لا
يخفى على أحد المستوى المتدني والانحطاط والتدهور الكبير الذي وصلت إليه المنظومة
التعليمية في
مصر، فلا يكاد يمضي يوم حتى تطالعنا المنصات الرقمية بالأخبار التي
توثق الحالة المزرية التي وصل إليها التعليم في مصر من رداءة الخدمات وكثافة
الفصول وغيرها.
وبياناً
لتلك الحالة الكئيبة أصبحت الشهادات التي تمنحها
الجامعات المصرية محل تساؤل في
العديد من الدول العربية، بل قامت العديد من الدول العربية الخليجية بمنع الابتعاث
إلى الجامعات المصرية بسبب فضائح الشهادات المزورة والمحسوبيات والرشوة التي أصبحت
طريقا سهلاً للحصول على الدرجة العلمية، وقد عاينت بنفسي كثيرا من تلك الوقائع عندما كنت أدرس الماجستير في مصر.
هذه التطورات والأحداث الأخيرة تعود بالذاكرة وتجعلنا نذكر
بحسرة الأيام الخوالي التي كان فيها المعلمون والعلماء المصريون هم حملة مشاعل
النهضة التعليمية في دول الخليج، نذكر منها دولة قطر التي باتت هذه الأيام في صدارة
جودة التعليم، فعندما أرادت الدولة الخليجية الصغيرة إنشاء مؤسسات للتعليم العالي
استقدمت لهذا الغرض أحد التربويين المصريين وكان عميداً أستاذاً في جامعة الأزهر ويدعي
الدكتور محمد إبراهيم كاظم، وهو أول رئيس لجامعة قطر، فعهدت إليه الجامعة بتأسيس كلية
التربية، فجلب لها أفضل الأساتذة وأصحاب الكفاءات من مصر، وتكفل بوضع خطة تربوية
الأسباب التي أدت إلى ذلك التراجع المخيف والإنحدار الرهيب في مخرجات التعليم المصري وخصوصاً في العقدين الأخيرين تعود بالضرورة إلى السياسات التي اتبعتها الحكومات، أضف إلى ذلك ضعف ميزانيات التعليم والعجز المفرط في تعيين المعلمين
شاملة تفضي إلى تلبية حاجة المجتمع المحلي من المعلمين وأصحاب الكفاءات. وبعدها
تولى الدكتور يوسف القرضاوي تأسيس كلية الشريعة وعمادتها، متبعاً الخطة ذاتها حتى
أصبحت مؤسسة يشار إليها بالبنان. والأمثلة في هذا الجانب كثيرة، ولكن يكفي هذا
المثال الذي تعمدت اختياره بحكم اطلاعي وإقامتي في دولة قطر.
ومع ذلك لا يكفي البكاء على الأطلال وذكر أمجاد الماضي
والمنّ بها على خلق الله، والتغطية بهذا كله على الواقع المر الذي لا يسر أحداً.
وبرأيي فإن الأسباب التي أدت إلى ذلك
التراجع المخيف
والإنحدار الرهيب في مخرجات التعليم المصري وخصوصاً في العقدين الأخيرين تعود
بالضرورة إلى السياسات التي اتبعتها الحكومات، أضف إلى ذلك ضعف ميزانيات التعليم والعجز
المفرط في تعيين المعلمين مع أن خريجي كليات التربية يعدون بالآلاف كل عام، حتى
بلغ تراجع تعيين المدرسين مداه حد استعانة الوزارة بحديثي التخرج والمعلمين
المتقاعدين للعمل بنظام الحصة مقابل مردود مالي ضعيف.
على أن ذلك التراجع لم يحدث هكذا فجأة وبدون سابق
مقدمات، بل هو نتاج سنوات من السياسات التعليمية الفاشلة، فرغم نص الدستور المصري
في عهد عبد الناصر على مجانية التعليم والتزام الدولة بضمان توفيره لكافة شرائح
المجتمع، إلا أن التعليم شهد تراجعا وتقلصت ميزانية التعليم بعد هزيمة الخامس من يونيو/
حزيران عام ١٩٦٧م بفعل توجيه الدولة أغلب جهودها نحو المجهود الحربي والتصنيع
العسكري، لكن مع ذلك -والحق يقال- قد أنتج طبقة متعلمة من الأوساط الفقيرة
والمتوسطة التي همشتها سلطات الاحتلال البريطاني والحكومات التي تشكلت في عهد
الملكية، حيث كان التعليم في ذلك العصر يقتصر على نخبة أرستقراطية إقطاعية قريبة
من الاحتلال، وعليها يعتمد في إدارته شؤون البلاد.
لكن البلاد شهدت تراجعا عن كفالة هذا الحق في عهد الرئيس
السادات والاتجاه بالبلاد نحو الانفتاح الاقتصادي، فعمد نخبة من ذوي المال والسلطه
إلى التعليم الأجنبي والاستعانة بمخرجاته أملاً في أن يصبح أبناؤهم قادة الغد، ومع
ذلك بقيت الدولة تؤدي الحد الأدنى من متطلبات مجانية التعليم لمختلف الطبقات.
صرح رأس النظام بأن المتعلمين يصعب السيطرة عليهم، وهذا يفسر لماذا تسارعت معدلات الانحدار في مستوى الخدمات التعليمية التي يجب على الدولة تقديمها
لكن العهد المباركي شهد انحداراً وتراجعاّ مخيفاً بدخول
الجامعات الخاصة ميدان التعليم، وغدا النظر إلى التعليم باعتباره سلعة تباع وتشتري
يتم بذلها للقادر عليها، وتراجع الإنفاق والاهتمام بالتعليم الحكومي إلى مستويات
خطيرة، وكان البداية لما نشهده اليوم.
والملاحظ المشترك هو التراجع عن فكرة مجانية التعليم باختلاف
النسبة وحد التراجع والتدهور، ولم يكن ذلك فشلاً في التخطيط، بل كان ذلك سياسة
متبعة وصريحة تهدف إلى القضاء عليه بمرور الأيام، على اعتبار أن اتساع الشريحة
المتعلمة من الطبقات الفقيرة والمتوسطة يهدد نظام الحكم الفردي، ويعمل على إحداث الوعي
اللازم بالحقوق والواجبات؛ مما يحد من امتيازات الطبقة التي تمسك بزمام السلطة في
البلاد ويوجه الأنظار نحوها. فالسلطة المستبدة لا تخشى شيئا أكثر من وعي الأمم، ولقد
صرح رأس النظام بأن المتعلمين يصعب السيطرة عليهم، وهذا يفسر لماذا تسارعت معدلات
الانحدار في مستوى الخدمات التعليمية التي يجب على الدولة تقديمها.
ومع ذلك فرغم تراجع تصنيفات المستوى التعليمي في مصر، لكن
المجتمع ما يزال قادراً على تقديم نماذج مبهرة ومستويات من التعليم تظهر في الدور
الذي يقوم به العلماء المصريون والمستويات المتقدمة لكثير من الطلاب، وهذا وحده
الضوء الذي يكشف عن معدن أصيل لشعب لم تزده المحن إلا بريقا ولمعانا، ويوما ما
يثبت ذلك الشعب العريق عن إبداعاته ومواهب أبنائه المحجوبة عندما تتوافر له ظروف
اقتصادية واجتماعية؛ كتلك التي توفرت لشعوب أخري يشار إليها بالبنان في مجال جودة
التعليم.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.