في مدينة أثقلتها الحروب والأزمات
الاقتصادية والانقسامات السياسية، تعود الكتب لتحتل مساحة من المشهد العام في
بيروت، مع انطلاق الدورة السابعة والستين لمعرض بيروت العربي الدولي للكتاب، في
محاولة لإعادة وصل العاصمة
اللبنانية بدورها الثقافي العربي، وتجديد علاقتها
بالقراءة والنشر والحوار الفكري.
ويقام
المعرض، الذي ينظمه النادي الثقافي
العربي بالتعاون مع نقابة اتحاد الناشرين في لبنان، بين 9 و18 أكتوبر/تشرين الأول
الجاري، في مركز "سي سايد آرينا" على الواجهة البحرية للعاصمة، بمشاركة
163 دار نشر محلية وعربية، وفق الأرقام المعلنة، وبرنامج ثقافي يضم نحو 90 فعالية،
تشمل الندوات والمحاضرات والأمسيات الشعرية والموسيقية ولقاءات الكتّاب وأنشطة
الأطفال.
ولا تنحصر أهمية الدورة الجديدة في حجم
المشاركة أو تنوع الإصدارات، بل في توقيتها أيضاً؛ إذ تأتي في ظل تداعيات الحرب
الإسرائيلية على لبنان، وما خلّفته من دمار في مناطق واسعة، ولا سيما في الجنوب،
إلى جانب استمرار الأزمة الاقتصادية التي دخلت البلاد في دوامة منها منذ عام 2019.
وفي هذا السياق، يبدو المعرض أكثر من موعد
سنوي للناشرين والقرّاء؛ إنه محاولة لإبقاء بيروت حاضرة في المجال الثقافي العربي،
ورسالة بأن الحياة الثقافية لا ينبغي أن تتوقف كلما ضاقت المساحات الاقتصادية
والسياسية والأمنية.
لكن السؤال الذي تطرحه الدورة السابعة
والستون يتجاوز القدرة على تنظيم معرض ناجح: هل تستطيع بيروت تحويل هذا الحضور
المؤقت إلى عودة مستدامة لدورها في صناعة
الكتاب العربي، أم أن وهجها الثقافي سيظل
مرتبطاً بمناسبات دورية لا تعكس بالضرورة تعافي القطاع الذي تقوم عليه؟
من قاعة جامعية إلى ذاكرة ثقافية عربية
يحمل معرض بيروت العربي الدولي للكتاب
تاريخاً يتجاوز سبعة عقود؛ فقد انطلقت دورته الأولى في 23 أبريل/نيسان 1956،
بمبادرة من النادي الثقافي العربي، في قاعة "وست هول" بالجامعة الأمريكية
في بيروت. ومنذ ذلك الحين، تحوّل إلى إحدى المحطات المعروفة في الحياة الثقافية
اللبنانية والعربية، جامعاً دور النشر والكتّاب والباحثين والجامعات والقرّاء.
ولم يكن المعرض، على امتداد تاريخه، مجرد
مساحة تجارية لبيع الكتب، بل ارتبط بصورة بيروت بوصفها مدينة للنشر والصحافة
والترجمة والجامعات، ومكاناً تتقاطع فيه التيارات الفكرية والأدبية العربية،
وتلتقي فيه الثقافات المختلفة.
وقد ساعدت البيئة التعليمية والثقافية
اللبنانية، إلى جانب تقاليد النشر والصحافة والانفتاح على اللغات الأجنبية، على
ترسيخ هذه المكانة. فالعاصمة لم تكن تستقبل الكتب فحسب، بل أسهمت دور نشرها
ومؤسساتها التعليمية ومنابرها الصحفية في تداول الأفكار العربية وإنتاجها وتوزيعها.
غير أن هذه الصورة التاريخية تعرضت
لاختبارات متراكمة، من الحرب الأهلية وتداعياتها إلى الأزمات السياسية والمالية
الحديثة، وصولاً إلى الحرب الأخيرة وما رافقها من خسائر مادية وإنسانية وضغوط
إضافية على المؤسسات الثقافية.
