مقابلات

هكذا وصف رئيس العدالة والبناء الليبي علاقة حزبه بالإسلام

أكد صوان حرص حزبه على المشاركة السياسية - عربي21
* عندنا كل الخيارات بخصوص مشاركتنا بالانتخابات الرئاسية
* نحن ضد تسيس القبيلة.. وحفتر ليس قائدا عاما
* توقفنا عن انتقاد مشروع الدستور لأن أوجه قصوره تواجه كل الدساتير

أكد رئيس حزب العدالة والبناء الليبي، محمد صوان، أن سبب الأزمة الأخيرة مع المفتي العام الصادق الغرياني، كانت بسبب المواقف السياسية للحزب ومنها الاتفاق السياسي وحكومة الوفاق، والتي يختلف فيها المفتي مع توجهات الحزب.

وأوضح صوان في مقابلة خاصة مع "عربي21"، أن المفتي العام رفض التواصل المباشر مع الحزب وقياداته عدة مرات، حتى مع محاولة بعض الأطراف ومنهم أعضاء في رابطة العالم الإسلامي، لكنه رفض أي تواصل أو نقاش مع الحزب.

وأشار إلى أن موقف الحزب من المشاركة في الانتخابات الرئيسية المقبلة هو سابق لآوانه، لكن يمكن تلخيصه في المشاركة كناخبين أو مرشحين "حسبما يتراءى لمؤسسات الحزب القيادية التي ترسم التوجهات والمواقف العامة".

وفيما يأتي نص المقابلة:

* بداية نود معرفة أسباب الأزمة الأخيرة بين الحزب والمفتي العام؟

- السبب باختصار هو الاختلاف في المواقف السياسية بيننا. ومنذ فترة كنا على تواصل مع فضيلة المفتي، ولكن ربما بسبب هذه المواقف التي يختلف معنا فيها، رفض التواصل المباشر معنا عدة مرات. وقد حاولت ذلك شخصيا ولم نتمكن، وتدخلت أيضا بعض الأطراف للتوسط بيننا، ولكنه رفض كل تلك المحاولات. وقد حاولنا من جانبنا أن يتدخل بعض الخيرين من رابطة علماء العالم الإسلامي وبعض الفضلاء لمناقشة فضيلة المفتي في القضايا التي تقع في دائرة اجتهادات السياسيين، واستجابت الرابطة لطلبنا وأرسلوا طلبا لمقابلة المفتي، ولكنه أهمل من قبل دار الإفتاء وفشلت كل تلك الجهود.

* يعتبر بعض رموز التيار الإسلامي أنه لا علاقة لكم كحزب بالمرجعية الإسلامية.. فما ردكم؟

- نحن انطلقنا في تأسيس العملية السياسية التعددية وفق ما صدر عن المجلس الانتقالي من نصوص في الإعلان الدستوري، وكذلك قانون رقم (29) لسنة 2012 الذي صدر لاحقا عن وزارة العدل لينظم عمل الكيانات والأحزاب السياسية. ونحن في مسعى أن نكون حزبا سياسيا وفق القانون السالف ومحاولاتنا مطردة لا تتوقف لاكتساب كل الصفات السياسية التي ينبغي أن لا تغيب عن الحزب السياسي. ونحن في ذلك لا نمثل أي جهة أخرى سوى المنخرطين في صفوف الحزب ويتبنون رؤاه ومواقفه، ومرجعيتنا السياسية هي من الناحية النظرية النظام الأساسي للحزب، ومن الناحية الإدارية المؤتمر العام للأعضاء.

* لكنكم في مؤتمر تأسيس الحزب أكدتم أن مرجعية الحزب "إسلامية"..

