تستعد وزارة
الثقافة القطرية لإطلاق النسخة
الخامسة من "
موسم الندوات" خلال الفترة من 1 إلى 11 أكتوبر/تشرين الأول
2026، في برنامج يجمع بين الفكر والتاريخ والمعرفة والتكنولوجيا والتراث، بمشاركة
مفكرين وأكاديميين وباحثين، وبالشراكة مع المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،
وجامعة حمد بن خليفة، وجامعة لوسيل.
وتقدم الوزارة الموسم بوصفه مساحة للحوار
الثقافي والفكري، مع توسيع حضور الجامعات والمؤسسات البحثية في
الفعاليات
الثقافية، بما يتيح مشاركة المتخصصين والطلاب والباحثين والجمهور في نقاشات تتصل
بقضايا الإنسان والمجتمع والعالم. وتشير الوزارة إلى أن البرنامج يمتد، في إطاره
العام، إلى موضوعات الثقافة والتاريخ والفكر واللغة والشعر والتبادل الحضاري، إلى
جانب التحولات والقضايا الراهنة.
وتتميز الدورة الجديدة بتنوع لافت في
موضوعاتها؛ فمن سؤال الفكر والقضايا الراهنة، إلى كيفية قراءة التاريخ وتعدد
رواياته، وصولا إلى تأثير الخوارزميات في صناعة السرديات، ثم رحلة الحديث النبوي
في الحفظ والتحقيق عبر قرون طويلة. وبين هذه العناوين تبدو الثقافة في الموسم
مرتبطة بأسئلة أوسع تتصل بتشكيل الوعي، وطريقة إنتاج المعرفة، وعلاقة الإنسان
بالتكنولوجيا والذاكرة والتراث.
عزمي بشارة يفتتح الموسم بسؤال مفتوح
يفتتح الموسم في الأول من أكتوبر في المركز
العربي للأبحاث ودراسة السياسات، بندوة للمفكر العربي عزمي بشارة بعنوان: "حوار
مفتوح حول قضايا فكرية وراهنة".
وبشارة هو مدير عام المركز العربي للأبحاث
ودراسة السياسات، وله حضور طويل في النقاشات الفكرية العربية المعاصرة، مع اهتمام
بأبحاث الاجتماع السياسي والنظرية الاجتماعية وقضايا الدولة والمواطنة والهوية.
وقد سبق له أن شارك في النسخ الأولى من "موسم الندوات"، ومنها محاضرة
عام 2022 تناولت مسألة الهوية، ضمن شراكة الوزارة مع المركز العربي وجامعة قطر.
ولا يقدم عنوان الندوة الأولى موضوعا واحدا
مغلقا، بل يتركها في صيغة "حوار مفتوح" حول قضايا فكرية وراهنة، وهو ما
يجعلها مدخلا واسعا للموسم، خصوصا في ظل طبيعة التحولات التي تشهدها المنطقة
والعالم.
ويأتي اختيار المركز العربي للأبحاث ودراسة
السياسات مكانا لانطلاق الموسم منسجما مع توجه الوزارة إلى توسيع التعاون مع
المؤسسات البحثية والأكاديمية، وتحويل الندوات إلى مساحة يلتقي فيها البحث العلمي
بالنقاش الثقافي العام.
التاريخ بين الذاكرة وتعدد الروايات
في الرابع من أكتوبر، تنتقل فعاليات الموسم
إلى جامعة حمد بن خليفة، حيث تعقد ندوة بعنوان "كيف نقرأ التاريخ.. بين
الذاكرة والوعي وتعدد الروايات"، بمشاركة الدكتور ناجي صبري والدكتور فوزي
البدوي.
ويحمل اختيار هذا العنوان سؤالا يتجاوز سرد
الأحداث التاريخية إلى البحث في الطريقة التي تتشكل بها الذاكرة، وكيف يمكن لحدث
واحد أن ينتج روايات وقراءات متعددة، تبعا للموقع الذي ينظر منه الفرد أو الجماعة
إلى الماضي.
أما ناجي صبري الحديثي، فهو أكاديمي متخصص
في اللغة الإنجليزية والترجمة، وحاصل على الدكتوراه في اللسانيات والترجمة من
الجامعة المستنصرية، كما عمل أستاذا للغة الإنجليزية في جامعة بغداد، وله مسار
طويل في الصحافة والإعلام والعمل الدبلوماسي، وشغل منصب وزير الخارجية العراقي بين
عامي 2001 و2003. ويعمل في قطر في مجال تدريس الصحافة، كما شارك في برامج أكاديمية
تتناول الدبلوماسية والثقافة.
