قضايا وآراء

شروط تركية لتحسين العلاقات مع إسرائيل

1300x600
نشرت صحيفة حرييت أوائل حزيران/ يونيو ما وصفتها بالشروط التركية لتحسين العلاقات مع إسرائيل بعد تشكيل الحكومة الجديدة فيها، والتي تضمنت وقف الاستيطان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، ووقف الممارسات في القدس والحرم الشريف، كما أي خطوات أخرى تنال من حلّ الدولتين، مع استئناف جادّ لعملية التسوية مع السلطة الفلسطينية على أساسه. نفس الشروط تقريباً أعلنها وزير الخارجية مولود تشاويش أوغلو صراحة في حديث مع قناة "تي آر تي" الرسمية في 8 حزيران/ يونيو الجاري، مؤكداً على تطابقها مع مطالب المجتمع الدولي من إسرائيل، ومضيفاً عليها اقتراح تشكيل قوة لحماية المدنيين الفلسطينيين رغم صعوبة تمرير الأمر في مجلس الأمن الدولي، حسب التعبير الحرفي للوزير أوغلو.

قبل قراءة الشروط التركية وشرح دلالاتها وأهدافها، لا بد من الإشارة إلى حقيقة مهمة لا يتم نقلها وتوضيحها كما ينبغي في العالم العربي، نتيجة حسن نية من قبل محبي تركيا والمتعاطفين معها، وسوء نيه من قبل خصومها في التحالف الضمني غير المعلن بين يتامى توماس إدوارد لورنس وقاسم سليماني وبهجت سليمان. هو تحالف أقلوي بالمعنى العرقي والطائفي وحتى الفكري والسياسي، في ظل التعاطف الشعبي العربي والإسلامي العميق والمتجذر مع تركيا وحضورها في القضايا والشؤون العربية.
تركيا تقيم علاقات معلنة مع إسرائيل، ولو على مستوى منخفض بعد سحب سفيرها من تل أبيب إثر مجزرة مسيرة العودة في أيار/ مايو 2018، ورغم أن التواصل الرسمي شبه منقطع أو بارد في أحسن الأحوال، إلا أن التبادل التجاري مع الدولة العبرية معقول ويدار أساساً من القطاع الخاص

الحقيقة أن تركيا تقيم علاقات معلنة مع إسرائيل، ولو على مستوى منخفض بعد سحب سفيرها من تل أبيب إثر مجزرة مسيرة العودة في أيار/ مايو 2018، ورغم أن التواصل الرسمي شبه منقطع أو بارد في أحسن الأحوال، إلا أن التبادل التجاري مع الدولة العبرية معقول ويدار أساساً من القطاع الخاص، في ظل تبني الدولة التركية مبادئ اقتصاد السوق وعدم تدخلها في عمل هذا القطاع طالما أنه لا ينتهك القوانين التجارية ذات الصلة المحلية والدولية.

في سياق متصل، تدعم تركيا ما يعرف بحلّ الدولتين كأساس لاتفاق سلام نهائي بين إسرائيل وفلسطين، وطبعاً تدعم حقوق الشعب الفلسطيني غير القابلة للتصرف، بما في ذلك حقه في السيادة والاستقلال وتقرير المصير، كما حقه المكفول بالمقاومة ضد الاحتلال لحماية حقوقه ومقدساته تحديداً في القدس المحتلة.

تركيا دعمت دائماً أيضاً مساعي إنهاء الانقسام في ظل علاقتها الجيدة مع حركتي فتح وحماس والسلطتين في الضفة الغربية وغزة، ورغم التعتيم الإعلامي إلا أن مساعداتها الرسمية والأهلية للضفة الغربية بما فيها القدس، وحتى للمواطنين الفلسطينيين في الأراضي المحتلة عام 1948، لا تقل أبداً عن مساعداتها لغزة التي ترفض حصارها غير الشرعي وغير القانوني، مع الانتباه إلى أن الإعلام الإسرائيلي يزخر بالتقارير الرسمية وغير الرسمية عن انزعاج المؤسسة الاحتلالية من الحضور التركي في فلسطين بشكل عام وفي مدينة القدس بشكل خاص.
رغبة تركيا أو انفتاحها على تحسين العلاقات مع إسرائيل كانت قد بدأت حتى قبل تشكيل الحكومة الجديدة في تل أبيب، حيث تحدث الرئيس رجب طيب أردوغان علناً عن اتصالات أمنية وعن مشكلة مع رأس القيادة في إسرائيل، في إشارة إلى رئيس الوزراء السابق بنيامين نتنياهو

وبالعودة إلى عنوان المقال، فتجب الإشارة إلى أن رغبة تركيا أو انفتاحها على تحسين العلاقات مع إسرائيل كانت قد بدأت حتى قبل تشكيل الحكومة الجديدة في تل أبيب، حيث تحدث الرئيس رجب طيب أردوغان علناً عن اتصالات أمنية وعن مشكلة مع رأس القيادة في إسرائيل، في إشارة إلى رئيس الوزراء السابق بنيامين نتنياهو، مع تأكيده هو ووزير خارجيته شاويش أوغلو مراراً على أن طريقة تعاطي إسرائيل مع الفلسطينيين تمثل أساساً أو معطى مهما جداً للعلاقات التركية معها.

