في
إحدى ليالي الشتاء الماضي، كنت أتابع منصة من منصات التواصل، فرأيت مقطعاً لشاب
سعودي يسخر من
المصريين، ويسمّيهم "طعمية"، ثم رأيت رداً لشاب مصري يسخر
من السعوديين، ويسمّيهم "كبسة". وفي الحالتين، آلاف الإعجابات، وآلاف
التعليقات، وكلاهما يظن أنه انتصر.
ولاحظت
أن المصري الذي يسمع كلمة "كبسة" لا يسمع دعابة فقط، إنه يتخيل أمامه
صورة كاملة: سعودي سمين، متخم، يجلس على الأرض، أمامه مائدة ضخمة مترعة باللحوم
والأرز، لا هم له ولا دور في الحياة إلا الأكل؛ مع أن السعودي في الحقيقة هو ابن
الجزيرة العربية، منبع الإسلام وأصل العروبة.
والسعودي
الذي يسمع كلمة "طعمية" لا يسمع دعابة أيضاً، إنه يتخيل صورة أخرى: مصري
فقير مدقع، لا يجد ما يسد رمقه غير أكلة شعبية رخيصة، خليط من الفول والخضرة، يقف
بعد صلاة الفجر في طوابير أمام عربات قلي الطعمية؛ مع أن المصري في الحقيقة هو
الأفضل تعليماً، والأقدم حضارةً، والأكبر جيشاً، والأكثر ثقلاً في المنطقة.
وأنا
لم أضحك، ليس لأنني لا أحب الدعابة، ولكن لأنني رأيت في هذه المعايرة شيئاً آخر،
رأيت شعبين مشتركين في أكثر من نصف أصولهم القبلية وهم يتعايرون، بينما أعداؤهما
يسرحون ويمرحون في المنطقة.
لكنني
لن أتوقف عند هذه الدعابة لأنها ليست موضوعي، إنها فقط الباب الذي أريد أن أدخل
منه إلى سؤال أكبر: كيف تتشكل الصورة التي يحملها الناس عن بلدهم وعن جيرانهم؟ ومن
يُشكّلها؟ ولماذا؟ وبعبارة أوضح: ما هو الإدراك الجيوسياسي؟
الإدراك
الجيوسياسي هو الصورة الذهنية التي يحملها الناس عن موقع بلدهم في العالم؛ من هو
العدو؟ من هو الصديق؟ ما هي التهديدات؟ ما هي الفرص؟ ما هو الدور الذي يجب أن
يلعبه البلد؟ ومن هي الشعوب القريبة، ومن هي البعيدة؟
وهذه
الصورة ليست فطرية، فلا يُولد الإنسان بها، إنه يكتسبها من بيئته، من مدرسته، من
تلفازه، من أحاديث أهله، من تغريدات من يتابعهم. وفي كل هذه المصادر، هناك من
يُشكّل هذه الصورة، إما عن قصد، وإما من غير قصد.
وتشكيل
الإدراك الجيوسياسي هو أن تُصنع هذه الصورة من الخارج، ثم تُقدَّم للناس على أنها
حقيقة، لا رؤية، فيعتقد الناس أنهم يرون الواقع، وهم في الحقيقة يرون غشاوة كتلك
التي توضع على عيون ثيران الحرث، فيظن الثور أنه يسير إلى الأمام، وهو في الحقيقة
يدور مع الساقية.
وقد
يظن ظانّ أن تشكيل الإدراك يحدث من فوق فقط، أي من الحكومات ومراكز الأبحاث
والمؤسسات الرسمية، وهذا صحيح في جانب منه، فالخطاب الرسمي يُشكّل جزءاً من
الإدراك، والإعلام الرسمي يُشكّل جزءاً آخر. وهناك مراكز أبحاث كبرى، بعضها ممول
من أجهزة المخابرات ووزارات الدفاع الغربية والشرقية، تنتج نظريات كاملة عن مناطق
العالم وكيفية التعامل معها.
