كتاب عربي 21

ارتفاع الدين العام الليبي.. المخاطر وتحدي المعالجة

1300x600

كان من أخطر آثار الانقسام في ليبيا أن تضاعفت فاتورة الإنفاق العام بشكل كبير، فقد صار لنا حكومتان كاملتا الصلاحية في الإنفاق بمختلف أنواعه، والفارق أن حكومة الغرب لديها مصادر تمويل بتحكمها في المورد الرئيس للدخل في ليبيا وهو النفط، أما الثانية فتعتمد في صرفها على الاقتراض.

أسباب ازدياد المديونية

من أبرز مظاهر زيادة الإنفاق العام ارتفاع أعداد موظفي الدولة ليصل إلى 1.8 مليون مستخدم مع نهاية العام 2018م، أي نحو 27% من إجمالي عدد السكان و60% من القادرين على العمل تقريبا، وهي نسبة غير موجودة في كل أو جُل اقتصادات العالم.

الحكومة المؤقتة، غير المعترف بها دوليا والتي لا تملك موارد حقيقية غير رقم ضئيل في شكل ضرائب ورسوم، وظفت عشرات الآلاف خلال الأعوام الخمسة الماضية، وصدر عن رئيسها الأشهر القليلة الماضية قرار بتعيين 25 ألف باحث عن عمل.

 

من أبرز مظاهر زيادة الإنفاق العام في ليبيا ارتفاع أعداد موظفي الدولة ليصل إلى 1.8 مليون مستخدم مع نهاية العام 2018م، أي نحو 27% من إجمالي عدد السكان و60% من القادرين على العمل تقريبا،


بند المرتبات وفق بيانات الحكومة المؤقتة يبلغ نحو 4.8 مليار دينار ليبي سنويا، هذا الرقم صحيح خلال العام الماضي، وبعملية حسابية بسيطة فإن هذا يعني أن وزارة المالية في مدينة البيضاء تتولى مرتبات أكثر من 500 ألف مستخدم، وذلك إذا اعتبرنا أن متوسط المرتبات هو 800 دينار.

أي أن الحكومة المؤقتة قامت بتعيين ما يزيد على 100 ألف خلال الأعوام الأربع الماضية، وهذا الرقم ببساطة يساوي نصف عدد من تم تعيينهم على مستوى البلاد خلال نفس الفترة، فإما أن يكون هذا الرقم صحيحا، والخطأ يتحمله هم بإقرارهم أن المصرف المركزي بالبيضاء يدفع 400 مليون دينار ليبي شهريا في شكل مرتبات، أو أن جزءا من مخصصات بند المرتبات يذهب في قنوات إنفاق أخرى.

المشكلة الأكبر في مصروفات الحكومة المؤقتة هو تضخم نفقات الجيش والتي تجاوزت ما يزيد على 40% من الإنفاق العام، ولأن العمليات العسكرية للجيش في ازدياد والتجنيد منحناه صاعد فإن النفقات غير مرشحة للتراجع بل هي في اتجاهها لمزيد من التضخم.


الهدر والفساد المستشري

الدين العام مرض مصاحب لكثير من الاقتصاديات في دول العالم، المتقدمة والمتخلفة، ومقدار معلوم من الدين العام يمكن القبول به، أما أن يبلغ الدين العام 60% من الناتج المحلي أو أكثر فهنا يكمن الخطر، وفي الحالة الليبية فإن إجمالي الدين العام بلغ منتصف العام 2018م نحو 100 مليار دينار ليبي في مقابل ناتج محلي في حدود 65 مليار دينار.

 

المشكلة الأكبر في مصروفات الحكومة المؤقتة هو تضخم نفقات الجيش والتي تجاوزت ما يزيد عن 40% من الإنفاق العام،


والملاحظ أن المديونية ازدادت بنسبة كبيرة خلال العامين الماضيين، ويعود ذلك إلى الهدر والفساد المالي في شكل تهريب للسلع والوقود وفساد الاعتمادات وغيرها من قنوات الصرف وذلك في العاصمة ومدن الغرب والجنوب، فعلى سبيل المثال فإن مخصصات أرباب الأسر (400 دولار) صرفت لنحو 7.5 مواطن، وهذا الرقم يتجاوز عدد السكان، مع ملاحظة أن هناك أعدادا كبيرة من الليبيين لم يتحصلوا على المنحة.

