قضايا وآراء

وداعا أوباما

جلال زين الدين
1300x600
1300x600
رحلتَ بعد ثمان عجاف غير مأسوف عليك، فما تركت لنا حسنات نذكرك بها، رحلت والعالم قلق خائف من خلفك ترامب، آخر إنجازاتك. فسياساتك وسياسة من سبقك جعلت المواطن الأمريكي، قبل غيره، يتمرد على نمطكم السياسي الذي أتعبه وأتعبنا.

تفاءلنا برحيلك لأننا على ثقة أن ترامب على عجره وبجره؛ لن يكون أسوأ منك، على الأقل لن يعطينا كلاما معسولا وأحلاما وردية، ولن يجعلنا ننتظر خطوطه الحمراء ومواقفه المحبة للسلام، لن نختبئ في عهده خلف إصبعنا الصغير.

نذكر ذلك اليوم الجميل الذي خطب به أوباما في جامعة القاهرة في بداية عهده، فحدثنا عن السلام والديمقراطية بكلام منمق جميل أخذ بالقلوب والعقول، فقد كنا من السذاجة بمكان أن اعتبرناه خطابا مختلفا عن خطابات زعمائنا. أيعقل أن يكذب زعيم غربي علينا؟ وما الحاجة لخداعنا وهو زعيم أعظم دولة؟!

مرّت سنوات عجاف، واشتعل الربيع العربي من تونس الخضراء فارتبكت إدارة أوباما (الديمقراطية). فالشعوب العربية تتطلع وتتوق للديمقراطية، لكنّ سرعة نجاحها لم يكشف خفايا العلاقة بين الغرب الديمقراطي والنظام العربي الاستبدادي.

وفي مصر اتضحت الصورة أكثر، إذ طالب أوباما الديمقراطي، على مضض، حبيبه مبارك بالرحيل، فالثورة المصرية ناجحة لا محالة، ولا بدّ من حجز مقعد في الصف الأول. واتضحت انتهازية أوباما مع الانقلاب العسكري الواضح المعالم، وبدا واضحا أن السيسي مجرد بيدق في لعبة كبيرة، فانتقال مصر لنظام ديمقراطي سيغير وجه العالم العربي وربما الدولي، فشنّ أوباما هجوما عنيفا على الرئيس المصري محمد مرسي، وتكلم ببوق الدجل ذاته الذي نفخ به إعلام السيسي، فقال: "محمد مرسي انتخب بشكل ديمقراطي لكنه لم يتمكن من الحكم بشكل شامل لكل الأطراف". وقال: "إن مرسي انتخب ديمقراطيا لكنه أثبت عدم رغبة أو عدم قدرة على الحكم بطريقة ديمقراطية". وذهب بعيدا في تأييد انقلاب عسكري - نزعم أن السيسي رسمه بالتوافق مع المخابرات الأمريكية - فقال: "إن الحكومة المؤقتة - يقصد الانقلابيين - التي حلت مكانه جاءت استجابة لإرادة ملايين المصريين الذين رأوا أن ثورتهم اتخذت منحى خاطئا". وربما تصالح أوباما مع نفسه قليلا عندما قال لاحقا: "الولايات المتحدة ستعمل في الوقت الحالي مع حكومات لا ترقى إلى مستوى التطلعات الدولية لكنها تعمل معنا على تحقيق مصالحنا الكبرى" تماما كترامب. لكن ترامب قال صراحة أمريكا أولا.

وعلى الضفة الشرقية لمصر، في ليبيا، أسهمت إدارة أوباما بفاعلية بالإطاحة بالقذافي عسكريا، رغم وعوده بعدم التدخل العسكري الأمريكي الخارجي، وكان يمكن أن يكون تدخله محمودا لو ترك لليبيين حرية اختيار نظامهم، لكنهم فعلوا بليبيا ما فعلوه بمصر، فجاؤوا بحفتر تحت ذريعة الحرب على الإرهاب. فنما الإرهاب وتجذر، وأُدخلت ليبيا نفقا مظلما.