لكن
هناك تشكيلاً آخر يحدث من تحت، لا من فوق، يحدث في الأحاديث اليومية، وفي
المسلسلات، وفي الأغاني، وفي الدعابات العابرة. وهذا التشكيل الثاني قد يكون أشد
تأثيراً من الأول، لأنه لا يبدو تشكيلاً، يبدو ممارسة عفوية، واختياراً حراً. وهنا
مكمن الخطر، لأن ما يبدو اختياراً حراً، قد يكون في الحقيقة انعكاساً لصورة رُسمت
في مكان آخر، ثم وصلت إلينا، فتبنّيناها، وظنناها رأياً خاصاً بنا. ولا يبقى الأمر
في إطار المزاح؛ فقد تحوّل ذات مرة إلى نظرية أمنية مكتوبة.
ويحضرني
ما قاله تامير هايمان، الرئيس السابق لمديرية الاستخبارات العسكرية في جيش
الاحتلال ومدير معهد دراسات الأمن القومي، عن نظرية الأمن الصهيونية بعد السابع من
أكتوبر، تتضمن افتراضاً مفاده أن الدول العربية في معظمها ليست دولاً قومية
حقيقية، إنما تجمعات من القبائل والطوائف التي تفتقر إلى تاريخ مشترك ورؤية وطنية
تأسيسية. ومن هنا، يُنظر إلى زعزعة استقرارها باعتبارها عملية طبيعية.
وهذا
كلام خطير، لا لأنه جديد علينا، بل لأنه يبوح بما كنا نظنه مضمراً فيُعلَن على
الملأ. فمن نظر إلى أمة بأسرها فرأى فيها عشائر متناثرة لا رابط بينها، فقد سلبها
حقها في أن تجتمع من أصله؛ ومن سلبها هذا الحق، لم يعد يرى في تمزيقها جريمة
تُستنكر، بل مجرى طبيعياً للأشياء لا يستحق حتى أن يُستغرب له. وينقلب السلام في
هذا الميزان من غاية تُطلب لذاتها، وتصنع الأمن بذاتها، إلى حيلة تُستخدم لبلوغ
أغراض أخرى لا صلة لها بالسلام. وحين يتعذر الهجوم المكشوف، يصير بناء مواقع
متقدمة للدفاع أمراً ذا شأن، لا لأنها تحمي حدوداً فحسب، بل لأنها، في الوقت نفسه،
تُعين على زعزعة الدولة التي أُقيمت على أرضها.
والنظرية
والدعابة، وإن بدتا بعيدتين، تلتقيان عند نقطة واحدة، فالنظرية الصهيونية تقول:
هذه دول قبلية هشة، والدعابة الموجهة تقول: هذا طعمية وهذا كبسة. الأولى تُعدّ
العدة للتفكيك الممنهج، والثانية تُهيّئ
الوعي لقبوله بدون مقاومة.
وهذا
التشكيل لا يحدث من فراغ، بل له آليات، بعضها يعمل من فوق، وبعضها يعمل من تحت. فمن
فوق، هناك الإعلام الرسمي، الذي يُقدّم صورة محددة عن الجار، بحسب المصلحة
السياسية في اللحظة. وهناك الدراما والمسلسلات، التي ترسم الشخصية المصرية في
المسلسل السعودي، والشخصية
السعودية في المسلسل المصري. وهناك المناهج الدراسية،
التي تُعلّم الطالب تاريخ بلده، ولا تُعلّمه تاريخ جيرانه. وهناك المصطلحات، التي
تُصوّر الجار بعين واحدة، وهناك الخرائط التي تُرسم بحدود معينة، وتُخفي ما تحتها
من روابط.
ومن
تحت، هناك وسائل التواصل الاجتماعي، التي تُضخّم كل خلاف، وتُحوّل كل دعابة إلى
معركة. وهناك التعليقات والردود، التي تُشعل النار ولا تُطفئها. وهناك الصور
الساخرة، التي تُكرّر الصورة نفسها في كل مرة، حتى تصبح الصورة هي الحقيقة.
