لم تنجح محاولات "
شيطنة" جماعة
الإخوان المسلمين في أوروبا،
بدفع من رئيس الإمارات الحالي محمد بن زايد، إبان ولايته لعهد بلاده، عبر مراجعة نشاط الجماعة في بريطانيا والتي
أطلقها رئيس الوزراء ديفيد كاميرون عام 2014، وانتهت عام 2015، دون إدانة واضحة لأي
من أعمال أعضاء الجماعة ومؤسساتها.
لكن مع صعود تيارات اليمين الأوروبي بالعديد من دول القارة العجوز وتزايد
أصواته في البرلمان الأوروبي، إضافة إلى ضغوط كيان الاحتلال الإسرائيلي وحليفته الإمارات
على صانعي القرار الأمريكي والمشرعين في واشنطن وعدد من عواصم
الغرب، عادت بقوة الأصوات
المطالبة بحظر أنشطة الجماعة وتقييد عمل مؤسساتها الرسمية وأعضائها.
وفي أوروبا، هناك عدة مؤشرات تشير إلى محاولات اليمين الأوروبي تأطير
وضع جديد بمواجهة الإخوان، ما تمثل في قرار "البرلمان الأوروبي"، 8 تشرين
الأول/أكتوبر الجاري، بوضع استراتيجية أوروبية لمواجهة شبكات جماعة الإخوان المسلمين
والأنشطة المرتبطة بها، وتقييم إمكانية إدراج كيانات وأفراد مرتبطين بالجماعة على قائمة
الاتحاد الأوروبي للمنظمات الإرهابية، واتخاذ إجراءات لمواجهة أنشطة الشبكات المرتبطة
بالجماعة.
اظهار أخبار متعلقة
ونتيجة لتصويت جاء بموافقة 381 صوتا ومعارضة 167 برلمانيا أوروبيا، وفي
أولى الخطوات على الأرض، دعا البرلمان الأوروبي لاستبعاد منظمة "فيميسو"،
المقربة من الجماعة من المؤسسات الأوروبية، ومراجعة التمويل الخارجي والشراكات العابرة
للحدود، وتشديد الرقابة على التمويل والشراكات المؤسسية، ومدى إمكانية وصول المنظمات
المرتبطة بهذه الشبكات للمؤسسات والموارد الأوروبية.
وفي حديثه لـ"عربي21"، انتقد الأمين العام لمجلس مسلمي أوروبا،
سمير الفالح، قرار البرلمان الأوروبي، معتبرا أن الأطراف التي هندست للقرار تصرّ على
استعداء مسلمي أوروبا وحشرهم في سرديات "مستوردة" لا تمتّ إلى الواقع بصلة.
وفي مقال بصحيفة "الغارديان"، قالت الكاتبة المقيمة في بلجيكا،
شذا إسلام: "لا يوجد دليل على هذا الادعاء"، مؤكدة أنه "ترديد لنظريات
المؤامرة الفرنسية حول (التغلغل الإسلامي) ودعوة إلى حملة قمع ضد أعضاء مزعومين في
شبكات الإخوان المسلمين".
ولا يعد هذا هو القرار الأوروبي الأول هذا العام، ففي حزيران/يونيو الماضي،
أيد "حزب الشعب الأوروبي" (EPP) -أكبر كتلة سياسية في الاتحاد الأوروبي- قرارا يدين "تدخل الإسلام
السياسي" في العمليات الديمقراطية الأوروبية.
ما تبعه في تموز/يوليو الماضي، إعلان وكالة تابعة للمفوضية الأوروبية
إنهاء اتفاقية تمويل الشبكة الأوروبية لمناهضة العنصرية (ENAR)، بعد 20 عاما، إثر ورود اسمها ضمن تقارير الحزب
التي تشتبه في وجود صلات أو تغلغل لكيانات محسوبة على جماعة الإخوان المسلمين، وفي
خطوة عقابية على رفض الشبكة إبادة الفلسطينيين، بحسب "هيومان رايتس ووتش".
