سعد الغيطاني يكتب: التاريخ لم يحفظ قط حكاية طاغية استطاع العيش بسلام خلف جدران محصنة بينما يغلي المرجل من حوله؛ فقلاع "الأوكتاغون" مهما بلغت سماكة خرسانتها لن تحجب أصوات البطون الخاوية إذا ما قررت الزحف، وأفيون الملاعب الذي تصنعه المخابرات عبر الشاشات والمدرجات سينتهي مفعوله حتماً بمجرد إطلاق صافرة نهاية المباريات
سعد الغيطاني يكتب: إن الحصاد المر لعقد وثلاثة أعوام من حكم السيسي يؤكد للقاصي والداني أن مصر لم تعد تواجه مجرد أزمة سياسية أو ضائقة مالية، بل تعيش مرحلة "هدم دولة" حقيقية وجودية. لقد حوّل السيسي مصر العظيمة بتاريخها ومكانتها إلى "أشباه دولة" تسير بغير هدى في نفق مظلم ومغلق، صُنعت بواباته من الأنانية العسكرية والاستبداد المطلق
سعد الغيطاني يكتب: كشف حساب عبد الفتاح السيسي لا يمكن قراءته عبر عدسات الإعلام الموجه الذي ينفق المليارات لتزييف الوعي، بل يُقرأ في عيون ملايين المصريين الذين هبطوا تحت خط الفقر، وفي مياه النيل التي انحسرت، وفي الشريط الحدودي الذي استبيح. هذا المقال يمثل تشريحاً سياسياً واقتصادياً وحقوقياً حاداً لحصاد هذا العهد، وتفكيكاً لآليات القمع والاستسلام السيناريوهات المستقبلية التي تطبخ في غرف المخابرات المظلمة لإعادة تدوير الاستبداد
سعد الغيطاني يكتب: عمر الشال الذي اندمج في المجتمع الهولندي، وحصل على جواز السفر الهولندي بعد اجتيازه كافة الاختبارات القانونية والمدنية، كان يعيش حياة هادئة مع زوجته "يمنى" في شقتهما، ولم يكن يوماً ناشطاً سياسياً محترفاً، بل كان كل تركيزه منصباً على عمله وعائلته وتأسيس مستقبل مستقر. لكن جريمته الوحيدة في نظر نظام السيسي كانت إنسانيته؛ حيث شارك في بضع مظاهرات سلمية في هولندا تضامناً مع القضية الفلسطينية وضد العدوان على غزة
سعد الغيطاني يكتب: تظل قصة صبري نخنوخ، في صعوده وهبوطه، نموذجا كلاسيكيا لكيفية تعامل الأنظمة الديكتاتورية مع أدواتها من الخارجين عن القانون. يستخدمونهم لترهيب الخصوم، وتأمين الشوارع وقت الأزمات، والقيام بالمهام القذرة التي تعجز الأجهزة الرسمية عن تبنيها علنا، ثم يمنحونهم المكافآت والحصانة والشركات المشرعنة كـ"فالكون". لكن القاعدة التاريخية الثابتة تؤكد أن هذه الأنظمة لا أمان لها، وعندما تتضخم أدوات العنف الموازية لدرجة تهديد احتكار الدولة للقوة، أو عندما تقتضي الحاجة تقديم كبش فداء لتبييض وجه النظام، يتم التخلص منها بلا هوادة
سعد الغيطاني يكتب: ما يحدث في مصر ليس مجرد أزمة اقتصادية، بل مشروع سياسي كامل يعيد تشكيل الدولة والمجتمع. السيسي لم يرث مصر قوية ثم عجز عن إنقاذها فقط، بل اتخذ سلسلة من القرارات التي دفعت البلاد نحو فقدان الأمن المائي، وتوسيع التبعية الغذائية، وربط الطاقة بإسرائيل، وبيع الأصول الوطنية، وإقناع المصريين بأن الفقر قدر لا مفر منه. إن أخطر ما يفعله النظام ليس تجويع الناس فقط، بل قتل فكرة المستقبل داخلهم. لقد تحولت مصر من دولة كانت تحلم بالتصنيع والريادة والاستقلال، إلى دولة يُطلب من شعبها أن يقتنع بأن أقصى طموحه هو البقاء على قيد الحياة
سعد الغيطاني يكتب: حين تنظر إلى ما يحدث في جزيرة الوراق، تجد نفسك أمام نسخة مصغّرة من الحصار: الدخول والخروج مراقب، المعديات تخضع لتفتيش أمني، الناس يتحركون تحت عيون المراقبة، الاقتحامات الأمنية متكررة، الغاز والقوة هما لغة الدولة الأساسية.. حتى المشهد النفسي متشابه؛ سكان يشعرون بأنهم محاصرون داخل وطنهم، وأن السلطة تتعامل معهم باعتبارهم "خطرا أمنيا" لا مواطنين لهم حقوق