وهذه
الآليات تعمل معاً؛ الإعلام الرسمي يزرع الفكرة، والدراما تُكرّرها، ووسائل
التواصل تُضخّمها، والصور تُثبّتها. وحين تكتمل الدائرة، يصبح الجار صورة، والصورة
حقيقة.
وليس
هذا جديداً، فقد صُنع الإدراك في مصر عن إيران منذ سبعينيات القرن الماضي، حين
تحوّلت إيران من حليف إلى عدوّ في لحظة واحدة، لا لشيء إلا لأن النظام تغيّر،
والتوجّه تبدّل. وحين غيّرت مصر موقفها الرسمي من إيران بعد ذلك، لم يتغيّر إدراك
بعض الناس بالسرعة نفسها، لأن الصورة كانت قد ترسّخت، وصار تغييرها يحتاج جيلاً.
وصُنع
الإدراك في مصر عن تركيا بعد أحداث 2013، حين تحوّلت تركيا من دولة صديقة إلى دولة
تهديد، في الخطاب الإعلامي الرسمي على الأقل. وحين غيّر النظام المصري موقفه بعد
2020، كان الإدراك الشعبي عند بعض الفئات قد ترسّخ، ولم يتغيّر بعد.
وفي
كل هذه الحالات، الإدراك لم يُصنع من فراغ؛ صُنع من الأعلى أولاً، ثم انتقل إلى
الأسفل، ثم ترسّخ، وحين أراد النظام تغييره، لم يستطع تغييره بالسرعة التي أراد.
وهنا
قد يسأل سائل: ولماذا اخترتَ المصري والسعودي بالذات؟ ولماذا لم تتحدث عن صورة
الأردني في عين التونسي، أو المغربي في عين الجزائري؟
والجواب
أنني اخترتهما لأنهما ليسا دولتين كغيرهما، فالسعودية تجمع في يد واحدة ثقل
الجغرافيا، إذ تمسك بقلب الجزيرة العربية، قلب العالم العربي والإسلامي، وثقل
الدين، فهي أرض الحرمين الشريفين ومنبع الرسالة المحمدية، وثقل الاقتصاد، فهي أكبر
اقتصاد عربي وأكبر مصدّر للنفط في العالم.
ومصر
تقابلها بثقل من نوع آخر؛ فهي أكبر دولة عربية سكاناً، وجيشها الأقوى في المنطقة
العربية، وحضارتها تمتد لآلاف السنين، وبها الأزهر الشريف، أكبر مرجعية علمية
إسلامية في العالم.
فإذا
اجتمعت السعودية ومصر، اجتمع معهما قلب الأمة، وإذا انفصلتا، انفصل القلب. ومن
يريد للأمة أن تبقى مفككة، لا يحتاج أن يُفرّق بين تونس والجزائر، يكفيه أن يُفرّق
بين مصر والسعودية.
ولا
يبقى الأمر في إطار المزاح؛ فقد تحوّل ذات مرة إلى تصريح لم ينسه أحد. ويحضرني
أيضاً ما جرى في عام 2015، حين نُشر تسريب صوتي منسوب لرأس النظام المصري عبد
الفتاح السيسي، يعود إلى فترة كان فيها وزيراً للدفاع. وفي التسريب، يأمر مدير
مكتبه أن يطلب من السعوديين أموالاً طائلة قائلاً: "الفلوس عندهم زي الرز".
وقد
نفت الحكومة المصرية صحة التسجيل، لكن الأثر كان قد وقع. فقد اشتعلت وسائل التواصل
بهاشتاغ (السيسي يحتقر الخليج)، وتحوّلت السخرية من الطعام إلى سلاح للسخرية
المضادة. ونشر السعوديون صوراً لأكياس الأرز، وعلقوا: "مافيش رز ولا بصل".
