تواجه
مصر مجموعة من
الأزمات
السياسية والاقتصادية والإقليمية المتزامنة والمتشابكة ما يضع رئيس النظام
عبدالفتاح
السيسي في مأزق غير مسبوق قبل انتهاء ولايته الثالثة في 2030.
ويتوقع محللون أن يتبع فوز الحزب
الديمقراطي تعرض السيسي لضغوط حول وضعه على رأس السلطة بعد 2030، مع احتمال حجب
أجزاء من المساعدات الأمريكية للقاهرة مثلما حدث عامي 2021 و2023،
بسبب انتهاكات حقوق الإنسان.
أما إقليميا ووسط تجديد دونالد ترامب
تهديداته، الاثنين، بشن ضربة عسكرية موسعة ضد إيران، عقب انتخابات التجديد النصفي
للكونغرس، في توجه يدفع به رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، يشير محللون إلى
حجم الضغوط التي سيتعرض لها ثاني أكبر اقتصاد أفريقي والثالث عربيا والمنضم إلى
مجموعة "بريكس" منذ مطلع 2024، وما قد يصيب العملة المحلية التي تعرضت
لـ5 قرارات تعويم منذ العام 2016 أكلت نحو 90 بالمئة من قيمتها خلال 10 سنوات، وما
يتبع ذلك من آثار على نحو 110 ملايين مصري يقيمون في الداخل.
الوضع الدولي حال توجيه أمريكا
"ضربة ساحقة لإيران"، وفق قول ترامب أمام تجمع انتخابي في ولاية
"آيوا" الاثنين، قد يقود أيضا، إلى ارتفاع أكبر بسعر البترول الذي وصل
سعر خام برنت منه الثلاثاء 105.29 دولار للبرميل، وذلك مع احتمال إغلاق مضيقي
"باب المندب" و"هرمز"، أمام التجارة العالمية مما سيؤثر على
عائدات قناة السويس والسياحة المصرية.
اظهار أخبار متعلقة
ويؤكد محللون أن أي تحركات عسكرية
ستفاقم موجة هروب الأموال الساخنة من البلاد، وتعمق خسائر الجنيه أمام الدولار
(56 جنيها)، مما يشكل ضغوطا أكبر على الموازنة العامة للدولة التي تعاني
عجزا مقدرا بـ1.3 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي خلال أول شهرين من
(2026-2027)، وما قد يتبع ذلك من رفع مؤكد لأسعار الوقود بأنواعه والكهرباء
والخدمات الحكومية، ويزيد بالتالي الاحتقان الشعبي.
وعربيا تتفاقم حالة تعارض مصالح
الإمارات، الحليف الأكبر للسيسي، مع مصالح مصر إلى حد يقترب من الإضرار بالأمن
القومي المصري في ملفات السودان وإثيوبيا وليبيا واليمن والصومال، حيث تقدم أبوظبي
استثمارات ودعما ماليا وعسكريا لإثيوبيا, ولقوات الدعم السريع في السودان، وتبني
سرا قاعدة عسكرية في أرض الصومال لصالح أمريكا وإسرائيل، وفق ما أكدته صحيفة "لوموند" الفرنسية 6 تموز/يوليو الماضي.
ورغم تأكيد البعض أن علاقات السيسي،
ورئيس الإمارات محمد بن زايد، وثيقة وأبدية إلا أنهم يرون أنها ليست في أفضل
حالاتها، متوقعين عدم حصول السيسي، على دعم مماثل لما حصل عليه سابقا منذ انقلابه
عام 2013، مشيرين إلى عدم وجود ودائع للإمارات لدى البنك المركزي المصري بعد تحويل
11 مليار دولار إلى صفقة "رأس الحكمة".
صورة قاتمة
زتعاني مصر من تزايد معدل خروج
الأموال الساخنة من أذون الخزانة التي بلغت وفق تقديرات بنك "ستاندرد
تشارترد" مؤخرا بين 10 و15 مليار دولار بعد وصولها رقما تاريخيا بنهاية
حزيران/يونيو الماضي 55.1 مليار دولار، ما زاد الضغوط على العملة الصعبة في السوق المحلية
وهبط بقيمة سعر صرف الجنيه مقابل الدولار الشهر الماضي من نحو 51 إلى 56 جنيها.
وذلك إضافة إلى عجز في الميزان
التجاري فاق 64 مليار دولار في العام المالي الماضي، وسط توقعات بزيادته العام
الحالي مع ارتفاع فاتورة واردات الطاقة لأكثر من 42.4 مليار دولار سنويا، وسط
استحقاق دفع 60.9 مليار دولار فوائد وأقساط بالعام
المالي الحالي لديون خارجية تصل 166.45 مليار دولار، نصيب الفرد منها يبلغ حوالي
1517 دولارا.