ويشارك إلى جانبه الباحث التونسي فوزي
البدوي، وهو باحث وأستاذ في الدراسات المتعلقة بالعلاقات الإسلامية ـ اليهودية
والدراسات اليهودية ومقارنة الأديان، ويعمل باحثا أول ومديرا لبرنامج في المعهد
العالمي للدراسات الاستراتيجية "جسر" بجامعة حمد بن خليفة، مع اهتمام
بالعلاقات الإسلامية ـ اليهودية والحركات الدينية والدراسات الإسرائيلية.
وتكتسب الندوة أهمية خاصة من طبيعة التخصصين
والخبرتين المختلفتين للمشاركين؛ فهي تجمع بين تجربة أكاديمية وإعلامية ودبلوماسية
مرتبطة بالتاريخ السياسي والثقافي للعراق، وبين بحث أكاديمي في الأديان والعلاقات
بين الثقافات. ومن ثم يفتح عنوانها الباب أمام نقاش حول الفرق بين التاريخ بوصفه
وقائع، والذاكرة بوصفها تجربة إنسانية، والرواية بوصفها طريقة لإعادة بناء الماضي.
الخوارزميات.. حين تصبح التكنولوجيا طرفا في
صناعة السرد
أما الندوة الثالثة، المقررة في الثامن من
أكتوبر، فتنتقل بالموسم إلى سؤال معاصر تماما، من خلال عنوان "سلطة
الخوارزميات في صناعة السرديات وبرمجة العقول"، ويقدمها الدكتور عبد الرحمن
الحرمي والخبير محمد سالم.
ويضع العنوان التكنولوجيا في قلب النقاش
الثقافي، من خلال التساؤل عن الدور الذي تؤديه الخوارزميات في تحديد ما يصل إلى
الجمهور، وكيف يمكن للمنصات الرقمية وأنظمة التوصية وتحليل البيانات أن تؤثر في
المحتوى الذي يراه المستخدم، وفي الطريقة التي تتشكل بها اهتماماته وصورته عن
القضايا والأحداث.
والحرمي، بحسب مؤسسة قطر، مستشار تربوي
ومحاضر في جامعة قطر، ويقدم دورات ومحاضرات في المجال التربوي، إلى جانب مشاركاته
الإعلامية. وهو حاصل على درجات أكاديمية في التربية، بينها الدكتوراه من البحرين.
أما محمد سالم، فتقدمه وزارة الثقافة في
البرنامج بوصفه خبيرا مشاركا في الندوة، من دون أن تفصل في البيان الرسمي المنشور
مزيدا من المعلومات عن مساره المهني أو تخصصه.
وتكتسب الندوة أهميتها من أن الخوارزميات لم
تعد مجرد أدوات تقنية تعمل خلف شاشات المستخدمين، بل أصبحت جزءا من البيئة التي
تنتج فيها الأخبار والمعلومات والمحتوى الثقافي، الأمر الذي يجعل السؤال عن
علاقتها بالسرديات سؤالا يتصل بالإعلام والتعليم والثقافة والسياسة والمعرفة في آن
واحد.
ومن اللافت أن يأتي هذا الموضوع ضمن موسم
ثقافي؛ إذ يعكس اتساع مفهوم الثقافة ليشمل ليس فقط الكتاب والفن والتراث، وإنما
أيضا البيئة الرقمية التي أصبحت تشكل جزءا كبيرا من علاقة الجمهور بالمعلومة
والمعرفة.
بشار عواد.. ألف عام من رحلة الحديث النبوي
ويختتم الموسم في 11 أكتوبر في جامعة لوسيل بندوة
تحمل طابعا معرفيا وتراثيا واضحا، بعنوان "أسرار رحلة الحديث النبوي عبر
القرون.. ألف عام من الحفظ والتحقيق"، يقدمها العالم والمؤرخ والمحقق بشار
عواد معروف.
ويعد معروف من أبرز المتخصصين في تحقيق كتب
التاريخ الإسلامي والتراجم، وقد مُنح جائزة الملك فيصل العالمية في الدراسات
الإسلامية لعام 2018 تقديرا لأعماله في تحقيق كتب التاريخ الإسلامي والتراجم، وما
وصفته الجائزة بالاتساع والدقة في هذا المجال.
