أفلح إن صدق! السيسي.. ومتلازمة الوعود الرئاسية وتطويع الدستور المصري!

سعد الغيطاني
"هل يتم التراجع عن تصريح 2026 والدفع بحملات "مناشدة شعبية" قبيل عام 2029، تطالب بفتح المدد الرئاسية؟"- إكس
"هل يتم التراجع عن تصريح 2026 والدفع بحملات "مناشدة شعبية" قبيل عام 2029، تطالب بفتح المدد الرئاسية؟"- إكس
شارك الخبر
في أدبيات النظم السياسية والدستورية، يُعرف "الدستور" بأنه العقد الاجتماعي الأسمى الذي يُنظم شكل الدولة، ويُقيد سلطات الحاكم، ويضمن حقوق المحكومين. وتكمن قدسية هذا العقد في جموده النسبي وصعوبة تعديله لخدمة أهواء السلطة التنفيذية. غير أن المشهد السياسي المصري يقدّم حالة دراسية بالغة التعقيد حول كيفية تحول الوثيقة الدستورية من إطار حاكم للسلطة، إلى أداة مرنة يتم تطويعها وهندستها لتكريس البقاء في سدة الحكم.

مع تواتر الأنباء والتصريحات الصادرة في 14 تشرين الأول/أكتوبر 2026 عن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، والتي أكد فيها أن الدستور "لن يمسه أحد"، يُطرح تساؤل جوهري في الأوساط السياسية والإعلامية: هل يمكن قراءة هذا التصريح بمعزل عن الذاكرة السياسية القريبة؟ وكيف يمكن للرأي العام والمراقبين تقييم هذا "التعهد الجديد" في ظل تجربة سابقة شهدت تناقضاً حاداً بين الوعود القاطعة بعدم المساس بالدستور، وبين هندسة تعديلات 2019 التي شرّعت بقاء الرئيس حتى عام 2030؟

مسرحية 2017: حينما كانت المدتان "التزاماً لا حياد عنه"
إعادة إنتاج الوعد بـ"عدم المساس بالدستور" يضع المتابع أمام مفارقة قاسية: كيف يمكن البناء على تصريح سياسي، في حين أن السابقة التاريخية تؤكد أن مثل هذه التصريحات تتبخر عندما تُعطى الإشارة للبرلمان للبدء في إجراءات التعديل؟

لفهم عمق الفجوة بين الخطاب السياسي والواقع العملي، يجب العودة إلى النقطة المرجعية الأبرز في هذا السياق: السابع من تشرين الثاني/نوفمبر عام 2017. في تلك المرحلة، كانت مصر تتهيأ لانتخابات الرئاسة (2018)، وكان السيسي حريصاً على تقديم رسائل طمأنة للداخل والخارج حول التزامه بالمسار الدستوري المستقر.

أمام كاميرات شبكة "CNBC" الأمريكية، وبنبرة قاطعة، قدم السيسي تعهداً واضحاً للعالم أجمع، قائلاً: "أنا مع الالتزام بمدتين رئاسيتين، مدة الواحدة منهما 4 سنوات.. ولن نتدخل في الدستور".

كان هذا التصريح بمثابة وثيقة سياسية شفوية، طمأنت قطاعاً واسعاً من النخبة والمجتمع الدولي. فقد بدا أن ثمة قناعة لدى القيادة السياسية بأن تغيير قواعد اللعبة الدستورية أثناء سريانها هو مساس بجوهر الاستقرار السياسي، وأن مصر قد طوت أخيراً صفحة "الرؤساء مدى الحياة". غير أن هذا الارتياح لم يدم طويلاً، إذ سرعان ما تكشفت النوايا الحقيقية بمجرد تأمين الولاية الثانية.

هندسة 2019: صناعة "الضرورة" لإسقاط القيد الدستوري

لم يكد يمر عام على بدء الولاية الثانية، حتى بدأت التوطئة الإعلامية والبرلمانية لعملية جراحية عميقة في جسد دستور 2014. تحركت الآلة السياسية مدفوعة بشعارات "استكمال الإنجازات" و"حماية الدولة"، لتبرير ما كان يُعد "محظوراً" قبل أشهر قليلة.

تمت صياغة تعديلات 2019 ببراعة قانونية تخدم هدفاً واحداً: تمديد بقاء الرئيس في السلطة. شملت التعديلات تغيير المادة (140) لتصبح مدة الرئاسة ست سنوات بدلاً من أربع، ولأن هذا التعديل بحد ذاته لم يكن ليسمح للرئيس الحالي بتجاوز مدتين متتاليتين، تم تفصيل المادة (241 مكرراً) -وهي مادة انتقالية وُضعت خصيصاً كجسر عبور- لتنص صراحة على أحقية الرئيس الحالي في الترشح لولاية تالية مدتها ست سنوات بعد انتهاء ولايته الثانية.

هذا التحول الدراماتيكي لم يسقط فقط وعد 2017، بل وجه ضربة قاصمة لمفهوم الثقة السياسية. لقد أثبتت هذه التعديلات أن الدستور في الحالة المصرية الحديثة ليس وثيقة جامدة تحمي حقوق الأمة، بل هو أداة مرنة قابلة للتعديل والتبديل كلما اقتضت "المصلحة" -التي تُعرفها السلطة التنفيذية- ذلك.