وهكذا
تدور الحلقة: كلمة من رأس النظام المصري، فردّ من السعوديين، ويضحك الجميع. لكن
أحداً لا يسأل: من الذي حوّل العلاقة بين أكبر دولتين عربيتين إلى معايرة على
الطعام والمال؟
وما
يُقال في العلن ليس كل القصة، فثمة ما يُدار في الخفاء أيضاً. وأنا لا أستبعد أن
تكون هناك أيادٍ أخرى، غير تلك التي تتبادل الضحك على وسائل التواصل، تعمل على
إشعال هذه الفتنة الصغيرة لتكبر.
فقد كُشف
النقاب في الآونة الأخيرة عن دور وحدة (8200)، وهي وحدة الاستخبارات الصهيونية
المتخصصة في الحرب السيبرانية والخداع، في إدارة حملات ممنهجة لضرب العلاقات
العربية. وقد أوضح خبراء أن هذه الوحدة تمتلك فرقاً تتقن اللهجات العربية بدقة
لافتة، يظهر عناصرها على منصات التواصل بهويات مزيفة توحي بأن المتحدث مصري أو
سعودي، بهدف خلق صدامات وهمية بين الجنسيات، ودفع المتلقي للاعتقاد بأن الهجوم
صادر من دولة عربية أخرى.
وقد
رصد تقنيون أنه إثر تحديث محدود على إحدى المنصات، انكشفت آلاف الحسابات التي تعمل
على إثارة الفتن وزرع الخلافات بين الشعوب العربية، وتبين أن الغالبية العظمى منها
لا تُدار من الدول التي تدّعي الانتماء إليها، بل من دول أجنبية أبرزها بريطانيا
ودولة الاحتلال. وكان أخطر ما ظهر هو ارتباط عدد كبير من الحسابات التي تهاجم مصر
والسعودية والإمارات والمغرب والجزائر بوحدة 8200 الصهيونية.
وتتضح
الصورة أكثر كلما تراكمت هذه الخيوط، فهناك من يزرع الفتنة من فوق، عبر الإعلام
الرسمي والدراما، وهناك من يشعلها من تحت، عبر الدعابات والصور الساخرة، وهناك من
يُديرها من الخارج، عبر حسابات مزيفة تتقن لغتك وتتنكر في زي قوميتك. والهدف واحد:
أن يبقى المصري والسعودي مشغولين بالضحك على بعضهما، غافلين عن أن من يُضحكهما قد
يكون جالساً في مكان بعيد، يراقب سقوط الأمة على شاشة، ويضحك.
ولا
تنتهي القصة عند الحسابات المزيفة والدعابات العابرة، بل تمتد إلى ما هو أخطر
وأعمق: إلى الشاشة التي تجلس أمامها كل مساء، والتي تظن أنها تسليك، وهي في
الحقيقة تشكّلك. وأنا أتحدث عن السينما والدراما، ذلك الفن الذي يملك قدرة لا
يملكها غيره على الدخول إلى القلب قبل العقل. فأنت قد ترفض مقالاً، وتختلف مع
كتاب، وتغلق صفحة، لكنك لا تستطيع أن ترفض مشهداً دخل إلى وعيك وأنت مسترخٍ، ولا
أن تنسى شخصية أحببتها أو كرهتها، ولا أن تمحو من ذاكرتك صورة رسمت لك عن بلد لم
تزره، أو عن شعب لم تلتقِ به.
وهنا
يظهر دور المؤسسات الفرانكفونية، التي تعمل في صمت، لا بالضجيج، ولا بالخطابة، بل
بالتمويل والمنح وورش الكتابة والمهرجانات. وهي لا تشترط عليك أن تقول شيئاً
محدداً، لكنها تشترط، بلغة راقية، أن يكون ما تقوله مقبولاً.
وأنا
لا أتحدث من فراغ، فقد كشفت دراسات أن المنظمة الدولية للفرانكفونية (OIF)
تُعد المصدر الأول لتمويل السينما والسمعي البصري في 38 دولة من دول الجنوب.
