قضايا وآراء

تونس بين لحظتين تاريخيتين

1300x600

بداية العام 2011، كانت اللحظة التاريخية الأولى التي هرم التونسي وهو ينتظرها (هروب بن علي وسقوط نظامه ولو شكليا)، لحظة التخلص من الفوضى والاستبداد وحكم الفرد الواحد والحزب الواحد، حكم قانون الرئيس الخالد؛ هذه اللحظة أشعلت قلوب ووجدان العالم العربي، ومثلت النور الذي سارت الشعوب العربية بهديه، وإن لم تصل إلى ما وصلت إليه تونس.

الذين حاربوا الربيع العربي في الدول الأخرى وأحبطوه لم ييأسوا من العمل على إحباط التجربة التونسية من بدايتها، فعملوا وما زالوا للارتداد بإنجازات التونسيين إلى العهد القديم، ولن يكفوا عن المحاولات.

 

لحظة تاريخية جديدة


واليوم تتشكل لحظة تاريخية جديدة في تونس، لحظة فيها من المفارقات ما يدعو للاستغراب والدهشة والخوف والترقب، مقومات هذه اللحظة ومدخلاتها ومفارقاتها تتمثل في الآتي:

1 ـ رئيس الدولة رجل قانون، ومتخصص في القانون الدستوري، ما يعني أن الطبيعة القانونية لتسيير سلطات الدولة تدخل في عمق تخصصه، والسلطة والصلاحية بيده، ومنذ فترة والمؤسسة الدستورية (التشريعية) تعاني من تكلس شديد في مفاصل عملها، ولم يتدخل لغاية تاريخه.

2 ـ تهديد الرئيس بأن "لديه صلاحيات كالصواريخ على منصات إطلاقها" ويقصد بها النصوص القانونية الرادعة التي لم تردع الحزب الدستوري من أن يواصل مشاغباته واستهتاره بالتشريعات والمؤسسة التشريعية.

3 ـ تعطيل الحزب الدستوري لأعمال البرلمان ليس وليد اللحظة، بل عمل ممتد يشمل جميع جلساته، تحت سمع وبصر العالم كله الذي يتعجب مما يحدث.

4 ـ الضبط القانوني لأي وضع يتعلق بالدولة ومؤسساتها لا يكون بالتروي وإعطاء المهل وإطلاق التهديدات بانتظار ردع من لا يؤمن بالقانون أصلا، وبقاء كيان الدول من فنائه يقوم على تصرف لحظي رادع قوي شرعي، وإلا لما وجدت دول قائمة مستقرة.

5 ـ لا تحتمل تونس، وهي جارة مناطق ملتهبة، أي تراخ أو تأجيل في تطبيق القانون، والتعامل القانوني في حالة تونس اليوم مقدم على السياسة، فالقانون لا يحتمل التأويل والتأجيل، وينطبق حال توفر الوقائع، أما السياسة فهي بين أخذ ورد، لذلك الحل في تونس بيد الرئيس شخصيا، يجب أن يتقدم ليأخذ الزمام، ولا يتركه للفرقاء في السياسة لأنهم لن يتوصلوا إلى حل.

 

استهداف الغنوشي

6 ـ أما رئيس المجلس (الغنوشي) (كرئيس للمجلس): فيسجل عليه عدم الحزم في مواجهة تحديات رئيسة الحزب الدستوري وأعضائه، وتعطيلهم أعمال المجلس، واحتلالهم أماكن مخصصة لغيرهم.

إن وظيفة الرئيس في البرلمان ليست وظيفة دعوية، ولا تصلح هذه الوظيفة في هذا المكان وفي هذا الوقت، هنا وظيفة سياسية للقيام بأعباء وظيفة تشريعية رقابية موكلة من قبل الشعب، ومن خلال هذه الوظيفة وما تملكه من صلاحيات وسلطات يجب أن تتخذ الاجراءات الضامنة للسير بأعمال المجلس.

صبر الرئيس على كثير من الاتهامات التي لا علاقة لها بجلسات المجلس ولا بوظيفته أيضا صبر غير مبرر، وهو مضيعة لوقت المجلس، بل جر للمجلس للابتعاد عن وظيفته ما يسجل على الرئيس انسياقه حيث يريد هذا الحزب، ونجح في خطته نوعا ما.

