ملفات وتقارير

خبراء يقرؤون اتهامات الغرب لروسيا بالتجسس.. حقيقية أم شيطنة؟

قضية تسميم الجاسوس الروسي المزدوج سكريبال تحد أمني لأوروبا- توتير

تتواصل الاتهامات الغربية لروسيا بالتجسس أو القيام بعمليات استخباراتية داخل أوروبا، آخرها إعلان النمسا اعتقال كولونيل نمساوي سابق بتهمة التجسس لروسيا.

وأنكرت موسكو الاتهامات النمساوية، وانتقدت فيينا لتوجيهها "اتهامات لا أساس لها" بخصوص قضية تجسس لحسابها، معتبرة أنّ الأمر غير مقبول.

حقيقية أم شيطنة؟

وبين الاتهامات الغربية والنفي الروسي يبرز السؤال الأهم، وهو هل هذه الاتهامات حقيقية أم هي شيطنة غربية لروسيا؟

يجيب المحلل السياسي الروسي أندريا أونتيكوف بالقول: "من المؤسف أننا كثيرا ما نسمع هذه الاتهامات من الدول الغربية، ولكنها في الوقت نفسه لم تقدم إلى الآن أي دليل عليها، فمثلا قضية سيرغي سكربيل في بريطانيا طلبت روسيا من لندن التعاون والقيام بتحقيق مشترك، ولكنها رفضت ذلك".

وتابع أونتيكوف في حديث لـ"عربي21": "في ظل عدم وجود أدلة على هذه الاتهامات، فإنني أعدّ الأمر ليس مجرد حرب دبلوماسية على موسكو، وإنما محاولة لشيطنتها، وإظهارها بالمظهر السيئ".

واستدرك المحلل الروسي بالقول: "لا يمكن إنكار وجود عمل تجسسي متبادل بين الطرفين، فكلاهما يسعى لجلب المعلومات عن الآخر، نعم هناك جواسيس روس في الخارج، ولكننا لا نسمع سوى الاتهامات دون وجود أدلة عليها".

من جهته أشار الخبير الأمني محمود العجرمي إلى أنه "لا يمكن الجزم بأن هذه الاتهامات حقيقية، وفي الوقت نفسه لا يمكن أيضا اعتبارها شيطنة، فهذه الحرب الأمنية قائمة ومتبادلة في العلاقات الدولية".

وأوضح العجرمي في حديث لـ"عربي21" بأن "هناك ملاحظات للدول الغربية على السلوك الروسي في أوروبا، وأن الذين تم اغتيالهم أو محاولة قتلهم لهم علاقة بروسيا أو أنهم كانوا عملاء مزدوجين".

وحول تلميح البريطانيين بأن السلاح المستخدم في محاولة اغتيال الجاسوس الروسي المزدوج سيرغي سكريبال وابنته يوليا يحمل البصمة الروسية، قال العجرمي: "السلاح نعم روسي، ولكن بالمقابل روسيا تقول بأنها قامت بتدمير هذا السلاح منذ وقت طويل، وفي الوقت نفسه لم تقدم لندن دليلا ماديا على ذلك، وحتى الدول الأخرى لم تقدم دليلا على اتهاماتها ضد روسيا".

بدوره قال المختص بالشأن الأوروبي حسام شاكر في حديث لـ"عربي21": "لا يمكن تسمية هذه الاتهامات بالشيطنة التي هي بتقديري مستوى أعلى وأبعد من الاتهام بالتجسس، وهي في الأساس تعدّ سلوكا أو سياسة تنبذ بالكامل طرفا معينا وتستبعده".

وتابع شاكر: "على الرغم من أنه في لحظة معينة بلغت صورة القيادة الروسية لمستوى مترد في الإعلام الغربي، مثلا في مسألة التوسع في شبه جزيرة القرم، ولكن الحديث عن الشيطنة في تقديري مستبعد في السياق الروسي. نعم هناك مواقف غربية متحفظة تجاه موسكو، ولكن لم يصل الأمر للقطيعة الكاملة، وهي صورة من صور الشيطنة وهذا أمر مستبعد".