وتُدير صندوقاً يُسمى "صندوق صورة الفرانكفونية"، يموّل عشرات المشاريع
سنوياً، من بينها مشاريع مصرية وسعودية. وفي عام 2022، مول الصندوق 22 مشروعاً من
14 دولة، بميزانية تجاوزت 600 ألف يورو. وفي مهرجان كان السينمائي، تقام سنوياً
ورشة تُسمى "مصنع السينما"، تمولها المنظمة، وكان من بين المشاريع
المختارة فيها مشاريع من مصر ولبنان وتونس والسنغال.
وتأمل
معي هذا الرقم الصغير الذي يقول الكثير: تشير إحدى الدراسات إلى أنه كان لا بد من
الحصول على "تزكية مسبقة" من المخرج يوسف شاهين، لكي تُمول أي أفلام
لمخرجين آخرين من المؤسسات الفرانكفونية، أي أن هناك "عرّاباً" للسينما
الفرنكوفونية في مصر، لا يُعبر مشروع إلى الشاشة إلا بموافقته. وهذا ليس اتهاماً،
وإنما هو وصف لآلية عمل، لا تختلف كثيراً عن آليات التشكيل الأخرى.
وفي
السعودية، التحرك موازٍ. ففي عام 2025، أعلن رئيس المركز الوطني للسينما الفرنسي (CNC)
عن خطة بـ450 مليون يورو لتدريب المواهب السعودية على السينما والدراما والرسوم
المتحركة. ووقعت شركة "Telfaz11" السعودية اتفاقية مع شركة "Easy
Riders Films" الفرنسية لإنتاج أربعة أفلام سعودية بتمويل فرنسي. وقال
رئيس المركز الفرنسي، بصراحة لافتة: "فرنسا يمكن أن تكون شريكاً حقيقياً في
رحلة السعودية لتصبح أمة سينما كبرى".
لكن
ماذا يعني هذا التحالف الدرامي بين مصر والسعودية من جهة، وفرنسا من جهة أخرى؟ إنه
يُنتج محتوى مشتركاً، لكنه ليس "محتوى عربياً" بالمعنى الجامع للكلمة،
وإنما محتوى يُجيد الكلام عن "الخصوصية" المصرية، و"الانفتاح"
السعودي، و"الحداثة" التي تتوافق مع رؤية الغرب. وكأن الخطاب الدرامي
نفسه، من خلال قصصه وشخصياته، يُشكّل إدراك المشاهد جيوسياسياً. فهو يُعلّمه، عبر
القصص التي يتابعها، أن ينظر إلى جاره العربي على أنه "مختلف"، لا "شقيق".
فالمشاهد
الذي يتابع، ليلاً بعد ليل، مسلسلاً يُظهر السعودي في صورة محددة، والمشاهد الآخر
الذي يتابع مسلسلاً يُظهر المصري في صورة محددة، كلاهما يتلقى جرعة يومية من
التشكيل، لا يشعر بها، لأنها مغلفة بالدراما، ومزينة بالإبداع، ومقدمة على أنها
فن.
وهكذا
تكتمل الحلقة. هناك من يزرع الفتنة في العلن، عبر الإعلام والدراما، وهناك من
يُشعلها في الخفاء، عبر الحسابات المزيفة، وهناك من يموّلها من بعيد، عبر صناديق
ثقافية تتحدث بلغة الفن والتنوع. والهدف واحد: أن يبقى المصري والسعودي مشغولين
بالضحك على بعضهما، أو بالبكاء على شاشة تقدم لهما صورة عن نفسيهما وعن جيرانهما،
لا صورة عن أمتهما.
وهذا
ليس جديداً في تاريخ هذه المنطقة، فقبل قرنين حدث شيء يشبه ما يحدث الآن، وإن
اختلفت الأدوات. في بداية القرن التاسع عشر، كانت الدولة العثمانية قد فقدت
سيطرتها الفعلية على الحجاز، بعد صعود الدولة السعودية الأولى، واعتبرت ذلك تحدياً
وجودياً لشرعيتها كخليفة للمسلمين وحامية للحرمين. وعجز ولاة العراق ودمشق عن
إيقاف الزحف السعودي، فلم يجد السلطان محمود الثاني بداً من الاستنجاد بوالي مصر،
محمد علي باشا.