ويأتي تنظيم الدورة الجديدة ليؤكد استمرار
هذه التقاليد، لكنه يضعها أيضاً أمام سؤال مختلف: كيف يمكن الحفاظ على الإرث
الثقافي من دون الاكتفاء باستحضار أمجاده الماضية؟
فاستعادة مكانة بيروت لا تتحقق بمجرد
استعادة المشهد القديم، وإنما بقدرتها على إنتاج مشهد جديد، يستجيب للتحولات التي
طرأت على القارئ العربي، وعلى سوق النشر، وعلى طرق توزيع المعرفة واستهلاكها.
أرقام المعرض.. عودة الحضور أم بداية
التعافي؟
تشكل مشاركة 163 دار نشر، بينها 23 داراً
عربية، مؤشراً على استمرار قدرة المعرض على استقطاب مؤسسات النشر رغم الظروف
الصعبة التي يمر بها لبنان والمنطقة. كما يعكس البرنامج الثقافي الواسع رغبة
المنظمين في تجاوز الصيغة التقليدية القائمة على عرض الإصدارات وبيعها، باتجاه
توفير مساحة للنقاش والتفاعل بين الكتّاب والقرّاء.
ويتضمن البرنامج موضوعات تمتد من الرواية
والشعر والتاريخ والسياسة والاقتصاد إلى التعليم الجامعي والذكاء الاصطناعي
ومستقبل المكتبات، فضلاً عن لقاءات لتوقيع الإصدارات الجديدة وأمسيات ثقافية وفنية
وفعاليات مخصصة للأطفال والطلاب.
ويمنح هذا التنوع المعرض وظيفة تتجاوز
السوق، إذ يتيح للكتاب أن يكون موضوعاً للنقاش، لا سلعة معروضة فحسب، ويتيح للزائر
الانتقال بين الأدب والقضايا العامة والأسئلة التي تشغل المجتمع.
ومع ذلك، فعدد دور النشر والندوات يقيس حجم
المشاركة والبرنامج، لكنه لا يكفي وحده لتحديد مدى تعافي القطاع الثقافي.
وتظل هذه المؤشرات ضرورية للإجابة عن سؤال
التعافي بصورة أكثر دقة: هل عادت دور النشر إلى تحقيق عوائد تسمح لها بالاستمرار؟
وهل يستطيع القرّاء شراء الكتب في ظل تراجع القدرة الشرائية؟ وهل ستترجم المشاركة
الحالية إلى فرص توزيع وشراكات جديدة بعد انتهاء المعرض؟
إن نجاح المعرض في جمع الناشرين والكتّاب
والقرّاء يمثل خطوة مهمة، لكنه لا ينبغي أن يُخلط تلقائياً بالتعافي الاقتصادي
لصناعة الكتاب.
الحرب والأزمة الاقتصادية.. اختبار لقدرة
الثقافة على الصمود
تنعقد الدورة الحالية في وقت لا تزال فيه
آثار الحرب حاضرة في المشهد اللبناني، بالتوازي مع أزمة اقتصادية طويلة أضعفت
قطاعات واسعة من الاقتصاد، وأثّرت في قدرة المؤسسات والأسر على الإنفاق.
وتواجه صناعة الكتاب، في مثل هذه الظروف،
ضغوطاً متداخلة تشمل تكاليف الطباعة والإنتاج والتوزيع، وأعباء استيراد المواد،
وكلفة المشاركة في المعارض، فضلاً عن تقلص قدرة شرائح من القراء على تخصيص جزء من
دخلها لشراء الكتب.
ولا تتوقف آثار هذه الضغوط عند حدود
المبيعات. فالناشر الذي يواجه ارتفاع التكاليف قد يضطر إلى تقليص عدد العناوين
الجديدة أو الحد من المغامرة في نشر أعمال لكتّاب جدد. كما أن ضعف التوزيع يحدّ من
وصول الكتاب اللبناني إلى الأسواق العربية، ويقلص فرص استرداد تكاليف إنتاجه.
ومن هنا، تكتسب مشاركة دور النشر في معرض
بيروت دلالة تتجاوز الحضور الرمزي؛ فهي تتيح للناشرين اختبار الطلب، والتواصل
المباشر مع القرّاء، والتعريف بإصداراتهم، وبناء علاقات مهنية قد تساعدهم على
توسيع نطاق التوزيع.
لكن هذه الفرص تظل مرتبطة بقدرة الناشرين
على تحمل تكاليف المشاركة، وبوجود سوق قادرة على استيعاب الكتب، وباستمرار قنوات
التوزيع بعد إغلاق الأجنحة.