مثلث أمريكا وإسرائيل والإمارات
وفي أمريكا، والجمعة الماضية، اتهم الرئيس دونالد ترامب، مرشح "الحزب
الديمقراطي" لمجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان بانتخابات تشرين الثاني/نوفمبر المقبل،
والمسلم ذو الأصول المصرية، عبدالرحمن السيد، بالتطرف والانتماء لجماعة الإخوان المسلمين،
وذلك رغم نفي السيد تلك المزاعم، وتأكيد ولائه للدستور الأمريكي.
وفي 13 كانون الثاني/يناير الماضي، أعلنت الإدارة الأمريكية تصنيف 3 أفرع
لجماعة الإخوان المسلمين في مصر ولبنان والأردن ضمن قوائم الإرهاب، وفرض عقوبات عليها
وعلى أعضائها عبر وزارة الخارجية الأمريكية ووزارة الخزانة الأمريكية.
وفي دولة الاحتلال، أعلن رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي الأسبق نفتالي
بينيت رفض حضور قطر وتركيا في مستقبل غزة، لما وصفه بصلات سياسية وفكرية بين البلدين
وجماعة الإخوان المسلمين، فيما دعا لإشراك مصر في نزع سلاح المقاومة مستندا في طرحه
إلى عداء رئيس النظام المصري عبدالفتاح السيسي، لجماعة الإخوان المسلمين.
وفي 10 تشرين الأول/أكتوبر الجاري، اتهم وزير حرب الاحتلال يسرائيل كاتس،
الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، بدعم أنشطة حركة المقاومة الإسلامية حماس من الأراضي
التركية بالتعاون مع جماعة الإخوان المسلمين.
وضمن تلك الحملة، ونهاية أيلول/سبتمبر الماضي، دعا مستشار الأمن القومي
الإسرائيلي السابق، مئير بن شبات إسرائيل لأن تقود تحركًا دوليًا لإعلان جماعة الإخوان
المسلمين منظمة غير شرعية.
وفي الإمارات، كشفت وثائق مسربة حصل عليها موقع "دروب سايت نيوز"
مطلع تشرين الأول/أكتوبر الجاري، أن شركة الاستخبارات السويسرية "ألب سيرفيسز"
تعمل لمصلحة أبوظبي تعد تقارير عن منظمات إسلامية بأمريكا، ضمن حملة استهدفت تقويض
سمعتها عبر اتهامها بالارتباط بجماعة الإخوان المسلمين.
من تلك المؤسسات: مجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية، والجمعية الإسلامية
لأمريكا الشمالية، ومجلس الشؤون العامة للمسلمين، والجمعية الإسلامية الأمريكية، ومجلس
المنظمات الإسلامية الأمريكية، ومؤسسة الإغاثة الإسلامية الأمريكية، وغيرهم.
واتهم النائب العام الإماراتي، الطيار العُماني همام الحمامي برحلة فلاي
دبي، في 30 أيلول/سبتمبر الماضي، إلى إسرائيل، بأنه كان يتلقى دعما من جمعية مرتبطة
بجماعة الإخوان المسلمين.
وثمنت الإمارات قرار "الاتحاد الأوروبي" بحق جماعة الإخوان
المسلمين، وأكدت أن مواجهة هذه الشبكات تتطلب تنسيقا دوليا مستداما يشمل تبادل المعلومات،
وتجفيف منابع التمويل، وكشف الشبكات، والحد من استغلال المؤسسات، والعمل المجتمعي،
مشددة على ضرورة ترجمة القرار إلى إجراءات عملية.
وتأتي تلك الحملات في الوقت الذي حذر فيه الباحث في معهد دراسات الأمن
القومي الإسرائيلي، إلعاد بن ديفيد، عبر مقال في "يديعوت أحرونوت" العبرية،
الجمعة، من المبالغة في تقدير نفوذ جماعة الإخوان المسلمين بأمريكا، معتبرا أن الخطاب
الإسرائيلي المتصاعد ضد الجماعة ينسب إليها قدرات تنظيمية واستراتيجية تتجاوز حجم نفوذها
الفعلي.