وهنا
تظهر المفارقة الأولى. فمحمد علي، الذي كان نفسه طموحاً لتقويض النفوذ العثماني،
أصبح أداة في يد السلطان؛ لم يكن حباً في العثمانيين، بل لتحقيق مكاسب شخصية. فقد
استغل هذا التكليف ليقايض السلطان على مكاسب سياسية، وليتخلص من العناصر المشاغبة
في جيشه بإرسالها إلى حرب بعيدة. فقد أراد محمد علي التخلص من المماليك والجنود
الأرناؤوط المشاغبين، فأرسلهم في حملات الجزيرة العربية ليموتوا في الصحراء.
وبذلك، تحوّلت الحرب ضد "الوهابيين" إلى وسيلة لبناء جيش نظامي مصري
حديث، بقيادة أبنائه طوسون وإبراهيم. ولم تكن الحملة مجرد مواجهة بين جيشين، كانت
أداة لتصفية حسابات داخلية في مصر، وبناء قوة عسكرية جديدة، وتثبيت حكم محمد علي.
لكن
الأهم في هذه الحملة هو الدور الفرنسي، فلم يكن دور فرنسا دبلوماسياً فقط، بل كان
عسكرياً وتقنياً مباشراً. فقد اعتمد إبراهيم باشا على خبراء عسكريين فرنسيين،
أبرزهم جان باتيست فيسيير، الذي تولى التخطيط لحصار الدرعية وتدميرها. وانتشرت
المقولة في الجزيرة العربية آنذاك: "إن إبراهيم باشا يدين بانتصاره لضابط
فرنسي كان يخدم في جيشه".
وتُوّجت
الحملة بتدمير الدرعية عام 1818، وإعدام أميرها عبد الله بن سعود في إسطنبول. لكن
المفارقة الكبرى أن هذا "النصر" لم يكن لصالح العثمانيين، بل لصالح محمد
علي نفسه. فقد عاد من الحجاز ليؤسس دولة قوية في مصر، وأصبح يهدد السلطان العثماني
نفسه، الذي اضطر لاحقاً إلى محاربته في الشام.
وهكذا،
انتهت المرحلة الأولى بتدمير مشروع عربي مستقل، وترسيخ نموذج الحاكم العسكري الذي
يعتمد على قوة أجنبية. وتلاقت الرغبة العثمانية في القضاء على الدولة السعودية، مع
الرغبة الفرنسية في دعم محمد علي، لإنتاج نتيجة واحدة: أن تبقى هذه المنطقة مفككة،
لا تقوم لها قائمة.
وبعد
قرن، تكرر النمط ذاته، لكن هذه المرة من مصر أيضاً، ولأهداف مختلفة. ففي أثناء
الحرب العالمية الأولى، احتاجت بريطانيا إلى من يُشعل ثورة في الجزيرة العربية،
ليُشتّت العثمانيين على جبهتين، فوجدت ضالتها في الشريف حسين، أمير مكة، الذي كان
يطمح إلى خلافة عربية ودولة كبرى. ووعدته بريطانيا بذلك، وأوهمته بأنه سيكون "ملك
العرب". وأرسلت إليه ضابطاً يُدعى توماس إدوارد لورنس، عُرف لاحقاً بـ"لورنس
العرب".
ولم
يكن لورنس مجرد ضابط اتصال، كان مهندس إدراك بالمعنى الدقيق. فقد أنشأ في القاهرة "نشرة
الاستخبارات" اليومية، وأصدر "نشرة العرب" الأسبوعية السرية.
واستخدم معرفته العميقة بالعشائر والقبائل ليدخل في نسيجها، وليُصبح جزءاً من
قصتها. وقد اعترف بنفسه أنه لبس "قناع الخداع".