أكتوبر 2026: قراءة في التعهد الجديد ودلالات التوقيت

نصل الآن إلى المحطة الأحدث؛ تصريح 14 تشرين الأول/أكتوبر 2026 خلال الندوة التثقيفية للقوات المسلحة. خروج الرئيس ليؤكد أن الدستور "لن يمسه أحد" يأتي في توقيت بالغ الأهمية، حيث تقترب الولاية الثالثة (2024-2030) من منتصفها، والحديث المكتوم حول مستقبل السلطة بعد 2030 بدأ يطفو على السطح.

خروج الرئيس ليؤكد أن الدستور "لن يمسه أحد" يأتي في توقيت بالغ الأهمية، حيث تقترب الولاية الثالثة (2024-2030) من منتصفها، والحديث المكتوم حول مستقبل السلطة بعد 2030 بدأ يطفو على السطح

إن إعادة إنتاج الوعد بـ"عدم المساس بالدستور" يضع المتابع أمام مفارقة قاسية: كيف يمكن البناء على تصريح سياسي، في حين أن السابقة التاريخية تؤكد أن مثل هذه التصريحات تتبخر عندما تُعطى الإشارة للبرلمان للبدء في إجراءات التعديل؟

في التحليل السياسي، لا تُقرأ تصريحات السلطة بمعزل عن أفعالها التاريخية. قد يكون هذا التصريح محاولة لامتصاص الجدل المبكر، أو تهدئة لرسائل قلق داخلية أو خارجية من استمرار نهج تعديل الدساتير. لكن من الناحية العملية، لا يوفر هذا التصريح أي حصانة حقيقية للدستور، طالما أن الآليات التي سمحت بتعديل 2019 لا تزال قائمة، وتعمل بكفاءة تامة لصالح تمرير أي رغبة للسلطة التنفيذية.

سيناريوهات ما بعد 2030: بين الاحتكام للدستور وخلق البدائل

بافتراض أن الدستور "لن يمسه أحد" بالفعل، فإن ولاية الرئيس السيسي تنتهي بقوة القانون في نيسان/أبريل 2030، ولا يحق له الترشح مجدداً بأي حال من الأحوال وفق النصوص القائمة. لكن المشهد المعقد يفرض قراءة موضوعية لعدة سيناريوهات محتملة:

- السيناريو الأول: "تكرار الاستثناء"؛ أن يتم التراجع عن تصريح 2026 -كما تم التراجع عن تصريح 2017- والدفع بحملات "مناشدة شعبية" قبيل عام 2029، تطالب بفتح المدد الرئاسية بحجة الحفاظ على المشروعات القومية أو مواجهة أزمات إقليمية، ومن ثم تمرير تعديل دستوري جديد يزيل القيود تماماً.

- السيناريو الثاني: "المسار غير المباشر"؛ هندسة بديل سياسي آمن للرئاسة، مع احتفاظ الرئيس الحالي بصلاحيات استثنائية وراء الكواليس، عبر مجالس عليا محصنة، مما يحافظ على شكل الدستور من الخارج مع إفراغه من مضمونه الديمقراطي.

- السيناريو الثالث: "الالتزام الصارم"؛ وهو السيناريو الذي ينادي به العقل الدستوري، بأن يتم بالفعل احترام الوثيقة ومغادرة السلطة في 2030. ورغم أنه الأفضل لمستقبل الدولة المصرية، إلا أنه يظل الأضعف احتمالاً في نظر المحللين بناءً على "عقدة عدم الثقة" التي ولّدتها تجربة 2019.

الخلاصة: هل تُكتب الدساتير بحبر الثقة أم بقلم السلطة؟

إن أزمة الدستور في مصر لا تتعلق بمدى جودة نصوصه، بل بإرادة الالتزام بها. حين تتحول العهود السياسية إلى مجرد أدوات لتمرير الوقت، وتُستخدم التعديلات الدستورية كآليات هندسية لتوسيع رقعة السلطة، فإن الدولة تفقد أهم ركائزها: ثقة المواطن في مؤسساته وفي الكلمة الصادرة عن قيادته.

مقولة "أفلح إن صدق" تتجاوز هنا معناها التراثي لتصبح اختباراً حقيقياً لمستقبل مصر السياسي. هل يصدق التعهد الجديد ويُطوى ملف العبث بالدستور، أم أن الأيام ستثبت مجدداً أن الوثيقة الأسمى في الدولة ليست سوى ورقة يمكن إعادة طباعتها وتعديلها وفقاً لبوصلة السلطة؟ التاريخ وحده، وليس التصريحات الإعلامية، هو من سيجيب.

سؤال للقراء الكرام

في ضوء تجربة 2019 وما سبقها من وعود قاطعة في 2017 بعدم تغيير الدستور.. هل تعتقدون أن تصريحات 2026 بـ"عدم المساس بالدستور" تمثل ضمانة حقيقية لانتقال سلمي للسلطة في 2030، أم أنها مجرد تهدئة إعلامية ستتلاشى أمام أول محاولة قادمة لتمديد البقاء في الحكم؟


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)

خبر عاجل