كتاب عربي 21

عمّن اختاروا سوء الخاتمة

1300x600

يحار المرء في أمر قادة تاريخيين ذوي سجل نضالي ناصع ضد الاستعمار ـ مثلا يتحولون عندما يجلسون في كراسي السلطة التي كان يشغلها المستعمر، إلى طغاة باطشين بمواطنيهم بأسوأ مما كان يفعل المستعمرون.

 

بورقيبة وابن علي والنموذج التونسي

لا ينكر إلا مكابر أن الحبيب بورقيبة صار أول رئيس لتونس المستقلة عن جدارة، فقد نازل الاستعمار الفرنسي، ودخل السجون وهو في سن غضة، وعاند وثابر في النضال حتى كان في طليعة من حرروا تونس من ربقة الاستعمار، وأنجز أمورا ما زال حتى خصومه التونسيون يفخرون بها، ولكن طاب له المقام في كرسي الرئاسة فاختار السبيل العربي-الإفريقي لاستدامة السلطة، بأن عدل الدستور وصار رئيسا مدى الحياة، ولكن لأن أمر الحياة ليس في يده، فقد أحيل إلى الاستيداع من قبل زين العابدين بن علي، الذي أطاح به في انقلاب أبيض عام 1987، ولم يهنأ بكرسي الرئاسة للسنوات الثلاث عشرة التي بقيت من حياته (توفي في عام 2000).

 

لا ينكر إلا مكابر أن بورقيبة صار أول رئيس لتونس المستقلة عن جدارة، لكن طاب له المقام في كرسي الرئاسة فاختار السبيل العربي ـ الإفريقي لاستدامة السلطة،


وزين العابدين بن علي الذي حل محل بورقيبة، كان مناضلا أيضا ضد الاستعمار، وتم طرده من المدرسة بسبب نشاطه ضد الفرنسيين، وبرر الانقلاب على رئيسه بضرورات إنقاذ تونس من قبضة رجل مخرّف، ولكن ما أن تمترس في السلطة، حتى صار بن علي يهرف ويخطرف، بحسبان أنه فلتة من فلتات الزمان، ومارس هو وحرمه ليلى الطرابلسي السلطة وكأنما تونس ضيعة خاصة بهما، ومن ثم ضيعوها، إلى أن أدركتها رحمة من ربي، فكانت ثورة الياسمين في 2011 التي جعلت تونس دولة ديمقراطية.

 

إريتريا ورومانيا وزيمبابوي

أسياس أفورقي قاد الجبهة الشعبية لتحرير إريتريا من قبضة إثيوبيا بحنكة وبسالة، وبقي في الميدان مع جنوده، في الوقت الذي كان فيه قادة "حركات التحرير" الأخرى قد أغمدوا السنان، وأشهروا اللسان ناطقين بأوامر هذه العاصمة العربية أو تلك، ولم يكن هناك غير أفورقي من هو أهل لرئاسة جمهورية إريتريا المستقلة، ولكنه ما أن تمترس في السلطة حتى حول بلاده إلى دولة بوليسية، وكان أكثر الناس معاناة من بطشه رفاق السلاح في المعركة ضد إثيوبيا.

كان نيكولاي شاوشيسكو يملك كافة أوراق اعتماد البطل الوطني، فقد دخل السجن وعمره 15 سنة لأنه كان يقاتل ضد الفاشيين، وحارب ألمانيا النازية بجسارة عندما اجتاحت بلاده (رومانيا)، ورغم أنه كان الأمين العام للحزب الشيوعي الروماني، إلا أنه رفض تسليم قياد بلاده إلى موسكو، كما كانت تفعل الأحزاب الشيوعية الحاكمة في البلدان الأخرى، ونال بذلك تقدير دول أوروبا الرأسمالية، ولكن التاريخ لن ينسى له أنه كان أكثر الحكام في أوروبا الشرقية ستالينية ودموية، وكان هو وحرمه إلينا ساهين ولاهين وغير مدركين لحجم معاناة الشعب الروماني، وهكذا استخف شاوشيسكو بالمظاهرات التي خرجت تندد بحكمه إلى أن وجد نفسه وزوجته أمام كتيبة الإعدام.

 

لم يسمع أحد بالرئيس السوداني الحالي عمر البشير ـ سوى أفراد عائلته ـ إلى أن كان انقلاب حزيران (يونيو) 1989 الذي جعل منه رئيسا،


روبرت موغابي كان بطل حرب التحرير في بلاده، التي كانت تحمل اسم روديسيا الشمالية، والتي كانت مستوطنة للبيض، بينما كان أهل البلاد الأصليين مجرد عبيد في مزارع البيض، وبعد النصر، صار أول رئيس لبلاده بعد أن صار اسمها زيمبابوي، ولكنه سرعان ما حولها من واحدة من أغنى دول إفريقيا الجنوبية، إلى بلد طارد لأبنائه وبناته، واستهوته السلطة فسلط البلطجية على خصومه، ثم أعطى "غريس" ترقية من سكرتيرة إلى زوجة بدوام كامل (وكانت زوجته الأولى سالي هايفرون ما تزال في ذمته)، وعندما أطاح به انقلاب عسكري بعد أن  قضى 30 عاما في كرسي السلطة في عام 2017، طلبت غريس الطلاق (كان الزيمبابويون يسمونها "مدام تسوق"، لولعها بشراء كل ما تهواه نفسها بطائرة خاصة في سنغافورة وغيرها).

 

السودان والجزائر


ولم يسمع أحد بالرئيس السوداني الحالي عمر البشير ـ سوى أفراد عائلته ـ إلى أن كان انقلاب حزيران (يونيو) 1989 الذي جعل منه رئيسا، وبعد أقل من ثلاثة أشهر يكون قد قضى ثلاثين عاما في كرسي الرئاسة، وقبل أربعة أشهر، حرك نواب البرلمان ليعدلوا الدستور ليصبح رئيسا مدى الحياة، وتفجرت براكين الغضب الشعبي قبل ثلاثة أشهر مطالبة برحيله فأعلن الأحكام العرفية، التي وفي ظلها، عرف القضاء السوداني الحكم بجلد النساء لأنهن يشاركن في المظاهرات.
 
وقد كتبت قبل أسبوعين هنا في "عربي21" مقالا بعنوان "محاولة لإنصاف بوتفليقة"، وأعترف بأنها كانت محاولة يائسة، رغم أنني أفترض في الرئيس الجزائري بوتفليقة حسن النية، ولا أعتبره مسؤولا عن ترشيح نفسه لولاية خامسة، وهو عاجز عن الكلام والحركة بأمر الله، وما زلت أعتقد أن الحاشية المستفيدة من حالته الصحية الراهنة، هي التي خرجت على الجزائريين بالفيلم الهندي القاضي بأن يتم تأجيل الانتخابات، على أن يبقى هو في السلطة إلى أن "يفرجها ربنا" عليهم بمخرج آمن.

كم كان الرئيس الأمريكي الراحل إبراهام لنكولن حكيما حينما قال: "إن السلطة المطلقة تفسد إفسادا مطلقا"، ولهذا قل أن تجد رئيسا يجلس أكثر من خمس عشرة سنة على الكرسي في القصر، ينشد حسن الخاتمة لأن الغرور يعميه عن إدراك افتقاره للشعبية.