وتمثل فوائد الدين العام العبء
الأكبر، حيث سجلت 512.2 مليار جنيه خلال أول شهرين فقط من العام المالي الجاري، ما
يستحوذ على أكثر من 60 بالمئة من إجمالي المصروفات العامة البالغة في تموز/يوليو
وآب/أغسطس نحو 849.1 مليار جنيه، فيما تعادل مدفوعات الفوائد نحو 96 بالمئة من
إجمالي الإيرادات العامة التي تصل 533.2 مليار جنيه، استحوذت الإيرادات الضريبية
منها على نحو 81.9 بالمئة.
وفي حين كررت الحكومة المصرية برئاسة
مصطفى مدبولي، مرارا تأكيدها أنها تسعى لخفض معدلات الدين، وأنها لن تطلب تمويلا
جديد من صندوق النقد الدولي عقب نهاية قرض المليارات الثماني نهاية العام الجاري،
إلا أن الأنباء المتتابعة تؤكد عودة الحكومة للاقتراض بشراهة.
ومحليا اقترضت نحو 4.3 تريليون جنيه
من السوق المحلية خلال الأشهر الأربعة الأولى من العام المالي (2026/2027)، وفقا
لوثيقة رسمية اطلعت عليها نشرة "إنتربرايز" المحلية، ووجهت وزارة
المالية الجزء الأكبر من هذه الحصيلة لإعادة تمويل ديون مستحقة.
وتم فتح إصدارات بنصف مليار دولار
بمتوسط أجل يصل 5 سنوات، كما وقعت الأحد، اتفاقية تمويل بقيمة مليار دولار مع
البنك الدولي، وأقر مجلس النواب قرضا بـ170 مليون دولار من بنك التنمية الأفريقي،
واتفاقية أخرى بقيمة
مليوني دولار.
وطرح البنك المركزي الاثنين أذون
خزانة بقيمة 600 مليون يورو لتأمين سيولة أجنبية، كما جرى الكشف عن إجمالي 9
مليارات دولار ضخها "أفريكسيم بنك" في مصر العام الجاري مستهدفا زيادتها
إلى 10 مليارات دولار بنهاية العام.
توتر في الشارع
ومع تزايد الضغوط الاقتصادية
والمعيشية يتفاقم الغضب الشعبي، في صمت، يرى مراقبون أنه قد يشتعل في أي وقت،
متأثرا بما يجري في أوروبا مع حراك جيل زد في فرنسا وإيطاليا وغيرهما، خاصة مع
عودة الجدل للشارع المصري حول نهاية حكم السيسي، بعد 2030.
وإثر حالة من الهدوء أحدثتها تصريحات
متكررة من السيسي الشهر الماضي تؤكد مغادرته حكم البلاد في 2030، وعدم تغيير
الدستور لمنحه مدة رئاسية رابعة أو فترة حكم مفتوحة، أعاد مقربون من النظام بينهم
الصحفي والبرلماني مصطفى بكري الجدل مجددا للشارع السياسي بطرحه مقترحا لتغيير
الدستور بالكلية، مما يفتح باب الترشح أمام السيسي لفترات رئاسية جديدة بعد 2030.
وفي ظل هذا الوضع تتواصل المؤشرات
العالمية الكاشفة عن أوضاع سيئة في عهد السيسي، حيث احتلت مصر المرتبة الأخيرة
عالميا في انفتاح الحكومة، والمرتبة 135 من بين 143 دولة بشكل عام، في أحدث مؤشر لسيادة
القانون الصادر 23 تشرين الأول/أكتوبر
الماضي، بينما احتلت المركز الأخير بين الدول العشر في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا
التي يغطيها المؤشر.
وقال بيان مشروع العدالة العالمي:
"تضع هذه النتائج مصر بين الدول الأقل أداء في العالم في مجال المساءلة
المؤسسية والحريات المدنية والوصول إلى العدالة في عهد السيسي، الذي مارس نظامه
قمعا وقيودا غير مسبوقة على المعارضة السياسية والصحافة النقدية أو المستقلة
واستقلال القضاء".
أزمات متراكمة لأخطاء مزمنة
وفي إجابته على السؤال إلى ماذا يقود
ذلك الوضع نظام السيسي، والدولة المصرية؟، قال الكاتب والمحلل السياسي مجدي
الحداد: "إشكالية هذا النظام، مع الأزمات المستجدة على المنطقة وما يتم
افتعاله من حين إلى آخر منها، والتي آخرها الحرب المحتملة على إيران خلال أيام من
التحالف الصهيوأمريكي وبزعامة ترامب، ونتنياهو، أن كل مشكلة أو أزمة تحمل معها
أعباءها وتداعياتها".
وفي حديثه لـ"عربي21"، أكد
أن "مشاكل نظام السيسي متراكمة، منذ انقلابه منتصف 2013، أو لنقل منذ أصبح
رسميا حاكما لمصر عام ٢٠١٤"، موضحا أنه "عندما تستجد أزمة إقليمية فهي
تراكم تبعاتها على الأزمات السابقة، وهذا الاختلاف الجوهري بين وضع النظام المصري
وبقية الأنظمة الوطنية بالمنطقة".