الانفتاح التركي الأخير ارتبط أساساً بالمتغيرات الإقليمية والدولية المتسارعة والهائلة مع رحيل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، واحتدام الصراع على الثروات والنفوذ في الشرق المتوسط، وبلورة تحالفات إقليمية ودولية ضد المصالح التركية فيها، رغم حذر إسرائيل من التصدي العلني أو التواجد على الجبهة الأمامية ضد تركيا، فتركت ذلك لليونان وقبرص وفرنسا وحتى للإمارات وسياستها العدائية الموتورة وغير المبررة.

مع رحيل نتنياهو وتشكيل الحكومة الإسرائيلية الجديدة، طرحت تركيا شروطها العلنية التي تتماشى، كما قال تشاويش أوغلو أيضاً، مع مطالب المجتمع الدولي من الحكومة الجديدة، والتي تضمنت كما أسلفنا وقف فرض وقائع جديدة في القدس والحرم الشريف، ووقف الممارسات الاستيطانية التي تجحف بحلّ الدولتين، ووقف الجرائم بحق الشعب الفلسطيني مع طرح فكرة تشكيل قوة دولية لحمايته.

في تلك المطالب انسجمت تركيا مع نفسها وقناعاتها والقوانين والمواثيق الدولية ذات الصلة، كون الممارسات الإسرائيلية في القدس غير شرعية وترقى إلى التهجير القسري والتطهير العرقي والنيل من الحريات والحقوق الأساسية الفلسطينية.

أمر مماثل يمكن قوله عن السياسات الاستيطانية غير الشرعية أصلاً وفق القرارات والمواثيق الدولية وقرارات مجلس الأمن ذات الصلة، تحديداً القرار 2334، ناهيك عن إجحافها بحلّ الدولتين طبعاً.

التوقف عن كل ذلك مطلوب ولكنه غير كاف، ولا بد من وجهة النظر التركية عودة إسرائيل إلى المفاوضات الجادة من أجل التوصل إلى اتفاق سلام عادل وشامل ونهائي في فلسطين.

أما قصة الحماية الدولية للشعب الفلسطيني فقد طرحت أثناء معركة سيف القدس الأخيرة في ظل التعاطف الكبير رسمياً وشعبياً مع غزة والقدس، علماً أن الشعب الفلسطيني هو أحب وأقرب الشعوب إلى قلب الشعب التركي، كما طرح وزير الخارجية الفكرة أثناء جلسة الجمعية العامة للأمم المتحدة الشهر الماضي للتضامن مع الشعب الفلسطيني، ولكنه يعرف طبعاً أن تمريرها صعب، ولكن من الأهمية بمكان الاستمرار في إبقائها على جدول الأعمال الإقليمي والدولي.
تمثل الشروط التركية تجاه إسرائيل جزءا من الانفتاح على المنطقة ككل، بما في ذلك مصر التي اعتبر تشاويش أوغلو القضية الفلسطينية إحدى نقاط التوافق معها، والتي يمكن التعاون والتنسيق المشترك فيها، خاصة بعد تغيّر موقف النظام المصري من حماس ورغبته في التقرب من الإدارة الأمريكية الجديدة

تمثل الشروط التركية تجاه إسرائيل جزءا من الانفتاح على المنطقة ككل، بما في ذلك مصر التي اعتبر تشاويش أوغلو القضية الفلسطينية إحدى نقاط التوافق معها، والتي يمكن التعاون والتنسيق المشترك فيها، خاصة بعد تغيّر موقف النظام المصري من حماس ورغبته في التقرب من الإدارة الأمريكية الجديدة التي تتبنى تقريباً نفس الشروط والمطالب التركية. وتبدى هذا التنسيق مبدئياً في إعلان الهلال الأحمر التركي الأربعاء (16 حزيران/ يونيو) عن توافق مع نظيره المصري على إبقاء معبر رفح مفتوحاً لإدخال مساعدات إنسانية تركية ضخمة إلى غزة.

أخيرا وباختصار، لسنا أمام تناقض وإنما انسجام من قبل تركيا مع قناعاتها ومواقفها كونها تقيم علاقات رسمية وعلنية مع إسرائيل، ولا تتبنى مواقف لا سامية تجاهها، وإنما ترفض جرائمها بحق الشعب الفلسطيني وانتهاكها المتواصل والجسيم للقانون الدولي دون عقاب أو مساءلة. كما أنها تقيم علاقات مع الشعب الفلسطيني وقواه الحية دون استثناء، وتدعم خيار حل الدولتين كتعبير عن التوافق الفلسطيني وحتى الإقليمي والدولي. أما مهمة البحث عن خيار آخر أكثر عدلاً وواقعية فهي مهمة الفلسطينيين أساساً، ثم يأتي بعد ذلك طلب الدعم والمساعدة من الأشقاء والأصدقاء وعلى رأسهم تركيا.