قضايا وآراء

لبنان: زمن المفاوضات المتعددة.. فهل إلى خروج من سبيل؟

1300x600
بازارات المفاوضات في لبنان وحوله تكاد لا تنتهي، بعد بازار المفاوضات لإنتاج حكومة بأي ثمن عبر التفاهم الإيراني الفرنسي، وغض الطرف الأمريكي المنهك في ملفاته العالقة على أكثر من صعيد؛ التي تبدأ من أفغانستان ولا تنتهي مع آلية التفاوض الإيراني في فيينا، حيث الكل في الكل مأزومون ولا طائل إلا بلغة التفاوض، فالطرفان محكومان بالاتفاق، وإن تغنج كل منهما.

إلا أن الحقيقة لا تؤدي إلا إلى مسارات الاتفاق شاء الطرفان أم تمردا، حيث إن المنطقة لا تحمل مزيدا من الهزات الأمنية والعسكرية الكبرى، علما أن الإسرائيلي على الأبواب خاصة بعد سلسلة تقرير صحفية، بأن إيران أمامها نحو شهر تقريبا لامتلاك ما يكفي من مواد لتزويد سلاح نووي واحد بالوقود، الأمر الذي قد يزيد الضغط على الولايات المتحدة وحلفائها للتفاوض بشكل أفضل لإعادة إحياء الاتفاق النووي السابق المبرم في عهد الرئيس أوباما.

ووفقا للتقرير الذي نشرته صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية، فقد قال الخبراء الذين يدرسون البيانات الجديدة الواردة في تقارير للوكالة الدولية للطاقة الذرية؛ إنه من خلال تخصيب الوقود النووي الإيراني في الأشهر الأخيرة إلى مستويات قريبة من مستوى القنبلة، فقد اكتسبت طهران القدرة على إنتاج الوقود اللازم لتشغيل رأس حربي نووي واحد في غضون شهر.

وهنا يحضر لبنان بين من يسميه ورقة أو لاعبا أو حليفا استراتيجيا أو كرتا رابحا عبر حزب الله والعلاقة المتجذرة مع طهران، فلبنان حاضر في سلم الساحات التفاوضية الدولية في الاتفاق الأمريكي- الإيراني.

وفي زمن المفاوضات الإقليمية، لا يختلف اثنان في أن لبنان حاضر وبقوة كما العديد من الساحات العربية الأخرى؛ على طاولة المفاوضات الإيرانية- السعودية تحت الرعاية العراقية. فرغم الإنكار الخافت لحادثة حصول اجتماعات بين السعودية وإيران في العراق، فإن عناصر سياسية عديدة تشير، ومصادر عربية متقاطعة تؤكد، أن اجتماعات حصلت وتحصل في العاصمة العراقية بغداد.

وعليه، فقد اشتملت المفاوضات على أربعة عناصر رئيسية؛ الأول هو ملف اليمن، الذي تسعى كل الأطراف للوصول إلى نهايات مرضية فيه، والثاني هو الملف اللبناني، الذي يشهد استعصاء يهدد البلد بالانهيار والتفكك، في حال لم تحمل الأيام القادمة لحكومة الميقاتي احتضانا عربيا اقتصاديا وماليا يشكل رافعة لوقف الانزلاق؛ وتاليا لبنان حاضر في هذه المفاوضات. ومن الملاحظ الفتور السعودي تجاه لبنان وحكومته الجديدة، وهذا ما سيجعلها تقايض وبقوة بعد اختزال دورها في بلورة الاتفاق الحكومي الأخير.. والثالث هو ملف الاتفاق النووي الإيراني ومفاوضات فيينا، والرابع هو أمن مياه الخليج.

أما لبنانيا، فالتفاوض بين الرئيسين أثمر ولادة الفريق المفاوض مع صندوق النقد، الذي رسم تشكيله علامات استفهام كبرى على شكل المفاوضين ورؤيتهم القادمة، حيث يرجح الكثيرون أن الرؤية الواحدة لمسارات الخطة الاقتصادية ودور الدولة والمصارف ومصرف لبنان وتحديد فجوة الخسائر، لن تكون بالأمر المستساغ.