غالبية ما تقوم به رئيسة الحزب الدستوري واعتراضاتها تشكل عقوبة مبطنة للمجلس كله على إرادته واختياره الرئيس، وعقوبة للشعب التونسي على الديمقراطية التي أوصلت حزب النهضة لما وصلت إليه، وتحمل وجدان الدكتاتور الذي لا يقبل إلا وجوده.

 

كما كانت تونس محررة للعقل العربي من جبروت الحاكم، واستطاعت أن تطيح به، وإن لم تستطع اقتلاع جذوره، فإنها اليوم أمام مسؤولية تاريخية في صناعة نموذج متعايش من قبل الجميع دون اقصاء أو تهميش،

 



التعامل بين أعضاء البرلمان (داخل جلسات البرلمان) يجب أن لا يكون سياسيا، لأن السياسة خارج البرلمان، بل يجب أن يكون قانونيا، ومناداة رئيسة الحزب التونسي بالقانون تغطية عجيبة لما تقوم به من انتهاكات لم يسبقها إليها أحد، وانتهاكها للقانون جلي.

وغير مفهوم من الغنوشي (كرئيس للحزب) عدم ملاحقته الذين يوجهون اتهامات في كل اتجاه له شخصيا، وله كشخصية وطنية، وكشخصية سياسية، وكرئيس لأكبر حزب سياسي، وكمناضل من عشرات السنين، حتى لو كانت الاتهامات صحيحة

فإن إشهارها بهذه الطريقة المستفزة يستحق الملاحقة القضائية، والذي يزور صفحة عبير موسى على الفيسبوك يقشعر بدنه من الكاريكاتير الموضوع على صفحتها (برنامج حركة النهضة: السلاح، النكاح، النباح)، ما الذي جعلها جريئة إلى هذا الحد؟؟ وما الذي يجعل حزبا كالنهضة يصمت؟؟ وغيرها الكثير الكثير من الكتابات والتصريحات المقروءة والمسموعة!!

7 ـ عبير موسى امرأة ذكية، وظفت الظروف الداخلية المعيشية والاقتصادية المتأزمة، والظروف المحيطة المشتعلة، وتاريخ ابن علي البائد وما يملكه من اتباع (دولة عميقة)، وقبله تاريخ أبو رقيبة الذي لو كان موجودا لرفض بشدة ما تقوم به من أعمال كلها خارجة عن القانون، والظرف العالمي الذي يواجه أي حركة اسلامية لا لشيء إلا لاسمها وما تحمله من الخير وتجابهه من شر، واستغلت الانفلات الأخلاقي الذي يسيطر على العالم خاصة حرية الشواذ والخمور والتعري وغيرها، وارتقت بنفسها كقطب جلب اموال الخليج الذي لا هم لهم إلا إفشال إرادات الشعوب في التحرر وإراداته الحرة في الاختيار، وشكلت، في تونس، امتدادا للفكرة السيساوية والحفترية في الجوار، وهي في طريقها المشبوه تريد إكمال سيرتها ومسيرتها لتصبح أيقونة من خلال محاولتها الجادة المصممة على دخول السجن باقتراف كل فعل مخالف للقانون لتكتمل الهالة التي تبحث عنها، لذلك تعمل بكل إمكاناتها لمخالفة جميع القوانين في الدولة.

أعتقد أن التوصل إلى حل سياسي في المدى المنظر أمر صعب وشاق، والاستقطاب اليوم في قمته، لذلك البحث في الداعمين من خلف الستار وكشفهم بات أمرا ضروريا لجميع أطراف العلاقات السياسية، دون استثناء، والمساءلة والمحاسبة على النتيجة حينئذ يجب أن تكون رادعة.

التونسيون، والعرب كذلك، يرقبون لحظة تاريخية جديدة تنطلق من تونس، إذ ما يحدث فيها صورة لما يحدث في كثير من العالم العربي ولكن بشكل خفي، وكما كانت تونس محررة للعقل العربي من جبروت الحاكم، واستطاعت أن تطيح به، وإن لم تستطع اقتلاع جذوره، فإنها اليوم أمام مسؤولية تاريخية في صناعة نموذج متعايش من قبل الجميع دون اقصاء أو تهميش، في إطار النظر للمستقبل، وفي ظل الشرعية التي تنطبق على الجميع، وهذا يحتاج إلى معالجة خاصة بقدر ما هي حكيمة، هي أيضا حازمة، وناجزة.