وفي إجابته عن السؤال: هل نجحت محاولات إسرائيل والإمارات والنظام المصري
في نقل ساسة الغرب من محاولات فهم جماعة "الإخوان" واحتوائها إلى العداء
السافر والتصنيف المجحف بلا أدلة، وسر توقيت تلك الحملة، ومدى علاقتها بملف غزة، وبظهور
مرشحين مسلمين على مقاعد ومناصب مهمة في أمريكا وأوروبا، تحدث قياديان في الجماعة لـ"عربي21".
تحول استراتيجي خطير
وفي تقديره، قال الدكتور محمد عماد الدين صابر: "نحن أمام تحول استراتيجي
خطير، يتجاوز مجرد الخلاف مع الجماعة إلى محاولة إعادة تشكيل المجال السياسي والمجتمعي،
بحيث يجري تحجيم حضور الحركات الإسلامية المستقلة، وإضعاف قدرتها على التأثير في مستقبل
المنطقة والقضية الفلسطينية".
ويعتقد أن الإمارات وإسرائيل، ومعهما النظام المصري، وبدرجات متفاوتة،
"نجحت في دفع اتجاهات غربية نحو تشديد التعامل مع الإخوان؛ لكنه تحول لا يمكن
تفسيره بالضغوط الخارجية وحدها؛ فقد ساعد عليه صعود اليمين الأوروبي، وتصاعد الإسلاموفوبيا،
والمخاوف المرتبطة بالهجرة والهوية والأمن".
اظهار أخبار متعلقة
ويرى أن "الإبادة بغزة تمثل عاملًا مهمًا في تسارع هذه الحملة؛ فإسرائيل
لا تريد فقط إضعاف حماس عسكريًا، وإنما تسعى أيضا إلى تجفيف امتداداتها السياسية والفكرية
والمالية، وإضعاف القوى القادرة على حشد الرأي العام لمصلحة الحقوق الفلسطينية، وهنا
يصبح توسيع دائرة الاتهام لتشمل مؤسسات إسلامية مدنية خطرًا على حرية العمل المجتمعي".
وأكد أنه "لا يمكن فصل الحملة عن صعود المشاركة السياسية للمسلمين
في الغرب؛ إذ يجري أحيانًا توظيف الاتهام بالارتباط بالإخوان لتشويه مرشحين مسلمين،
وتحويل هويتهم الدينية إلى مصدر اشتباه سياسي بدلًا من مناقشة برامجهم".
ولفت صابر إلى أن "الأخطر هو الانتقال من محاسبة الأفراد على أفعال
محددة إلى الاشتباه في المؤسسات بسبب مرجعياتها الفكرية أو علاقاتها المفترضة، بما
يهدد مبادئ الحرية والمواطنة وسيادة القانون".
وأشار إلى أن "هذا لا يعني أن الغرب أصبح كتلة واحدة معادية للإخوان،
ولكن كل يبحث عن مصلحته وهم لا يميزون بين المخالفات المثبتة والتجريم السياسي الجماعي،
بما يحقق أهدافهم".
رأس حربة النهضة
ويرى أنه "ولذلك فمن السذاجة الاعتقاد أن حملة الغرب على الإخوان
وحتى العداء السافر من أنظمة إقليمية ثمرة حملة علاقات عامة تديرها وتمولها الإمارات
أو نتيجة ضغوط لوبيات صهيونية؛ لكن الحقيقة أن الغرب ضد أي حراك يؤدي ليقظة الأمة ونهضتها
وتحريرها من التبعية، فيما أصبح واضحا منذ ثورات الربيع العربي أن الإخوان رأس حربة
تلك النهضة، ولذا كان القرار الغربي بالانقلابات والثورات المضادة للربيع العربي" بحسب وصفه.
وأضاف: "ثم جاء طوفان الأقصى ليزلزل أركان الكيان الصهيوني ويهدد
بزواله ويعصف بالسردية الغربية تماما ويظهر وحشية الكيان وهمجيته أمام المواطن الغربي
البسيط؛ فكانت توجهات ترامب والاتحاد الأوروبي بتجريم الإخوان واتهامهم بالإرهاب في
محاولة لوأد حركة النهوض بالأمة وتحقيق حريتها واستقلالها وتوفير الأمان للكيان وإيقاف
عجلة انتشار الإسلام في الغرب".