- نحن نعتبر أن الإسلام قاسم مشترك بين جميع الليبيين، ونرفض أن يدعي أي أحد أنه يملك أن يمثله نيابة عنهم. وأنا على المستوى الشخصي سوف أدعو الأعضاء في المؤتمر العام القادم إلى مراجعة بعض العبارات والقضايا في النظام الأساسي للحزب التي قد تكون أسهمت في التشويش على الحزب في الوسط السياسي، ومن بينها نص طبيعة المرجعية الإسلامية للحزب، وذلك لقناعتي أن الحفاظ على هوية المجتمع هي مضمون يسري في مشروع الديمقراطية الاجتماعية التي تمثل روح الفكر السياسي على طول الطيف السياسي الذي سيطرحه الحزب، وفي الممارسة العملية للسياسة والحكم. أما الإشارة إليها فهي قد تفهم أن الحزب يدعي احتكار المرجعية أو هو الممثل الوحيد للإسلام، وهذا ما لم يدعه الحزب. وما يقوله بعض "المتشددين" الإسلاميين عن الحزب فهو ما سبق أن قالوه عن حزب العدالة والتنمية في تركيا وغيره، ونحن لا نشعر أننا معنيون بما يقولون.

* كان لك تصريح مؤخرا هاجمت فيه "القبيلة"، وطالبت بإبعادها عن السياسية.. لماذا الآن؟

- أنا لم أهاجم القبيلة، بالعكس دافعت عنها من حيث المحافظة على طبيعتها كمكون اجتماعي يحتاجه أبناء المجتمع في جانب أساسي وجوهري من نشاطهم العام وركنه الاجتماعي. وهو في تصوري ركن واسع شاسع، ومن الخطورة بمكان على نسيجنا الاجتماعي تسييسه أو توظيفه لخدمة أغراض بعض أصحاب الطموح السياسي من الرموز الاجتماعية لتلك القبائل، فتكون القبيلة بذلك ضحية لرغبات فئة محدودة من أبنائها. ولا تصلح أن تكون القبيلة وهي أحد مكونات مجتمعنا أداة في التنافس السياسي، فنقحم القبيلة الواحدة من جهة في تنازع مفتوح بين مختلف أبنائها من التوجهات السياسية المختلفة، وبين القبيلة وغيرها من القبائل التي ستنازعها بدون شك على السلطة والمحاصصة عليها.

* مؤخرا شهدت ليبيا عدة زيارات لوزراء خارجية دول، وحرصوا جميعا على لقائهم بخلفية حفتر.. كيف تقرأون هذه الزيارات؟

- كل هذه الزيارات تتم ظاهريا تحت غطاء تقريب وجهات النظر بين أطراف الصراع في ليبيا، ولكنها في الواقع تترك آثارا بدون شك مربكة على المشهد، وتسهم إلى حد كبير في خلط الأوراق بشكل ملحوظ. إذ الاتفاق السياسي واضح في توقعاته وصريح في مقرراته بخصوص كيفية احتواء الآثار السلبية للأجسام الموازية التي هي خارج الاتفاق السياسي، وعليه ووفق مقررات الاتفاق السياسي لا يوجد شيء اسمه القائد العام للجيش، وحفتر نفسه يرفض أن يكون تبعا لا لحكومة الوفاق ولا حتى لمجلس النواب الذي كان يعتمد عليه كغطاء شرعي له. ومن هنا مثلت الزيارات المتكررة لوزراء خارجية بريطانيا وفرنسا لتلك الأطراف عملا خارجا عن طبيعة وروح الاتفاق السياسي، الأمر الذي صار يثير الشكوك حول جدية تلك الدول في دعم الاتفاق وإنجاحه، بل ويشكك في رغبتها في انتهاء الصراع فعلا.

* لكن حفتر فرض نفسه على المشهد كأحد الأطراف المعترف بها..

- كل ما استطاع أن يحققه حفتر، ويعتقد أنه كسبه، هو أنه صار بتصرفاته طرفا معرقلا أساسيا للاتفاق السياسي في الشرق، وفي غياب أي وجود قانوني لحكومات أو مؤسسات تابع لها. كما أن المجموعات المسلحة التابعة له لا تعدو كونها مجموعات من المدنيين يقودهم بعض العسكريين من بقايا ضباط الجيش الليبي، وبحسب تصريحات قادتهم لا يتجاوز عدد أولئك الضباط أصابع اليد، كما ذكر ذلك العقيد فرج البرعصي (أحد قادة حفتر المنشق عنه مؤخرا) في أحد تصريحاته، الأمر الذي يؤكده العديد من الضباط الذين يقاتلون في صفوف القوات التابعة لحفتر؛ الذي يلقى دعما عسكريا وماديا من دول إقليمية.