أما بالنسبة إلى القارئ، فإن المعرض يتيح
فرصة للاطلاع على عناوين متنوعة ومقارنة الإصدارات والالتقاء بالمؤلفين، لكنه لا
يحل وحده مشكلة القدرة على الشراء. وقد تكون الكتب حاضرة بكثافة في الأجنحة، بينما
تظل كلفة اقتنائها عائقاً أمام قطاعات من الجمهور.
وبهذا المعنى، فإن الصمود الثقافي لا يُقاس
فقط بإقامة المعرض في موعده، وإنما أيضاً بقدرة الكتاب على الوصول إلى من يحتاجون
إليه، وباستمرار دور النشر والمكتبات والمؤسسات التعليمية في أداء دورها طوال
العام.
هل تستعيد بيروت موقعها في صناعة الكتاب
العربي؟
يرتبط اسم بيروت تاريخياً بصناعة الكتاب
العربي، لكن استعادة هذا الدور في المرحلة الراهنة تتطلب أكثر من الحنين إلى زمن
كانت فيه المدينة مركزاً للنشر والصحافة والتفاعل الفكري.
فالمنافسة في سوق النشر العربية أصبحت
مرتبطة بعوامل متعددة، منها حجم الأسواق، وكلفة الإنتاج، وشبكات التوزيع، والقدرة
على الوصول إلى القرّاء في بلدان مختلفة، فضلاً عن تطور النشر الرقمي وتغير أنماط
القراءة.
وتواجه بيروت، مثل غيرها من مراكز النشر،
تحدياً يتمثل في الحفاظ على ميزتها الثقافية التاريخية مع التكيف مع واقع اقتصادي
وتقني جديد. فالمكانة لا تستمد قوتها من السمعة وحدها، بل من قدرة المؤسسات على
إصدار الكتب وتوزيعها، ومن وجود بيئة تشجع الكتّاب والمترجمين والناشرين على
الاستمرار.
وفي هذا السياق، يمكن للمعرض أن يؤدي دوراً
مهماً بوصفه نقطة التقاء بين الناشرين اللبنانيين والعرب، ومنصة لتقديم الإصدارات
الجديدة، وتوسيع العلاقات المهنية، وفتح المجال أمام تعاون يتجاوز الحدود
اللبنانية.
كما أن جمع الإصدارات العربية والفرنكوفونية
في مساحة واحدة يعكس جانباً من هوية بيروت الثقافية، القائمة على التفاعل بين
اللغات والتيارات الفكرية المختلفة. ولا يقتصر هذا الانفتاح على إتاحة الكتب بلغات
متعددة، بل يفتح المجال أمام الترجمة والتبادل الثقافي، وهما عنصران أساسيان في
تجديد الحياة الأدبية.
غير أن استعادة الدور الإقليمي تحتاج إلى
سياسات مستمرة لدعم النشر والترجمة، وتحسين شروط توزيع الكتب، وتوفير فرص للكتّاب
الشباب، وتعزيز حضور الإنتاج اللبناني في الأسواق العربية، بدلاً من ترك هذه
المهمة رهناً بمبادرات موسمية.
ومن هنا، فإن القيمة الأبعد للدورة السابعة
والستين قد تتمثل في قدرتها على إطلاق مسار تعاون طويل الأمد بين الناشرين
والمؤسسات الثقافية والجامعات، لا في مجرد استعادة صورة بيروت بوصفها عاصمة للكتاب.
القارئ في مواجهة الشاشة والذكاء الاصطناعي
لا تواجه صناعة الكتاب في لبنان تحديات
اقتصادية وأمنية فقط؛ فهي تتعامل أيضاً مع تغيرات عميقة في علاقة الجمهور بالقراءة.
فقد أعادت الهواتف الذكية ومنصات التواصل
الاجتماعي تشكيل عادات استهلاك المحتوى، وأصبح كثير من القراء يتنقلون بين النصوص
القصيرة والمقاطع المرئية والمواد الرقمية السريعة، في حين تتيح أدوات الذكاء
الاصطناعي تلخيص النصوص والإجابة عن الأسئلة وتقديم اقتراحات للقراءة.
وقد حضرت هذه التحولات في النقاشات المرتبطة
بالدورة الحالية، من خلال موضوعات تتناول الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي ومستقبل
المكتبات.