فالتضارب ربما يشكل العنوان بين اللجنة التي ستكون مزيجا من رؤية الحكومة الديابية السابقة عبر مستشاري فخامة الرئيس من جهة؛ ورؤية الحاكم رياض سلامة ومعه وزير المال القادم من كونه مدير العمليات في مصرف لبنان وخلفه المصارف من جهة ثانية، ونظرة وسطية يمثلها الميقاتي ورئيس اللجنة سعادة الشامي، نائب رئيس الحكومة القادم من صندوق النقد الدولي وآفاق الأسواق المالية. وعليه، كيف ستتبلور المفاوضات اللبنانية مع صندوق النقد الذي سترسم شروطه الكثير من المطبات؛ ليس أقلها رفع الدعم وتحرير سعر الصرف الذي سيكوي اللبنانيين، ويزيد إلى فقرهم فقرا وإلى عوزهم عوزا وإلى مأساتهم صورا سوريالية قادمة؟

وعلى الخطى نفسها ستحمل الأيام القادمة عودة إلى التفاوض بشأن الثروة الأحفورية وترسيم حدودها بين لبنان والعدو الإسرائيلي على الحدود الجنوبية للبنان؛ وعلى ما يبدو برغبة مستحية إسرائيلية وطلب أمريكي، وربما حاجة لبنانية على أكثر من صعيد ولأكثر من طرف، خاصة بعد خرائط الجيش اللبناني الأخيرة وما حملته من حدود تتطلب تعديلا جوهريا، مرورا بالتلزيمات الإسرائيلية الأخيرة التي تشكل طريقا للحل، بالقدر الذي سيشكل عاملا للاستفزاز، حيث سيبلغ وزير الخارجية اللبناني السفيرة الأمريكية برغبة لبنان باستئناف مفاوضات ترسيم الحدود البحرية في مقر قيادة القوات الدولية، التي تجمدت بناء على طلب الوسيط الأمريكي بعد إصرار لبنان على الخط 29 بدلا من الخط السابق 23 المنصوص عنه في المرسوم 6433، الذي يكفل للبنان ما يفوق 1430 كلم بحريا جديدا ضمن المياه اللبنانية الخالصة، وصولا إلى حقل كاريش الذي سيكون مربض الفرس للإسرائيلي والأمريكي على حد سواء.

ورفضت إسرائيل وأصرت على العودة إلى ما يسمّى خط هوف الذي رفضه لبنان سابقا. وهنا بيت القصيد التفاوضي لكل من يسعى داخليا إلى مقايضة المرسوم 6433 والتنازل عن الثروة الأحفورية، وبين من يسعى إلى حلول بأي ثمن، ومن يريد بلورة حلول ضمن المنطوق الدولي الذي يكفل للبنان حقوقه.

ومن ثم، يؤكد العارفون أن المهم في هذه اللحظات للعودة إلى التفاوض هو توقيع المرسوم 6433 وإيداعه الأمم المتحدة لتحقيق جملة أهداف؛ أولها عودة مسار المفاوضات غير المباشرة دون تكبّد لبنان أي جهد دبلوماسي كما يحدث الآن، وتاليا استجداء الأمريكي الذي آن له أن يكون وسيطا نزيها، وثانيها قطع الطريق على العدو لاستئناف خططه في البحر، ومنها مؤخرا تلزيم شركتين يونانية وأمريكية، ومن ثم بث الخوف في روح الشركات المستثمرة العائمة على وجه الماء وتهديد استمرارية أخرى لزّمها العدو، ودفعها إلى تهديد تل أبيب بوقف أعمالها في حال لم تسوَّ الأوضاع مع بيروت، خشية من تكبد الخسائر وعامل المفاجأة المفتوحة على حرب، وإن كانت مستبعدة حاليا.

وثالث هذه الأهداف، إراحة المفاوض اللبناني الذي أثبت قدرة هائلة حتى الساعة، وتاليا تعزيز الأوراق بين يديه ونقله من حالة الانتظار على مائدة الأمريكي إلى المناورة المستندة إلى مصادر قوة، وإن لم تستطع تحصيل كامل الحق في النهاية، على غرار العديد من المفاوضات حول ترسيم الحدود عبر التاريخ.

واقع الأمر يشي بأن لبنان وحكومته واستمراريتها تعتمد على جملة مفاوضات متنقلة قادمة؛ من مفاوضات فيينا وصولا إلى مفاوضات بغداد ومرورا بمفاوضات الدولة اللبنانية مع صندوق النقد الدولي والجهات المانحة لبلد على شفير الموت الاجتماعي والاقتصادي، وليس انتهاء بمفاوضات الترسيم حول الحدود لضمان الثروة النفطية والغازية. فهل يستطيع المفاوض اللبناني انتشال لبنان وحقوقه بقدر أعلى من سياسييه سابقا؟ وعليه ومن كل هذه المأساة، هل إلى خروج من سبيل؟ الأمر يبدو صعبا جدا للأسف!