وانطلقت
الثورة العربية الكبرى في حزيران/يونيو 1916، بمباركة بريطانية، وقاتلت القوات
العربية مع الحلفاء، وهي تظن أنها تقاتل من أجل استقلالها. لكن بريطانيا كانت قد
أبرمت، في أيار/مايو من العام نفسه، اتفاقية سايكس-بيكو مع فرنسا، لتقسيم المنطقة،
ثم أصدرت وعد بلفور في نوفمبر 1917، لتعد اليهود بوطن قومي في فلسطين، فاستُخدم
الشريف حسين وقواته كورقة ضغط، ثم تُرك لمصيره.
وبعد
أن أدى الشريف حسين دوره، أصبح عقبة، فدعمت بريطانيا صعود رجلها المنافس، أي عبد
العزيز آل سعود، وساعدته في السيطرة على المنطقة، مما أدى في النهاية إلى إزالة
مملكة الحجاز وإقصاء الهاشميين.
وهكذا
انتهت المرحلة الثانية بتفكيك الخلافة، وإحلال كيانات طائفية وملكية هزيلة مكانها،
وإقصاء من تحالفوا معها في البداية.
فالفرنسيون
ساعدوا محمد علي في تدمير الدرعية وإضعاف الدولة السعودية الأولى، والإنجليز
انطلقوا من مصر أيضاً لإعادتهم مرة أخرى، وبعد توريط الشريف حسين في ما أسموه
الحرب العربية الكبرى، أقصوه وأبناءه من الجزيرة العربية.
ورغم
هذا التاريخ البعيد والقريب فإن المشهد الراهن يقول إن القصة لم تنته بعد. ففي آب/أغسطس
2026، وقّعت السعودية وتركيا وباكستان اتفاقية دفاع مشترك في مكة، عُرفت بـ"تحالف
مكة"، تنص على أن أي هجوم على أحد أعضائها يُعد هجوماً على الجميع. وفيما بدا
وكأنه انفتاح على القاهرة، أعلن وزير الخارجية التركي أن مصر "شريكة طبيعية"
وستنضم في المرحلة المقبلة.
لكن
ما جرى بعد ذلك كشف شيئاً آخر، فبعض المصادر المحسوبة على نظام السيسي أعلنت أن
مصر رفضت الانضمام، خوفاً من الخطوات غير المحسوبة للنظام السعودي حالياً. وفي
الوقت نفسه، كشفت مصادر محسوبة على محمد بن سلمان أن السعودية هي التي عارضت ضم
مصر، لشعور الرياض بأن القاهرة "تسعى لابتزازها مالياً".
فبعد
قرنين من تدمير الدرعية، وما يقارب قرن من تأسيس الدولة السعودية الحديثة، وبعد
سنوات من كبسة وطعمية، ما زال الركنان لا يتفقان على مظلة دفاعية واحدة. الرفض ليس
من طرف واحد، بل متبادل، ولكل طرف منطقه، ولكل طرف صورته عن الآخر.
والسؤال
ليس مَن الخطأ ومن الصواب؟ السؤال هو: كيف تشكّلت هذه الصورة التي جعلت كل طرف
ينظر إلى الآخر بهذه العين؟ ومن رسمها؟ ولماذا؟ ولماذا ما زالت تعمل بعد كل هذه
السنوات؟
وهنا
أتوقف عند مفارقة لعلها الأبلغ في هذا الباب كله. فحين يتبادل الشباب في الرياض
والقاهرة الضحك، يتصورون أنهم يقفون على طرفي نقيض: طرفه مترف بدوي، وطرفه فقير
مصري، لكن التاريخ يقول شيئاً آخر. فأغلب أهل الصعيد من نسل قبائل عربية استوطنت
أرض مصر قبل قرون. فقبائل جهينة وبلي، من قضاعة القحطانية، نزلوا الصعيد مع جيوش
الفتح، وأبناء عمومتهم لا يزالون إلى اليوم في الحجاز، ونجد، والشام. وكذلك قبائل
الأشراف، من آل الحسين بن علي، الذين سكنوا حول جرجا وقنا، ومنهم القبائل القيسية
العدنانية، التي وفدت أفواجاً في العصر الأموي، ونزلت بالحوف الشرقي، فصارت لها
إمارة وفرسان.