سعد الغيطاني يكتب: المفارقة الصادمة أن النظام المصري الذي يرفع شعارات "السيادة الوطنية" صباح مساء، هو نفسه الذي جعل القرار الاستراتيجي المصري مرتبطا بالمساعدات والاستثمارات والودائع الخليجية. لقد تحولت مصر، تحت حكم السيسي، من دولة مركزية تقود الإقليم، إلى دولة مدينة اقتصاديا، تبحث عن الرضا الخليجي والدعم الأمريكي بأي ثمن
سعد الغيطاني يكتب: أحد أخطر الانتقادات الموجهة لهذه المشروعات هو غياب دراسات الجدوى الحقيقية أو تجاهلها، فخبراء اقتصاد أشاروا إلى أن مشروع العاصمة الإدارية تم تبنيه بسرعة ودون نقاش مجتمعي أو تقييم اقتصادي واضح. بل إن بعض التقديرات وصفت المشروع بأنه "إهدار لموارد الدولة وتوريطها بقروض بالعملة الصعبة دون حاجة حقيقية"
سعد الغيطاني يكتب: ما يحدث مع أحمد دوما وسيد مشاغب ليس حالات فردية، بل نماذج لسياسة عامة تقوم على الخوف من المجتمع؛ نظام يخشى المثقف كما يخشى المشجع، ويضع الكاتب في نفس خانة "الخطر" مع الجمهور. السؤال الحقيقي ليس لماذا يُمنع دوما أو يُعتقل مشاغب، بل لماذا يخشى النظام منهما إلى هذا الحد؟
سعد الغيطاني يكتب: ما يجري في ملف الكهرباء في مصر يتجاوز كونه أزمة طاقة؛ إنه اختبار حقيقي لمفهوم العدالة، بين مصباح مكسور في بيت فقير، وثريا لا تنطفئ في قصر رئاسي، تتحدد ملامح العلاقة بين الحاكم والمحكوم
سعد الغيطاني يكتب: توسّل السيسي لترامب وطلب الدعم المالي من الولايات المتحدة ليست مجرد لقطات سياسية أو عناوين صحفية؛ بل هي صورة حقيقية لمدى الانزلاق الذي وصل إليه النظام المصري في إدارة أزماته الداخلية والخارجية
سعد الغيطاني يكتب: يعود اسم دونالد ترامب، ليس فقط كشخص، بل كرمز لنهج سياسي قائم على القوة، والصفقات، والرهان على الحسم السريع. لكن الشرق الأوسط ليس ساحة تقبل الحسم السريع، بل مقبرة للمشاريع الكبرى والإمبراطوريات المتعجلة
سعد الغيطاني يكتب: عندما وقعت عمليات الاغتيال التي استهدفت المرشد وعددا من كبار قادة الحرس الثوري، دخلت تلك الخطة حيز التنفيذ؛ بدلا من البحث عن قيادة جديدة فورا، بدأت الوحدات المختلفة في الحرس الثوري تنفيذ التعليمات التي تركها المرشد وقادة المؤسسة قبل وفاتهم. هنا ظهر سلوك غير مألوف في الدول التقليدية: القرارات العسكرية والسياسية تُتخذ بناء على أوامر مسبقة وليس توجيهات آنية
سعد الغيطاني يكتب: مع تكرار الأزمات الاقتصادية وتكرار الخطاب الرسمي نفسه، بدأ البعض يطرح تساؤلا أكثر حساسية: هل أصبحت الأزمات العالمية مجرد شماعة تستخدمها السلطة لتبرير قرارات اقتصادية صعبة؟ ففي كل مرة يرتفع فيها سعر سلعة أساسية أو يتم تعويم الجنيه، يظهر تفسير جاهز: الحرب العالمية، أو الأزمة الدولية، أو التوترات الإقليمية. لكن الحقيقة التي يصعب تجاهلها هي أن الاقتصاد القوي يستطيع امتصاص الصدمات، بينما الاقتصاد الهش ينهار عند أول أزمة
سعد الغيطاني يكتب: أخطر ما كشفه التقرير ليس فقط وجود معتقلين سياسيين، بل إن الاعتقال أصبح جزءا من بنية النظام نفسه، لم يعد الأمر استثناء، بل سياسة. الحبس الاحتياطي، الذي يفترض أن يكون إجراء احترازيا، تحول إلى عقوبة مفتوحة بلا حكم قضائي، والمحاكمات نفسها، وفق التقرير، "تفتقر إلى المعايير الدولية للمحاكمة العادلة"، ما يعني أن القضاء لم يعد ملاذا للعدالة، بل امتدادا لمنظومة القمع. إن دولة تخشى الكلمة إلى هذا الحد، هي دولة تعرف هشاشتها الحقيقية