وبخصوص لقاء الوزراء به، فهم لم يجدوا من رد على الاعتراضات على هذه الزيارات، إلا بالادعاء بأنهم يبحثون عن حل للأزمة الراهنة، كون المجلس الرئاسي لم يحقق شيئا بزعمهم، الأمر الذي لا يعدو كونه أكثر من مغالطة؛ لأن الرئاسي جزء من الاتفاق ولن يستطيع فعل شيء إلا بدعم حقيقي وجاد؛ عبر وقف تعامل تلك الدول مع الأجسام والأطراف المعرقلة والأجسام والحكومات الموازية له، وهذا ما لم تفعله هذه الدول الراعية للاتفاق بشكل صحيح، بل ساعدت على عكس من ذلك - كما ذكرت - وهي لا زالت تسمح لدول صغيرة بلعب أدوار سلبية.

* وما دلالات اعتذار حفتر عن حضور قمة الكونغو دون ذكر أسباب؟

- المجلس الأعلى للدولة أبلغ البلد المستضيف والمنظم للقاء رفضه لحضور خليفة حفتر كطرف مواز إلى جانب رئيس البرلمان عقيلة صالح، واشترط المجلس أن يكون اللقاء ثلاثيا لرؤساء الأجسام المنبثقة عن الاتفاق السياسي، وهي مجلسا النواب والدولة والمجلس الرئاسي، وأن حضور حفتر قد يقبل في حالة واحدة؛ وهي أن يكون من ضمن الوفد المرافق لعقيلة صالح، وهذا كان رأينا أيضا كطرف أساسي في مجلس الدولة.

* وبرأيك.. هل الأزمة في ليبيا صراع داخلي أم صراع خارجي؟

- في تقديري الأزمة الليبية في مستواها ووضعها الحالي تستورد زهاء 80 في المئة من عناصرها المؤثرة من خارج حدود البلد، إقليميا بالدرجة الأولى ودوليا بالدرجة الثانية، وهذا يعزى جزء منه للارتدادات التي حدثت في المنطقة بسبب ما يعرف بالربيع العربي. وهو تأزيم ما كان له أن يأخذ مجراه لو لم تتوافر له من أدوات التنفيذ المحلية، ما يجعل تلك المشاريع التي تصدر عن غرفة عمليات مركزية ممكنة ومؤثرة في إرباك المشهد الليبي وتعقيداته. وبطبيعة الحال المجال لم يكن ليسمح بهذا الحجم من التدخل الإقليمي، وما كان بالإمكان أن يكون للاعبين الإقليمين الصغار مثل هذا الدور الهدام؛ إلا بسبب المساحات والفراغات التي خلفها الاختلال والتخبط في سياسات كثير من الدول الكبرى تجاه المسألة الليبية. فمن جهة أثر، وبشكل كبير، تضارب مصالحها، ومن جانب آخر توجسها من نجاح النموذج الديمقراطي الحقيقي في منطقتنا؛ وما يمكن أن يفرزه من قوى سياسية اجتماعية وطنية صاعدة جديدة. وأقصد هنا باللاعبين الإقليميين الصغار، تحديدا الدول المعادية للربيع العربي والتي تعمل على إعادة الاستبداد والحكم العسكري. لكن هذه التدخلات السلبية ستؤدي إلى وضع لن يخدم بطبيعة الحال، ولا يؤمن المصالح الأوروبية الحيوية في شمال أفريقيا؛ لما له من الآثار السلبية الناتجة عن عدم الاستقرار وحالة الفوضى، الأمر الذي يساهم بشكل أساسي وجوهري في خلق أفضل بيئة لتنامي الإرهاب وينشط الهجرة غير القانونية وغيرها من الأزمات.