ويمتد إنتاجه العلمي إلى عدد كبير من
التحقيقات في كتب التراث، من بينها أعمال تتصل بتاريخ الإسلام وتراجم العلماء
ورجال الحديث، كما حقق أعمالا بارزة للذهبي والخطيب البغدادي وغيرهما، واشتغل على
مناهج تحقيق النصوص والمخطوطات.
ومن هنا يبدو عنوان الندوة الختامية متصلا
مباشرة بسؤال كيفية انتقال المعرفة الدينية عبر الزمن، والآليات التي اعتمدها
العلماء في الحفظ والرواية والتحقيق والنقد، وهي مسألة تجمع بين التاريخ وعلم
الحديث ومناهج قراءة النصوص والتراث.
موسم يتجاوز الندوات الأربع
ورغم أن الوزارة أعلنت حتى الآن أربع ندوات
رئيسية بأسمائها ومشاركيها، فإنها تضع البرنامج في إطار أوسع يشمل الثقافة
والتاريخ والفكر واللغة والشعر والتبادل الحضاري، إضافة إلى القضايا والتحولات
التي يشهدها العالم. ولم تعلن الوزارة في بيانها الحالي أسماء منفصلة لكل هذه
المحاور، ما يعني أن تفاصيل إضافية قد تتضح مع اقتراب موعد الفعاليات.
وتقول الوزارة إن توسيع الشراكات مع
الجامعات والمؤسسات الأكاديمية والبحثية يستهدف إثراء المحتوى والاستفادة من
الخبرات العلمية والفكرية المتنوعة، مع فتح المجال أمام مشاركة أوسع للشباب
والطلاب والباحثين. كما ترى أن هذه الشراكات تتيح تقديم برامج أكثر تنوعا وعمقا،
وربط النشاط الثقافي بالمعرفة الأكاديمية.
وتأتي النسخة الخامسة امتدادا لمسار بدأته
الوزارة في دورات سابقة، قبل أن يتوسع حضور الموسم خارج قطر أيضا؛ إذ نظمت الوزارة
في عام 2025 نسخة دولية بالشراكة مع معهد العالم العربي في باريس.
من التاريخ إلى الذكاء الاصطناعي.. ما الذي
يجمع العناوين؟
رغم التباعد الظاهري بين موضوعات الموسم،
فإن عناوينه الأربعة تلتقي حول سؤال مشترك: كيف تتشكل المعرفة، وكيف تنتقل، ومن
يملك القدرة على إعادة صياغتها؟
فندوة بشارة تفتح النقاش على القضايا
الفكرية والراهنة، وندوة التاريخ تبحث في العلاقة بين الذاكرة والوعي وتعدد
الروايات، بينما تنقل ندوة الخوارزميات السؤال إلى البيئة الرقمية التي أصبحت تؤثر
في إنتاج السرديات وتداولها. وفي الختام، يعود النقاش إلى التراث من خلال رحلة
الحديث النبوي وآليات حفظه وتحقيقه عبر القرون.
وبهذا المعنى، لا يبدو الموسم مجرد مجموعة
من اللقاءات المنفصلة، وإنما محاولة لجمع أسئلة تنتمي إلى أزمنة مختلفة داخل فضاء
ثقافي واحد: كيف نفهم الحاضر؟ كيف نقرأ الماضي؟ كيف تتشكل الروايات؟ وكيف نحافظ
على المعرفة وننقلها إلى المستقبل؟
وتقول وزارة الثقافة إن هدفها من الموسم هو
توفير مساحة للحوار والتفاعل وطرح القضايا التي تسهم في تشكيل الوعي واستشراف
المستقبل، مع التأكيد على أن تكون الفعاليات الثقافية قريبة من قضايا المجتمع
وتطلعاته.
ومع انطلاق الدورة الخامسة في الأول من
أكتوبر، سيكون التحدي الأساسي أمام الموسم، إلى جانب تنوع الأسماء والموضوعات، هو
تحويل هذه العناوين إلى نقاشات مفتوحة تسمح للجمهور بأن يكون جزءا من الحوار، لا
مجرد متلق للندوات؛ وهو ما تقول الوزارة إنها تسعى إليه من خلال إتاحة التفاعل
المباشر وطرح الأسئلة وتبادل الآراء مع المشاركين.