أما في المشرق العربي، فقد بدت الأمور أكثر تعقيدا وأشد دموية، إذ استمرت إدارة أوباما بدعم الحكومة العراقية الطائفية التي جاء بها سلفه بوش. بل ترسّخ النظام الطائفي في عهد أوباما، وغدت الدولة الوطنية والحكم الديمقراطي عبثا سياسيا أمام الممارسات الواقعية، وغضت إدارة أوباما الطرف عن النفوذ الإيراني في العراق في سبيل الحصول على اتفاق نووي، فالمصلحة الأمريكية مقدمة عند أوباما وغيره، وأسهمت الممارسات الطائفية والقمع الدموي للحراك الشعبي لتمدد تنظيم الدولة. وبدلا من أن يراجع أوباما سياساته المدمرة في العراق، ويدفع لبناء الدولة الوطنية واصل دعمه للحكومة العراقية الطائفية، واقتصر التدخل على تغيير المالكي، وبدأ أوباما يحارب إرهابيي السنة (تنظيم الدولة) بالتعاون مع الإرهابيين الشيعة (مليشيات الحشد الشيعي)، فعمل سلاح الجو الأمريكي على تأمين التغطية الجوية، ناهيك عن المدربين والخبراء الأمريكان على الأرض الذين تولوا تدريب الشرطة الاتحادية وغيرها من قوات النخبة، مما أسهم في تأجيج الصراع المذهبي.

وفي سوريا، ازدادت حقيقة أوباما وضوحا، إذ دعا الأسد للتنحي، لكنه وفّر كل الأسباب التي تمنع الأسد من التنحي. فسمح للمليشيات الطائفية بداية وللإيرانيين ثانيا وللروس ثالثا؛ بتقديم كافة أنواع الدعم لمنع سقوط الأسد، وقام من ناحية أخرى بمنع حلفائه الخليجيين والأتراك من تقديم دعم نوعي للمعارضة السورية؛ يقلب الموازين على الأرض.

ولم يكتف أوباما بذلك، بل شنّ حربا دولية على تنظيم الدولة، وحمل بذلك عبئا ثقيلا عن الأسد بعد أن تركهما يقضمان مناطق الثوار. كما قدم أوباما دعما لا محدودا لقوات الحماية الكردية، حلفاء الأسد، رغم نزعتهم الانفصالية، ممهدا بذلك لتشظي سوريا في حال سارت الأمور بما لا يرغب، كما عملت أجهزة استخباراته على تمزيق صفوف المعارضتين السياسية والعسكرية، من خلال الضغط حينا، وشراء الذمم حينا وزرع الفتن حينا آخر.

وبدا واضحا غياب القيم الأخلاقية عن إدارة أوباما، عندما غض الطرف عن تجاوز الأسد خطه الأحمر باستخدامه السلاح الكيماوي الذي قتل أكثر من 1400 سوري في يوم واحد، فرضي أوباما باستلام سلاح الجريمة، والسماح للمجرم الاستمرار بالقتل عبر أسلحة أخرى. وهنا تتقدم المصلحة الأمريكية على القيم الأخلاقية، وهو ما عبر عنه كيري بوضوح قبل أيام من رحيله مع زعيمه.

ولم تمارس دبلوماسية أوباما أي ضغط حقيقي للدفع نحو حل سياسي، فبدا وزيرُ خارجيته كيري؛ وزيرَ خارجية دولة صغيرة أمام لافروف. وكان هذا أمرا متعمدا، إذ هدفت إدارة أوباما بالمحصلة لإدارة الصراع دون إنهائه.

مواقف وممارسات باراك أوباما في عالمنا العربي لا تجعله أفضل من دونالد ترامب، بل لا تسمح أن يكون ترامب أسوأ منه. فقد دعم أوباما الأنظمة الاستبدادية في بلدان، وعمل على إعادتها في أخرى، وزاد من الصراعات الداخلية والمذهبية في دول أخرى، فوقف بذلك أمام التحول الديمقراطي في عالمنا العربي رغم انتمائه للحزب الديمقراطي.

أما القضية الفلسطينية، فبقيت تراوح مكانها، وقدمت إدارة أوباما في الأشهر الأخيرة دعما بمليارات الدولارات للإسرائيليين. ولا يُنظر لقرار مجلس الأمن الأخير بخصوص الاستيطان بعين إيجابية؛ لأنه جاء بالوقت الضائع وبلا مخالب، بل محرضا لزيادة الاستيطان.

لذلك نقول للرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما: وداعا غير مأسوف عليك.
التعليقات (1)
أيمن عصمان ليبيا
الأربعاء، 25-01-2017 06:07 م
أصبت كبد الحقيقية سيدي الكاتب