* وما موقف الحزب من المبعوث الأممي الجديد غسان سلامة؟

- نتمنى له كل التوفيق. وعلى المستوى الشخصي، سبق وأن التقيت بالسيد غسان في إطار لقاءات وحوارات منظمة الحوار الإنساني بجنيف لعدة مرات، وكانت تجري حينها بإدارته، وبحضور شخصيات من كل الأطراف الليبية. فهو على اطلاع وإلمام كبيرين بطبيعة الأزمة في ليبيا، تعقيداتها وتفاصيلها وتقطعات أبعادها الثلاثة المحلي والإقليمي والدولي، فضلا عن كونه عربيا أولا ولبنانيا ثانيا، ما يمنحه الفرصة ليكون الأقرب إلى فهم واقعنا ومزاجه العام؛ نظرا لتشابه المشهد الليبي مع المشهد اللبناني. ونتمنى أن يتوفر له الدعم الدولي الجاد والكافي لإنجاح مساعيه الرامية لتحقيق الاستقرار والأمن.

* مؤخرا شهد مشروع الدستور جدلا واسعا، ولكنكم رحبتم به.. ما تفسير ذلك؟

- حظي ملف الدستور بأهمية وأولوية من قبل الحزب ونوقش بطريقة جماعية، ليس داخل الحزب فقط، بل تجاوزنا ذلك لفتح المجال لمشاركة من هم من خارج الحزب؛ عبر ورش العمل التي عقدها الحزب لتقييم مقترح ورقة الدستور التي صدرت عن الهيئة التأسيسية، وبعد نقاش مستفيض ومشاورات داخلية انتهينا إلى يقين بعدم وجود خلل ناشئ عن اللجة نفسها، أو بسبب الضغوطات وظروف وبيئة عملها، فانتهينا إلى كون كل ما يمكن أن يُنتقد على مقترح الدستور هي في مجموعها انتقادات تواجه كل الدساتير؛ بحكم طبيعة توجهاتها ونصوصها ولغتها، وليس شيئا خاصا بمقترح الدستور الليبي لذاته. وعلى هذا الأساس، رأينا أن نقلل من الاعتراضات المنهجية التقليدية التي تسرد ضد أي نص دستوري بغض النظر عن البلد والظرف. وعلى هذا الأساس، سيساعد الدفع باتجاه الاستفتاء على الدستور على نقل الصراع من صراع مسلح دامٍ إلى حالة تمهيدية ضرورية من النقاش السياسي حول المشترك العام بين الليبيين.

* ربما ستشهد ليبيا انتخابات رئاسية مستقبلا.. ما موقفكم منها؟

- على الرغم من كون هذا كلاما سابقا لأوانه، إلا أن لنا موقفا سياسيا تجاه العملية السياسية يمكنك أن تلخصه في الحرص على المشاركة، إما كناخبين أو كمرشحين. وتحت مظلة الدستور بعد اعتماده؛ سوف نحدد اختياراتنا ونرسم خرائط تحالفاتنا وفق مقاربات سياسية ستتناغم - بدون أدن شك - مع المعطى الدستوري، ولا تخرج عنه بحال. ويبقى فوق ذلك من الناحية العملية؛ القرار في تلك المسائل ملك مطلق لمؤسسات الحزب القيادية التي ترسم التوجهات والمواقف العامة وفق ما ينص عليه القانون الأساسي واللوائح الداخلية المعتمدة التي تضع مثل هكذا قرار على طاولة الهيئة القيادية العليا في الحزب، والتي ستخضع كل مؤسسات الحزب لاختياراتها، وتعمل وفق مقرراتها التي تقيد أولا بحدود الدستور الليبي؛ وثانيا بالقوانين الليبية السارية، ثم بالقانون الأساسي للحزب ولوائحه الداخلية، ثم للتوجهات السياسية العامة لكل مرحلة من المراحل التي تمر بها البلد وفق متغيرات الظرف. وإلى ذلك الحين بدون شك سيكون الباب مفتوحا على كل الخيارات كي تأتي مقررات الهيئة القيادية العليا لتقيد وتحدد بشكل نهائي، وفق ما ذكرت من منهجية وآلية صناعة القرار في داخل مؤسسات الحزب.