قضايا وآراء

الكونفدرالية.. السفر الثالث في إصحاح صفقة القرن!!

1300x600
كشف الرئيس الفلسطيني محمود عباس أن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عرضت عليه فكرة الكونفدرالية مع الأردن. ولم يأت ذلك بخطاب مباشر لعباس تجاه شعبه، ولكن على لسان شخصيات التقاها برام الله من حركة "السلام الآن" الإسرائيلية وعضوي كنيست عن حزب ميريتس وعن المعسكر الصهيوني، وما يسمى بنشطاء سلام من حزب الليكود!

ونُقل عن أعضاء في الوفد الذين التقاهم؛ أن الرئيس الفلسطيني أبلغهم بأن جاريد كوشنير، مستشار وصهر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والمبعوث الخاص للرئيس، جيسون غرينبلات، طرحا أمامه خطة سياسية في صلبها إقامة كونفدرالية مع الأردن. وأضاف: "سألوني إذا كنت مؤمنا بفيدرالية مع الأردن. وقلت: نعم، أريد كونفدرالية ثلاثية مع الأردن ومع إسرائيل. وسألت إذا كان الإسرائيليون يوافقون على هذا الاقتراح"، وتابع أن "الولايات المتحدة عدائية تجاه الفلسطينيين وتغلق عملية السلام".

وقالت مصادر في الوفد إن عباس عبر خلال اللقاء عن موافقته على تبادل أراض، إلا أنه لم يوضح معنى ذلك.

إلا أن صحيفة هآرتس الإسرائيلية ذكرت أن الاقتراح الذي قدمه نتنياهو لترامب، والذي قام بتبنيه ونقله لعباس، ينص على أن تكون الضفة الغربية المحتلة (دون القدس) تحت الرعاية الأمنية الأردنيّة، التي ستحمي حدود الكونفدرالية الأردنيّة- الفلسطينيّة مع إسرائيل، على أن يعلن الاحتلال الإسرائيليّ ضمّ القدس المحتلة والمستوطنات إليه، ودون معرفة مصير غور الأردن، إن كان سيبقى تحت الاحتلال الإسرائيلي أو سيكون خاضعا للكونفدرالية المقترحة.

وحسب ما نقلته الصحيفة، فإن قطاع غزّة، لن يكون جزءا من الكونفدرالية، إنما سيتم إخضاعه لرعاية أمنيّة مصريّة، رغم أن الاتفاقيّات الموقعة بين السلطة الفلسطينية والاحتلال الإسرائيلي كافة، تعتبر غزة والضفة "وحدة واحدة".

رفض موقف عباس

وذهب بعض المحللين ومنهم إسرائيليون إلى القول بأن طلب عباس إشراك الإسرائيليين بالكونفدرالية هو إجهاض الفكرة؛ لأن إسرائيل لن تقبل بها. إلا أن الأخطر من هذا أن عباس لم يشترط قيام دولة فلسطينية أولا، الأمر الذي دفع الأردن لرفض الفكرة، خصوصا في ضوء فك ارتباط الأردن بفلسطين عام 1988، وأن الأردن يتخوف من أن يتحول كوطن بديل للفلسطينيين، وأن يتحول لحارس أمن للاحتلال لمنع الهجمات الفدائية المنطلقة من الضفة، بدلا من الدور المخزي الذي تقوم به السلطة الفلسطينية الآن.

وفي هذا السياق، يتبنى رئيس شرطة الحكم الذاتي الدفاع عن العدو، وأنه يتبادل التنسيق مع رئيس الشاباك الإسرائيلي نداف أرغمان لحماية أمن الاحتلال، ويقول إنه يتفق معه بنسبة 99 في المئة من القضايا!!

اللافت للنظر، أن عباس لم يتحدث سابقا عن الكونفدرالية التي قدمت له من الطرف الأمريكي، الأمر الذي يضع علامات استفهام كبيرة حول موقفه الحقيقي، حيث يزعم أنه رافض لصفقة القرن، فيما هو يتحدث للإسرائيليين عن موقفه منها الذي لم يربطه مطلقا بقيام الدولة الفلسطينية!!

وفي الاتجاه الآخر يحاصر عباس غزة، ويرفض المصالحة إلا بتجريدها من السلاح، ليتركها لقمة سائغة للإسرائيليين. ويحاول أن يجعلها محطة لتنفيذ صفقة القرن، ثم يملأ الدنيا ضجيجا متهما حماس التي تدافع عن شعبها بأنها تنفذ صفقة القرن!

