صرخة من أجل الجزائر.. لا تتركوا الوطن يفلس ويصطدم بالحائط!

جمال الدين طالب
 لقد حان الوقت لوضع حد لهذا العبث وإعادة ترتيب بيت جزائرنا الحبيبة بما يليق بها وبتاريخها وإمكاناتها وتطلعات شعبها وقواها الحية..
لقد حان الوقت لوضع حد لهذا العبث وإعادة ترتيب بيت جزائرنا الحبيبة بما يليق بها وبتاريخها وإمكاناتها وتطلعات شعبها وقواها الحية..
شارك الخبر
أكتب هذا المقال من منطلق المحب والخائف والحريص على البلاد والعباد، فحب الوطن يفرض علينا اليوم أن نرفع صوت التنبيه والتحذير عاليا مع مِجهر المصارحة والمكاشفة أمام هذا الانفجار "الجنوني" والتصاعدي في حجم الإنفاق العام وعجز الموازنات المزمن الذي ميز فترة حكم الرئيس عبد المجيد تبون من عام 2020 إلى غاية مشروع موازنة 2027 مع استمرار سياسة "الهروب إلى الأمام" المكلفة التي تقود إلى "الحائط" (بعيد الشر)، بالشعارات الرنانة المتكررة "أكبر ميزانية في تاريخ الجزائر" بينما كما يقول المثل الجزائري "الواد مديه وهو يقول محلى بروده"!

فجوة العجز المالي الرهيب

عندما نقوم بفتح دفاتر القوانين المالية السنوية ونقارن أرقام الإنفاق المعتمدة بالدينار الجزائري، بما يعادلها بالعملة الصعبة بالدولار، وحجم الفجوة الهائلة بين الإيرادات والنفقات، تنكشف أمامنا قفزة مذهلة في نفقات الدولة الجارية وعجز مالي مزمن يجري تعميقه سنوياً:

ـ موازنة 2020: بدأ تبون حكمه بموازنة بلغت نحو7,300  مليار دينار جزائري (أي ما يعادل نحو 56 مليار دولار) بالأسعار الرسمية آنذاك.

ـ  موازنة 2021: بلغت النفقات قرابة 8,113 مليار دينار، مقابل إيرادات بـ 5,328 مليار دينار، لتسجل عجز مالي قدره 2,785 مليار دينار (نحو 21.2 مليار دولار).

إن أكبر علامات الاستفهام تكمن هنا: أين أثر هذا الإنفاق "الأسطوري" الممتد لسبع سنوات على المعيشة اليومية للمواطن؟ الحقيقة الميدانية تؤكد أن كل هذه الآلاف من مليارات الدينارات لم تنعكس إيجاباً على جيب المواطن البسيط، بل على العكس تماماً، شهدت القدرة الشرائية تراجعاً رهيباً، وتصاعدت الأسعار بشكل غير مسبوق لالتهام أي زيادات شكلية في الأجور.
ـ  موازنة 2022: ارتفعت النفقات بشكل لافت لتصل في القانون التكميلي إلى 11,610 مليار دينار، مقابل إيرادات بـ 7,500 مليار دينار، ليرتفع العجز إلى 4,110 مليار دينار (نحو 31.3 مليار دولار).

ـ  موازنة 2023: سجلت قفزة تاريخية في الإنفاق ناهزت 14,700 مليار دينار في القانون التصحيحي، مقابل إيرادات بـ 8,900 مليار دينار، ليتعمق العجز إلى 5,800 مليار دينار (نحو 44.2 مليار دولار).

ـ موازنة 2024: تواصلت الطفرة التوسعية لتسجل النفقات 15,275 مليار دينار (113 مليار دولار)، مقابل إيرادات بـ 9,105 مليار دينار، ليستقر العجز عند 6,170 مليار دينار (قرابة 45 مليار دولار).

ـ موازنة 2026: بلغت المخصصات 17,636 مليار دينار، مقابل إيرادات بـ 8,009 مليار دينار، لينفجر العجز المالي ليتخطى 9,627 مليار دينار (نحو 73.4 مليار دولار، ما يعادل 12.4% من الناتج المحلي الإجمالي).

ـ مشروع موازنة 2027: وصلت إلى ذروتها بأعلى إنفاق في تاريخ البلاد المستقلة مقدراً بـ 17,882 مليار دينار، مقابل إيرادات متوقعة بـ 9,251 مليار دينار، ليسجل العجز فجوة تاريخية تقدر بـ 8,631 مليار دينار (حوالي 65.8 مليار دولار) ، وهو فارق يشكل قرابة 47.7% من إجمالي الميزانية.

الحصيلة الاقتصادية: انتقل الإنفاق العام للدولة من قرابة 7,300 مليار دينار في 2020 إلى قرابة 18,000 مليار دينار في 2027. تضاعفت الميزانية بأكثر من 144% في غضون سبع سنوات فقط، مصحوبة بعجوزات متراكمة ومتفجرة تجري تغطيتها بآليات نقدية خطيرة من دين داخلي رهيب وطبع مرعب للنقود.