وحول إذا ما كانت هذه الاتهامات حقيقية أم لا، أشار إلى أن "هناك إشكالية في الملفات المتعلقة بأقبية التجسس المظلمة، فمن يتهم الآخر هو من يملك المعلومة، لكن من المؤكد بكل الأحوال أن لا شيء مستبعد في هذه القضايا وهناك أسبقيات شبيهة، لكن السؤال الأهم هو هل هناك اتهام بعينه صحيح أم لا؟ هذه مسألة ربما يكون فيها نقاش".


الحنين للماضي

جاء الرئيس الروسي فلادمير بوتين للحكم وهو يحمل خبرة وظيفية أمنية، فهو كان ضابطا في جهاز المخابرات السوفيتي السابق كي جي بي، فهل بوتين بحكم خبرته في عمله السابق يسعى لإعادة أمجاد المخابرات السوفيتية؟

يرى المحلل الروسي أندريا أونتيكوف بأن "أي عمل مخابراتي أو تجسسي روسي حالي هو ليس محاولة لتكرار تجربة كي جي بي، وإنما هي أعمال منطقية ومعروفة للجميع"، مشيرا إلى أن "لكل الدول أجهزة استخبارات، وهي تعمل على كشف المعلومات السرية بالدول الأخرى، وكذلك الأمر روسيا".

من ناحيته أكد الخبير الأمني محمود العجرمي أن "بوتين سعى منذ وصوله للسلطة ونجح في استعادة الامبراطورية السوفيتية التي انهارت، ولقد استطاع فعلا إعادة روسيا للساحة الدولية في جميع المجالات، وليس فقط الجانب الأمني".

وأضاف: "استعاد بوتين الدور الأمني لبلاده، والدليل الدور الروسي في العلاقة مع إيران أو سوريا أو بالمنطقة عموما، وهذا الدور الأمني الروسي لا زال هاجسا يطارد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب".

الرد بالمثل

وحول الرد الأوروبي على روسيا في حال ثبتت الاتهامات ضدها، توقع العجرمي بأن يكون هناك رد أمني أوروبي، فالحروب الأمنية قائمة منذ زمن بعيد وهي جزء من العمل الدولي القائم، الذي يتم فيها استخدام الملاحق العسكرية، أو بين قوسين، الثقافية في كل سفارات روسيا".

وخلص بالقول: "سيكون هناك تحرك أوروبي من خلال عمل الجواسيس، وبرأيي هو قائم في الأصل، ويبقى فقط اكتشاف الأدلة الجنائية على وجوده وهي مفقودة، بالمحصلة العمل الأمني المتبادل بين الدول الغربية وروسيا، هو جزء من العمل التقليدي اليومي وهو جزء من العلاقات الدولية".

من ناحيته توقع أونتيكوف بأن يكون هناك عقوبات غربية إضافية على روسيا، وسترد موسكو بالمثل، ولكنها لن تكون البادئة بفرض العقوبات أو طرد الدبلوماسيين، وإنما سترد بمثل ما يفعلون ضدها".

بدوره توقع حسام شاكر بأن يكون هناك رد أوروبي على عمليات التجسس التي يتهمون روسيا بها، مستدركا بالقول: "لكن ستكون هذه الردود بخطوات محسوبة وليس بشكل مفتوح، وذلك لأنه لا يمكن عزل دولة بحجم روسيا عزلة دولية كاملة".

وأشار شاكر إلى أن "أي عقوبات ستفرض على روسيا سيكون لها تداعيات على أطراف عدة، وعلى الرغم من أن واشنطن ترغب بزيادة هذه العقوبات، إلا أن الأوروبيين لا يستطيعون ذلك، فهم يحتاجون لبقاء خطوط مفتوحة مع موسكو".

وختم شاكر حديثه بالقول: "برأيي لن تذهب أوروبا بعيدا في العقوبات على روسيا، لأنها تحتاج إلى إحداث توازن في مواجهة سياسات ترامب، التي تُجبر الأوربيين على أن يدفعوا الكثير لقاء تبادلات تجارية ونحوها".