ومن هنا فلا يحق لعباس وسلطته أن يدعوا أنهم ضد صفقة القرن، فهم يبذلون كل جهودهم لنيل رضى نتنياهو وتقديم تنازلات كبيرة، مقابل إبقاء عباس على هرم السلطة في ظل ما يشعر به الأخير من أن مصر ودولا عربية أخرى تسعى لإيجاد بديل عنه!

إن خطاب الكونفدرالية يمثل مساسا بالحق الفلسطيني بإقامة الدولة المستقلة، وهو تساوق مع رغبات الاحتلال الذي يرفض هذه الدولة، وتعد على دولة طالما رفضت هذا المشروع.

ولهذا، رفض المجموع الوطني الفلسطيني والأردن هذه التصريحات، واعتبروها تعديا على حق الشعب الفلسطيني بالاستقلال عن الاحتلال، ذلك أن التصور الإسرائيلي للكونفدرالية يراها اتفاقا بين الضفة الغربيّة ككانتون (منطقة حكم ذاتي) يرتبط بعلاقات اقتصاديّة واجتماعية مع الأردن، في حين يحدّد الأردن السياسات الخارجيّة والأمنية للكونفدرالية. وهذه الفكرة يرفضها الفلسطينيون والأردن، إلا بعد تحقيق الاستقلال والتحرير الفلسطيني وبرضى الشعبين.

ولا زال الفلسطينيون يتمتعون بحكم ذاتي فقط، فيما تتولى إسرائيل الأمن والسياسات الخارجية، وتمنع السلطة أو تضيق عليها في هذا الإطار.

معالم جديدة لصفقة القرن

وبكشف عباس عن عرض إدارة ترامب للكونفدرالية، يكون قد اتضح الركن الثالث لصفقة القرن التي لم تعلن تفاصيلها حتى الآن.

فقد بدأ تطبيق الصفقة أولا بنقل السفارة الأمريكية للقدس الشرقية ،والاعتراف بأن القدس الموحدة عاصمة الاحتلال، ثم أتبعتها إدارة اليمين الديني المتصهين بالإعلان عن وقف تمويل واشنطن لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)؛ بهدف إنهاء قضية اللاجئين والعمل على توطينهم في الخارج بالأموال العربية الخليجية، وتقليص أعداد من ينطبق عليه لقب لاجئ  بنحو 700 ألف فقط، ممن هربوا أو هجّروا من منازلهم خلال الحرب الإسرائيلية العربية 1948/1949، دون احتساب ذراريهم وأزواجهم، حيث يصل أعداد اللاجئين الفلسطينيين الآن إلى نحو 10 ملايين لاجئ، فيما يدخل في سجلات الأونروا نحو خمسة ملايين منهم فقط.

أما الكونفدرالية فتعني إلغاء حلم الدولة الفلسطينية التي قلص الاحتلال نفوذها بالفعل، من خلال التوسع في سياسات الاستيطان والمصادرة، وخصم وادي الأردن منها لغايات الاحتلال الأمنية وبتوسيع رقعة الاستيطان حول القدس، وسيطرة إسرائيل الكاملة على شقيها الشرقي والغربي.

كما تعني عزل قطاع غزة عن الضفة، وتسليم مفاتيح القطاع لمصر، مع ضمان أمن الاحتلال من خلالها ومحاولة تهميش دور حماس فيها وضبط سلاحها.

وخلاصة الأمر، أن قضية فلسطين تتعرض لمؤامرة كبيرة بهدف جعلها لقمة سائغة للاحتلال، فيما تنفذ سلطة أوسلو دورها بالحرفية اللازمة التي توفر للاحتلال أمنا لم يكن ليحلم به قبل أوسلو المشؤوم.

ومن هنا، تأتي أهمية الوحدة الفلسطينية والاتفاق على برنامج للثوابت الوطنية، وفي مقدمتها دعم المقاومة والحفاظ على القدس والتمسك بوحدة أراضي فلسطين التاريخية، ورفض الحلول كافة التي تنتقص من الحق الفلسطيني.

في ظل رفض عباس للمصالحة، فلا بد من جهد وطني يبقي راية الحقوق الفلسطينية مرفوعة ويتصدى لمؤمرات ترامب المدعومة للأسف من قبل بعض العرب. ولسنا هنا من المعولين على موقف عربي موحد!!