أرقام فلكية تنفق.. وقدرة شرائية تنهار

إن أكبر علامات الاستفهام تكمن هنا: أين أثر هذا الإنفاق "الأسطوري" الممتد لسبع سنوات على المعيشة اليومية للمواطن؟ الحقيقة الميدانية تؤكد أن كل هذه الآلاف من مليارات الدينارات لم تنعكس إيجاباً على جيب المواطن البسيط، بل على العكس تماماً، شهدت القدرة الشرائية تراجعاً رهيباً، وتصاعدت الأسعار بشكل غير مسبوق لالتهام أي زيادات شكلية في الأجور.

وبعملية حسابية يبلغ مجموع الإنفاق العام المخطط له في موازنات خلال فترة حكم الرئيس عبد المجيد تبون الممتدة من عام 2020 إلى عام 2027 ما قيمته 109,311.35 مليار دينار جزائري (أي ما يقارب 109.3 تريليون دينار جزائري). المجموع بسعر الصرف الرسمي يبلغ 834.61  مليار دولار أمريكي وهو رقم مهول بالمقارنة بـ994 مليار دولار أنفقت خلال نحو 20 سنة من حكم بوتفليقة بفارق المشاريع المنجزة وموضوعيا بمستوى القدرة الشرائية، حيث كان المواطن يستطيع أن يشتري سيارة بسعر معقول بينما لا يجد حتى عجلة في عهد "الجزائر الجديدة والمنتصرة" كما يسميها تبون!

ولعل أصدق تعبير عن هذا المأزق المعيشي لم يأتِ من المعارضة، بل خرج من صلب النظام نفسه؛ عندما اشتكى وزير الداخلية قائلاً إنه "بلغ من العمر 60 عاماً ولم يرَ غلاءً مماثلاً في حياته". هذه الشهادة الواقعية لم تمر برداً وسلاماً، بل أغضبت الرئيس تبون بشدة، فهاجم وزيره في اللقاء الإعلامي منتقداً كلامه، ومحاولاً حصر أزمة الغلاء الفاحش في عهد "العصابة" (يقصد فترة حكم الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة).

وهنا يقع الخطاب الرسمي في مفارقة سياسية وتاريخية عجيبة يدين فيها الرئيس نفسه بنفسه؛ فتبون الذي يرجع الغلاء لعهد بوتفليقة، كان هو ذاته وزيراً للتجارة بالنيابة، ووزيراً للسكن لسنوات طويلة، بل ورئيساً للحكومة في ذلك العهد! وكان يخرج للعلن مقسماً بأن "برنامج فخامة الرئيس بوتفليقة لن يتوقف". فإذا كان ذلك العهد عهد عصابة وغلاء، فإن تبون يثبت بأثر رجعي أنه كان جزءاً بنيوياً وتنفيدياً من تلك المنظومة التي ينتقدها اليوم للهروب من مسؤولية الغلاء الحالي الفاحش الذي يكوّي قلوب العائلات الجزائرية.

تضارب الأرقام.. تلاعب رسمي لإرضاء "وهم الرئيس"

في خرجته التلفزيونية الأخيرة حاول الرئيس تبون مخالفة، بل و"تزييف" حتى توقعات صندوق النقد الدولي التحذيرية للجزائر. أحد محاوريه وهو رئيس تحرير صحيفة الخبر ادعى أن صندوق النقد الدولي توقع ارتفاع الناتج الإجمالي للجزائر إلى 400 مليار دولار وهو نفس الكلام الذي كرره الرئيس تبون مع أن الصندوق لم يذكر هذا الرقم أبدا.
‏
صندوق النقد يقدر أن الناتج الإجمالي للجزائر في هذا العام 2026 قد يصل إلى 317 مليار دولار، حتى قانون المالية لحكومة تبون نفسها توقع لعام 2026 ناتجاً محلياً إجمالياً اسمياً بحوالي 42 تريليون دينار (أي حوالي 323 مليار دولار)، ثم صعوداً إلى 347 مليار دولار في 2027 ونحو 373 مليار دولار في 2028.

ولكن، لكي يتم إرضاء هوس الرئيس وتأكيد تصريحاته التلفزيونية الأخيرة التي كرر فيها مراراً أن الجزائر ستلامس عتبة الـ 400 مليار دولار، طرأ تعديل مريب ومفاجئ في صياغة مشروع 2027؛ حيث قفزت التقديرات الحكومية فجأة بالناتج الداخلي الخام الاسمي لعام 2027 ليُقدّر بنحو 53,122 مليار دينار (405.51 مليار دولار)، مقابل 48,723.2 مليار دينار (371.93 مليار دولار) كحصيلة معدلة ومتوقعة لعام 2026. وترافق ذلك مع وضع مستهدفات نمو متفائلة تقضي ببلوغ 4.1% في 2028 ثم القفز إلى 4.7% في 2029.