ولا يعني ذلك بالضرورة أن الكتاب الورقي
يفقد أهميته، لكنه يواجه حاجة متزايدة إلى إثبات قيمته ضمن بيئة تتنافس فيها أشكال
عديدة من المحتوى على وقت القارئ واهتمامه.
وتكمن إحدى ميزات المعرض في توفير تجربة لا
تختزل القراءة في الحصول على المعلومات؛ إذ يتيح للزائر لقاء الكاتب، ومناقشة
الأفكار، وحضور ندوة، واكتشاف عناوين لم تكن ضمن اهتماماته، والتفاعل مع قراء
آخرين.
وهذه الجوانب تمنح المعرض وظيفة اجتماعية
ومعرفية يصعب اختزالها في عملية شراء كتاب أو تحميل ملف إلكتروني.
لكن استقطاب الأجيال الجديدة لا يتحقق بمجرد
تنظيم أنشطة للأطفال أو إضافة ندوات عن التكنولوجيا. فالمطلوب بناء علاقة متواصلة
مع القراءة من خلال المدرسة والجامعة والمكتبة العامة والأسرة، وتوفير كتب تناسب
اهتمامات الشباب، وتطوير أدوات رقمية تساعدهم على اكتشاف المحتوى الجيد بدلاً من
التعامل مع التقنية باعتبارها خصماً للكتاب.
ويمنح تخصيص أنشطة للناشئة، تشمل الحكايات
وورش الرسم والعروض التفاعلية والألعاب التربوية، المعرض فرصة للتواصل مع جيل
تتشكل عاداته القرائية في وقت مبكر. غير أن الأثر الحقيقي لهذه الأنشطة يتوقف على
استمرارها خارج أيام المعرض، وعلى قدرة المؤسسات التعليمية والثقافية على تحويل
الاهتمام العابر إلى ممارسة مستدامة.
من الأدب إلى الذاكرة الوطنية.. الثقافة
مساحة للحوار
لا تقتصر موضوعات المعرض على الأدب بمعناه
الضيق، بل تمتد إلى السياسة والتاريخ والهوية والتحولات الاجتماعية، وهو ما يتيح
للكتاب أن يكون مدخلاً إلى مناقشة قضايا المجتمع اللبناني والعربي.
ومن بين محطات البرنامج لقاءات أدبية وفكرية
مع أسماء عربية ولبنانية، بينها الروائيان واسيني الأعرج وجلال برجس، إلى جانب
فعاليات تستعيد شخصيات ثقافية وفكرية، من بينها غسان تويني والشيخ صبحي الصالح، في
مناسبتين مرتبطتين بمئويتي ولادتهما.
وتكتسب هذه الموضوعات أهمية في بلد تتعدد
فيه الانتماءات السياسية والطائفية والثقافية، إذ يمكن للمؤسسات الثقافية أن توفر
مساحة للالتقاء حول الأسئلة المشتركة، من دون أن تتطلب من المشاركين التخلي عن
اختلافاتهم.
وقد أشار رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام،
في افتتاح المعرض، إلى أهمية الأفكار في رسم خيارات الشعوب، وربط النهوض بلبنان
بمواجهة الجهل والتعصب والانغلاق، وتوسيع المساحات المشتركة بين اللبنانيين. كما
عبّر عن تطلعه إلى أن يكون المعرض منصة مستمرة للحوار والإبداع والترجمة والنشر،
لا مناسبة سنوية فحسب.
وتكشف هذه الرسالة عن رهان على الثقافة
بوصفها أحد عناصر إعادة بناء المجال العام، خصوصاً في مجتمع أنهكت أزماته الثقة
بالمؤسسات وأضعفت الروابط بين مكوناته.
لكن دور الثقافة لا ينبغي أن يُحمّل ما
يتجاوز قدرتها؛ فالمعرض لا يعيد إعمار المناطق المتضررة بمفرده، ولا يعالج الأزمة
الاقتصادية، ولا ينهي الانقسامات السياسية. وتكمن قيمته في أنه يوفر مجالاً للنقاش
وتبادل المعرفة، ويُبقي إمكانية الحوار قائمة في ظروف قد تدفع نحو الانغلاق.
وتتوقف فاعلية هذا الدور على مدى تنوع
الأصوات المشاركة، وإتاحة المجال للنقاش النقدي، وقدرة المؤسسات الثقافية على
الاستمرار بعيداً عن الاستقطاب والقيود الاقتصادية.