وخلص للقول: نحن أمام محاولة لإعادة ترتيب موازين القوة في المنطقة، يُراد
فيها تقليص تأثير القوى الإسلامية المستقلة، خاصة المناصرة لفلسطين، والتحدي أمام الإخوان
اليوم ليس الاكتفاء بإدانة الحملة، بل تطوير خطابهم ومؤسساتهم، وتعزيز الشفافية والتحالفات
الحقوقية والسياسية، والدفاع عن وجودهم بالوسائل القانونية والديمقراطية".
ضغوط وحسابات ومخاوف
من جانبه، قال القيادي في جماعة الإخوان المسلمين، أحمد هلال: "يشهد
الموقف الغربي من الجماعة تشددًا متزايدًا، أسهمت الإمارات ومصر وأطراف إسرائيلية في
دفعه، لكنه لا يمثل موقفًا غربيًا موحدًا، ولا يجوز اختزاله في الضغوط الخارجية أو
اعتبار جميع إجراءاته خالية من الأدلة؛ والأدق أنه تلاقٍ بين ضغوط إقليمية وحسابات
انتخابية ومخاوف أمنية، يهدد بتحويل الاشتباه إلى إقصاء جماعي".
وفي حديثه لـ"عربي21"، أضاف أن "الدقة تقتضي تصحيح المقدمات"،
موضحا أن "المراجعة البريطانية عام 2015 لم تبرئ الجماعة، وإن لم تؤد إلى حظرها؛
فقد تضمنت انتقادات حادة، وأثارت بدورها اعتراضات برلمانية بشأن شفافيتها".
ولفت إلى أن "قرار البرلمان الأوروبي الأخير دعوة سياسية إلى إجراءات
مشروطة بمعايير قانونية، وليس حظرًا شاملًا نافذًا، أما واشنطن فقد انتقلت بالفعل إلى
تصنيف فروع محددة، مع إعلان اتهامات تستوجب التقييم المستقل، دون تعميمها على المؤسسات
الإسلامية".
وأكد أن "الضغط الإماراتي والمصري موثق، والتحقيقات الصحفية بشأن
حملات تشويه السمعة واضحة وثابتة كموقف سياسي معلن؛ لكن تلاقي المصالح لا يثبت وحده
تنسيقًا شاملًا، ولا يلغي مسؤولية الأحزاب الغربية عن خياراتها، ويبدو أن التصاعد الراهن
يعكس اتساع قبول خطاب المواجهة داخل اليمين التقليدي، واستثمار قضايا الهوية والأمن
في المنافسة السياسية".
المعيار العادل
و"تحضر غزة بوصفها ملفًا أمنيًا وساحة للتنافس على ترتيبات المستقبل
وأدوار مصر وقطر وتركيا"، وفق هلال، الذي يعتقد أن "الخطر هو بناء سلسلة
اتهامات تجعل التضامن مع الفلسطينيين دعمًا لحماس، ثم انتماءً للإخوان، ثم قرينة على
الإرهاب، كل حلقة تحتاج دليلًا مستقلًا؛ فلا الدفاع عن فلسطين يثبت ارتباطًا تنظيميًا،
ولا قضيتها تمنح حصانة للاعتداء على المدنيين".
ويرى أن "استهداف مرشحين مسلمين باتهامات غير مثبتة، كما في حالة
عبدالرحمن السيد، فينقل المنافسة من البرامج إلى التشكيك في الولاء والأهلية؛ ومع ذلك،
لا يكفي مثال واحد لإثبات حملة موحدة ضد الجميع، كما لا تعني هوية المرشح الإسلامية
انتماءه إلى الجماعة".
وخلص للقول إن "المعيار العادل هو محاسبة الأفعال المثبتة، وتمييز
العضوية التنظيمية من التأثر الفكري والقرابة والتدين، وضمان حق الدفاع والطعن"،
موضحا أن "نقد الإخوان مشروع، وملاحقة تمويل العنف واجبة، لكن تجريم المجتمع المدني
بالاشتباه يقوض الديمقراطية"، مشددا على أن "الدفاع عن هذه الضمانات لا يتطلب
تأييد الجماعة، وإنما الالتزام بالمساواة وسيادة القانون وحماية المشاركة السياسية
المشروعة للمواطنين".