تحدي المعالجة في ظل زيادة الانفاق

معالجة عجز الميزانية وتراكم الدين العام تتمحور حول التعامل مع بندي الميزانية العامة الرئيسيين وهما الإيرادات والنفقات إما بزيادة الأولى أو تخفيض الثانية أو بالاثنين معا، وهذا في ظل تركيبة الميزانية العامة حاليا أمر صعب.

زيادة الإيرادات متعذر، إذ إن النسبة الأكبر منها تأتي من النفط وهو غير مستقر بسبب تذبذب الأسعار واضطراب الإنتاج مع استمرار الأزمة التي تشهدها البلاد، كما أنه لا يمكن التعويل على الضرائب كمصدر لسد النفقات، ذلك أن الاقتصاد محدود وقريب من حالة الشلل.

أما النفقات فلأن 92% منها ذات طبيعة استهلاكية أساسية فضغطها صعب في المدى القصير، والمشكلة أن أي تحسن في الموارد المالية يقابل بمزيد من الإنفاق الاستهلاكي كما أشرت سابقا. 

 

من أكبر مضار تراكم الدين العام بهذا الشكل أنه سيحول دون تحقيق أي تقدم على مسار تعافي الاقتصاد الوطني


بقي التعويل على الرسوم المفروضة على بيع الدولار والتي بلغت 16 مليار دينار تقريبا، واعتقادي أن الرسوم يمكن أن تسهم في تخفيض إجمالي المديونية لكنه خيار غير مجد كثيرا في المدى المتوسط في حال استمر الوضع على ما هو عليه، لأن نسبة كبيرة من هذه الرسوم ستتجه إلى معالجة مختنقات في قطاعات الخدمات، والمتبقي لتغطية جزء من الدين العام ضئيل.

من ناحية أخرى فإن الرسوم على الدولار مصدر مؤقت، وجزء كبير من الدولار المخصص للبيع ستستهلكه مخصصات أرباب الأسر والتي تقدر بنحو 10 مليار دولار أمريكي في حال التنفيذ، وذلك حسب ما هو مقرر بصرف 500 دولار للفرد ضمن مخصصات السنة الماضية و1000 دولار للعام الجاري.

من أكبر مضار تراكم الدين العام بهذا الشكل أنه سيحول دون تحقيق أي تقدم على مسار تعافي الاقتصاد الوطني، فتحريك عجلة الاقتصاد يكون شبه مستحيل مع تعاظم الإنفاق الاستهلاكي، لأن حفز النشاط الاقتصادي يقوم على زيادة الإنفاق التنموي وضخ المصارف أموالا في شكل قروض لمستثمرين لتحقيق قيمة مضافة من خلال زيادة النشاط الإنتاجي والخدمي، وذلك غير متيسر في ظل تجاوز الدين العام المستوى المقبول.

فعندما يتم استنفاد كافة الإيرادات في الإنفاق الاستهلاكي وتوجه أرصدة المصارف عبر الاقتراض لنفس البنود في الميزانية، فإن التنمية مستحيلة، بل إن تصحيح وضع القطاعات الحيوية المتردية مثل الكهرباء والصحة والمرافق متعذر.

إجراءات ضرورية لوقف الهدر

ينبغي التنويه إلى أن مشكلة ليبيا ليست بنيوية، بمعنى أنها تعود إلى فقر شديد في الموارد، لكن السياسات الخاطئة خلال عقود عدة راكمت مشاكل كبيرة صار التعاطي معها شديد الحساسية.

ولمعالجة الوضع المالي المختل لا بد من أن تتخذ جملة من الإجراءات والتدابير التي أعتبرها ضرورية حتى لو كانت حادة وهي:

1 ـ ضبط النفقات بوقف التعيينات ومراجعة القرارات الحديثة التي صدرت بالخصوص، والتدقيق أكبر في فاتورة المرتبات التي تستنفد أكثر من 60% من الميزانية العامة.

2 ـ التخلص من كافة أوجه الدعم الحكومي باستبدال الدعم النقدي بها والذي يمكن أن يوفر ما يزيد على 3 مليارات دينار سنويا بسبب الفساد.

3 ـ التركيز على تعظيم دور القطاع الخاص في النشاط الاقتصادي خصوصا المشروعات الصغرى والمتوسطة والتي يعول عليها كثيرا في تحقيق التوازن في الاقتصاد بين دور القطاع العام والخاص.

4 ـ توفير المناخ الإيجابي للاستثمار المحلي والخارجي والذي يتطلب إنهاء الانقسام وتوحيد المؤسسات والاتجاه إلى تبني استراتيجية شاملة تنطلق بالاقتصاد الوطني من كبوته وتحقق التنمية المنشودة.