف عند هذه التهنئة المهينة لكل العرب، فقد أدان معاليه بشدة الهجوم الأخير في مدينة إلعاد، الذي راح ضحيته ثلاثة قتلى من جانب الكيان الصهيوني، إضافة إلى ثلاثة جرحى، وقدم تعازيه وصادق مواساته لأسر الضحايا، معرباً عن تمنياته بالشفاء العاجل للمصابين. يأتي ذلك في اللحظة التي لا يتعاطف فيها معاليه مجرد تعاطف مع الشهداء الفلسطينيين الذين يدافعون عن الأقصى أو الذين يقتلون بدم بارد وبدون جريرة لمجرد الشك في أنهم مقدمون على عملية طعن أو التذرع بذلك زورا؛ حيث لم نسمع تعزية باستشهاد امرأة أو طفل أو عجوز من قبل أي من حكام الإمارات، ناهيك عن غيرهم من سقط المتاع العربي.

ويظل السؤال الملح الذي لم أجد له إجابة مقنعة حتى اللحظة، هو: لماذا تتسارع وتيرة التطبيع والعلاقات الدبلوماسية والاقتصادية والاجتماعية بين الكيان الصهيوني والإمارات بشكل يبعث على الاستهجان، بينما لا يحدث ذات الشيء على مسار العلاقات المخزية مع السودان والمغرب والبحرين؟! فقد أبرمت الإمارات أكثر من 120 اتفاقية مع الكيان الصهيوني في قطاعات التنمية المستدامة والبحث والتطوير والزراعة والطب والتكنولوجيا المالية على سبيل المثال لا الحصر.

فما الذي بقي لتفعله الإمارات لمزيد من توثيق العلاقة بالكيان الغاصب؟ لم أعد أستبعد أن نجد غدا بعض الجنود الإماراتيين جنبا إلى جنب مع الجنود الصهاينة في مناورة تدريبية لمقاومة "عصابات الفلسطينيين الإرهابيين"، ولا أستبعد أن تخترق رصاصة إماراتية صدر طفل فلسطيني؛ فترديه شهيدا.. أو أن نرى طائرة إماراتية تقصف المدنيين في قطاع غزة.. لم أعد أستبعد شيئا على أبالسة الخليج وسياساتهم البائسة التي سيكتبها التاريخ عارا لم يسبق أن بلغته أمة من قبل بكل هذه البجاحة والصفاقة..

تقول الحكمة: "لا تسألني عن الغدر، فأنا لا أعتقد أن هناك كلمات قادرة على وصفه"، وهو ما أحس به هذه اللحظة، فأنا عاجز عن التقاط المعنى الذي يقنعني بأنني قلت ما أريد.. لكنْ عزاؤنا الوحيد أن الخيانة ميتة قبيحة؛ لقد ماتوا، ولن نقرأ على أرواهم الفاتحة، فأولى بهم أن يُصلى عليهم بصلاة "قاديشيا"، وهي الصلاة المقدسة على الموتى عند اليهود..!!