ما الذي تحتاجه بيروت كي لا يبقى الوهج
موسمياً؟
إن إقامة الدورة السابعة والستين تمثل إشارة
إلى استمرار الحياة الثقافية اللبنانية وقدرة مؤسساتها على تنظيم حدث يجمع ناشرين
وكتّاباً وقراء في ظروف صعبة. لكن تحويل هذا الحضور إلى استعادة فعلية لمكانة
بيروت يتطلب معالجة التحديات التي تواجه الكتاب في مختلف مراحل إنتاجه وتداوله.
أول هذه التحديات دعم استدامة دور النشر
والمكتبات، عبر توفير بيئة اقتصادية تسمح لها بالعمل، وتوسيع فرص وصولها إلى
القراء في لبنان والخارج.
ويأتي بعد ذلك تعزيز الترجمة والتوزيع
العربي، لأن الكتاب الذي يُنتج في بيروت لا يستعيد مكانته الإقليمية إذا ظل وصوله
إلى الأسواق الأخرى محدوداً أو مكلفاً. ويمكن للتعاون بين الناشرين والمعارض
والجامعات والمؤسسات الثقافية أن يساعد على بناء شبكات أكثر فاعلية لتبادل
الإصدارات والخبرات.
وثمة حاجة أيضاً إلى ربط المعرض ببرنامج
ثقافي يمتد طوال العام، من خلال لقاءات دورية مع المؤلفين، وورش للكتابة والترجمة،
ومبادرات للقراءة في المدارس والجامعات والمكتبات العامة. فالمعرض يتيح نقطة
انطلاق، لكنه لا يستطيع بمفرده تعويض غياب البنية الثقافية المستدامة.
كما أن قياس النجاح يحتاج إلى مؤشرات تتجاوز
أعداد المشاركين والفعاليات، وتشمل حجم المبيعات، وعدد الإصدارات الجديدة، ومدى
مشاركة الطلاب والقراء الشباب، واتساع التوزيع خارج لبنان، واستمرار التعاون بين
المؤسسات بعد انتهاء الدورة.
ومن شأن هذه المؤشرات أن تتيح تقييماً أكثر
واقعية لأثر المعرض، وأن تساعد في تحديد ما إذا كان الحضور الحالي بداية لتعافٍ
أوسع أم مجرد محطة ناجحة ضمن ظروف استثنائية.
بيروت والكتاب.. بداية استعادة أم اختبار
جديد؟
تؤكد الدورة الـ67 لمعرض بيروت العربي
الدولي للكتاب أن العاصمة اللبنانية لا تزال قادرة على جمع دور النشر والكتّاب
والباحثين والقراء، وأن تقاليدها الثقافية لم تختفِ رغم الحروب والأزمات. غير أن
استمرار المعرض، على أهميته، لا يقدم وحده دليلاً كافياً على استعادة بيروت موقعها
السابق في صناعة الكتاب العربي.
فالوهج الثقافي لا يُقاس بامتلاء الأجنحة
خلال عشرة أيام فقط، وإنما بقدرة المدينة على إنتاج الكتب وتوزيعها، وعلى إبقاء
المكتبات مفتوحة، ودعم المؤلفين والمترجمين، وتوسيع قاعدة القراء، وضمان أن تظل
الثقافة جزءاً من الحياة اليومية.
وبين إرث يمتد إلى عام 1956 وواقع اقتصادي
وأمني شديد التعقيد، تبدو الدورة الجديدة فرصة لإعادة وصل بيروت بذاكرتها
الثقافية، واختبار قدرتها على تجديد هذه الذاكرة بما يتلاءم مع احتياجات الحاضر.
وقد تنجح المدينة في استعادة جزء من وهجها
عبر هذه المنصة، لكن استعادة المكانة كاملة تظل مرتبطة بما سيحدث بعد إغلاق أبواب
المعرض: هل تستمر حركة النشر؟ وهل تتسع دائرة القراءة؟ وهل يتحول التواصل بين
الناشرين والمؤسسات إلى شراكات دائمة؟
تلك هي الأسئلة التي ستحدد ما إذا كانت
الدورة السابعة والستون مجرد احتفاء جديد بتاريخ بيروت الثقافي، أم خطوة ضمن مسار
أطول يعيد للمدينة دورها في صناعة الكتاب العربي.