وقد
حاربت هذه القبائل، في صعيد مصر، ضد الفرنسيين. فحين دخل نابليون مصر عام 1798، لم
يجد في الصعيد فلاحين فقط، بل وجد قبائل عربية حملت السلاح. وفي قنا والأقصر،
وأرمنت، دارت معارك بين هذه القبائل وبين جيوش الفرنسيين. وقد ذكر الجبرتي أن من
أسباب عودة نابليون من حصار عكا، أخبار توجه أهل الحجاز إلى الصعيد لدعم أبناء
عمومتهم.
فالمصري
الذي يسخر من "البدوي" هذا، إنما يسخر من ابن عمه، والسعودي الذي يسخر
من "الطعمية" تلك، إنما يسخر من ابن عمه أيضاً. لقد حملوا جميعاً، أبناء
الخليج ومصر، ماءً واحداً من بئر واحدة، وأضافوا إليه من طيبة النيل، ومن قسوة
الصحراء، ما أغناه، لكنهم في نهاية الأمر من ذلك الجد الأول.
وأنا
لا أقول إن هذا التشكيل ينجح دائماً، فالجمهور ليس أعمى، ويميّز بين الصورة
والحقيقة. وقد رأينا في السنوات الأخيرة أن الشعوب العربية تتحرك معاً في كثير من
القضايا، لا في السياسة الرسمية فقط، بل في الشارع أيضاً. وهذا دليل على أن الصورة
لا تُلغي الحقيقة، وإن كانت تُضعف الوعي بها.
وقد
يكون في هذا كله فرصة، فالذي يذكر جاره، ولو للسخرية، يعرف أنه موجود، والشعور
بالوجود هو أول خطوة في طريق التعارف. وقد قال الله تعالى: "وَجَعَلْنَاكُمْ
شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا". وقد جعلنا شعوباً وقبائل لنتعارف، لا
لنتنافر. والاختلاف الذي خلقه الله بين الناس ليس باباً للفرقة، بل باباً للمعرفة،
ومن عرف أخاه، لا يسخر منه، لأنه يرى فيه نفسه.
وأنا
لا أطلب من أحد أن يتوقف عن الدعابة، فالدعابة سمة من سمات هذه الأمة، ونحن لا
نريد أن نُحرّم الضحك، لكنني أطلب أن نتحقق من الصورة التي نحملها عن جيراننا؛ هل
هي صورة كاملة؟ أم صورة مختصرة؟ هل هي صورة صديق؟ أم صورة عدو؟ وأياً كانت صورة،
فماذا نحن فاعلون؟ هل نصدّق الصورة، أم نصحّحها؟ هل نترك للآخر أن يُشكّل إدراكنا،
أم نُشكّله بأنفسنا؟
إنها
نفس المعادلة التي تتكرر منذ قرن؛ سايكس-بيكو فصلت الجغرافيا، والتسييل فصل
المرجعيات، والتفتيت فصل الولاءات. واليوم، تأتي هندسة الإدراك لتُتمم الصنيع: أن
تنسينا، حين نضحك، أننا من رحم واحد.
فلا
شيء يُصغّر الإنسان مثل أن يُختصر في صورة مهينة، ولا شيء يُكبّره مثل أن يُرى كما
هو: إنساناً له تاريخ، وله أرض، وله شعب، وله قضية، وله أيضاً طريقة في الكلام قد
تختلف عن طريقتنا، وطريقة في الطعام قد لا تُعجبنا، وطريقة في الفرح والحزن قد لا
نفهمها من أول وهلة، لكنها في النهاية طريقة صديق وجار، لا عدو.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.