وبين أنه "لذلك فإن وطأة
التداعيات الأخيرة على دول وشعوب المنطقة الأخرى تكون أخف نوعا ما على شعوبها،
بينما ستكون علينا مضاعفة نظرا لأنها متراكمة"، ملمحا إلى أنه على سبيل
المثال فإن أزمة "أسعار الوقود، تسببت فيها تصرفات تلك الحكومة غير الرشيدة،
لأنها وحسب أحد الخبراء الاقتصاديين: (تشتغل اليوم بيومه)، وتتجاهل إبرام العقود
الآجلة بالنسبة للنفط ومشتقاته".
ولفت إلى أن الرؤية الاقتصادية
السليمة، تقول إنه "عندما تتعاقد الحكومة مثلا على صفقة معينة في عام ٢٠٢٥،
كان عليها في نفس الوقت التعاقد على صفقات مؤجلة حتى ٢٠٣٠، وبأسعار ٢٠٢٥، أو أقل
منها، وذلك لمواجهة أي تقلبات بأسعار النفط ليست في صالحنا، خاصة وأنه ملف مرتبط
بالاستقرار أو عدم الاستقرار السياسي في المنطقة والعالم".
وأشار إلى أن "دولة الكيان
اتخذت معنا نفس الإجراء عندما كنا نصدر لهم الغاز -رغم تصديره لهم بأقل من ثمن
تكلفة إنتاجه- وعندما عجزت مصر عن توريد ما هو متفق عليه من صفقات آجلة عام 2011
و2012 أقاموا قضية دولية وربحوها"، متسائلا: "فهل النظم العسكرية تعمل
لصالح العدو وضد مصالح شعوبها؟".
وأكد أن حل أزمة مثل أزمة الوقود
"تبدأ بالتعاقد على صفقات النفط ومشتقاته، وليس الشراء وقت الحاجة، أو
التعامل وفق منطق (اليوم بيومه)، فعندها يكون سعر برميل النفط قد تضاعف وبشكل لا
يمكننا معه تلبية حاجة السوق المحلي، ومن ناحية أخرى سيكون سعره مختلفا كثيرا عما
رُصد له بالموازنة، مما يفاقم عجزها"، ملمحا إلى أن إنتاجنا من النفط
ومشتقاته يلبي ٦٠ بالمئة، من احتياجاتنا بينما نستورد ٤٠ بالمئة.
وفي قراءته لجانب آخر من أزمات نظام
السيسي، انتقد الاعتماد الحكومي على "المال الساخن، وسيولة وسهولة وإدمان
الاقتراض الخارجي والداخلي، وتزامن ذلك مع طرح بنك القاهرة ثالث أكبر المصارف
الحكومية، بعد أن نضب مَخزون بيع الأصول، وجرى رفع أسعار السلع والخدمات بشكل دوري
وبلا ضابط ولا رحمة بالمواطن، ورفع سعر الفائدة، وتخفيض قيمة الجنيه".
وأكد أن "كل تلك الإجراءات ليست
حلولا تنقذ اقتصادا ولا دولا، ولا حتى أنظمة، لأن الإنتاج الحقيقي، والاستثمار
الحقيقي، والمنافسة في الأسواق الدولية والمحلية، هي الركيزة الأساسية لأي دولة
ومجتمع، وغير ذلك كلها حلول ترقيعية ومسكنات لا تُسمن ولا تُغني من جوع، ولا تقيم
ولا حتى تنهض بدول ومجتمعات".
القادم صعب على النظام
وكان الناشط المصري الدكتور خالد
رفعت، قد قال عبر صفحته بـ"فيسبوك"، إن "نظام حكم السيسي يمر حاليا
بعدة أزمات متوازية، ذكر أن أولها "غضب شعبي عارم بسبب التدهور المستمر في
معيشة الأغلبية العظمى من الشعب ما عدا القلة القليلة المنتفعة من نظام الحكم
الحالي"، ما تبعه بالحديث عن أزمات الدين الخارجي، وتخلي الخليجيين عن دعم
السيسي، تداعيات عودة الحرب ضد إيران، وغيرها.
وتوقع رفعت أن "يكون القادم
صعبا على النظام، وأن ينعكس بالتالي على تشديد القبضة الأمنية لقمع أية احتجاجات
أو اعتراضات صحفية أو عبر السوشيال ميديا، مع غلق أي نافذة للتنفيس".
في ذات السياق، لفتت رئيس حزب
"الدستور" الدكتورة وفاء صبري، إلى جانب من الأزمات السابقة، مؤكدة عبر
"فيسبوك"، أن "الحل في بناء اقتصاد منتج، وجذب استثمارات مباشرة
طويلة الأجل، وزيادة مواردنا المستدامة من النقد الأجنبي"، مؤكدة أن الحكومة
تأخرت كثيرا في "اتخاذ خطوات في هذا الاتجاه"، موضحة أنه تم إهدار
مليارات في بناء مدن ومباني وقاعات فخمة، محذرة من تداعيات اندلاع مواجهات عسكرية
جديدة بإقليم الشرق الأوسط.