صندوق النقد يقدر أن الناتج الإجمالي للجزائر في هذا العام 2026 قد يصل إلى 317 مليار دولار، حتى قانون المالية لحكومة تبون نفسها توقع لعام 2026 ناتجاً محلياً إجمالياً اسمياً بحوالي 42 تريليون دينار (أي حوالي 323 مليار دولار)، ثم صعوداً إلى 347 مليار دولار في 2027 ونحو 373 مليار دولار في 2028.
في المقابل ففي تقريره قال صندوق النقد إن النمو في الجزائر وبعد تسجيل نمو قدره 3,9 بالمائة في 2025، مقابل 3,7 بالمائة في 2024، يرجح أن يسجل ا3,8 بالمائة في 2026، قبل أن يتباطأ إلى 3,1 بالمائة في 2027 و3 بالمائة في 2028 و2029، ثم 2,9 بالمائة في 2030 و2031.

هذه القفزات الرقمية على الورق تفتقر للمبررات الاقتصادية الهيكلية على أرض الواقع. كم نسبة النمو المطلوبة للوصول لـ 400 مليار بمعدل نمو بـ3.8 بالمئة، كما قال صندوق النقد الدولي؟ ستحتاج الجزائر إلى نسبة نمو اسمي بالدولار بـ26 بالمئة خلال ما بقي من 2026 لتصل 400 مليار.

لو أخذنا تقديرات صندوق النقد لناتج الجزائر في 2025 بنحو 285 مليار دولار فالجزائر تحتاج إلى نسبة نمو بـ40 بالمئة.. وهما نسبتان مستحيلتان.

وفي اللقاء تم الحديث عن احتياطي الصرف واللافت أن الصحافي الآخر سأل تبون إذا ما سيضمن تبون احتياطي صرف بتسعة وعشرين مليار دولار بحلول 2031 كما توقع صندوق النقد الدولي والحقيقة ان صندوق الدولي تحدث عن 19.8 مليار دولار.

وقد دقّ صندوق النقد الدولي في تقاريره ناقوس الخطر بلهجة واضحة تدعو الحكومة الجزائرية لإجراء ضبط مالي عاجل، محذراً بشكل صارم من استمرار سياسة طبع النقود والتوسع النقدى لتمويل هذا العجز المتفاقم، لما يسببه ذلك من تضخم مستدام يستنزف مدخرات المواطن ويُفرغ زيادة الرواتب من محتواها.

وقد توقع الصندوق نزيفا سريعا، بل مرعبا في احتياطيات الصرف الأجنبي لتهبط من 51 مليار دولار في 2025 إلى 41 مليار دولار في 2027، وصولاً لـ 19.8 مليار دولار فقط في 2031 (غطاء استيرادي حرج يبلغ 3.3 أشهر) مع ارتفاع متوقع مخيف للدين الحكومي لـ 79% (وهو ما لم يُشر له في الحوار!).

وبحلول نوفمبر 2025 كان بنك الجزائر المركزي تحدث عن احتياطي صرف بعشر مليارات دولار نقدا و22 مليار دولار ذهب فقط!

قيمة الدينار الرسمي وسعر السوق السوداء الحقيقي

ولأن فك شفرات الاقتصاد واجب يمليه علينا الصدق مع الوطن، فإن الأرقام المحسوبة بالعملة الصعبة تخفي فارقاً شاسعاً بين واقع البورصات الرسمية وواقع المواطن والتاجر في الأسواق الفعلية:

ـ بسعر الصرف الرسمي: تبدو ميزانية 2027 بقيمة 136.5 مليار دولار (باحتساب سعر الصرف الحكومي لدى بنك الجزائر البالغ قرابة 131 ديناراً للدولار).

ـ بالسعر الفعلي في السوق السوداء الفعلي لو قمنا بإسقاط هذه الكتلة النقدية الفلكية بالدينار على القيمة الحقيقية للعملة في الأسواق الحرة واليومية حيث يتجاوز الدولار عتبة 240 ديناراً جزائرياً، فإن القوة الشرائية الفعلية لكل هذا الإنفاق تهبط مباشرة إلى قرابة 74.5 مليار دولار فقط!

إننا نحذر بدافع المسؤولية الوطنية وبقلب يخاف على استقرار البلاد؛ فالاستمرار في هذه السياسة الاقتصادية الانتحارية يقود الجزائر عمليا إلى الإفلاس وعدم القدرة حتى تأمين دفع الأجور، مع ارتباط مداخيل البلاد بأسعار النفط والغاز المتأرجحة ومع تراجع حتى قدرات البلاد الإنتاجية.
هذا الفارق الهائل بنسبة تزيد عن 80% يوضح كيف أن الدولة تنفق أرقاماً فلكية بالدينار محلياً، في حين أن قيمتها الفعلية وقدرتها على تمويل التنمية الحقيقية خارج المحروقات تبقى محدودة ومستنزفة بفعل التضخم وتآكل العملة الوطنية.

هذا التآكل الهائل يعكس أزمة التضخم المستتر الناتجة عن طباعة النقد؛ فالبلاد تضخ كتلاً نقدية ضخمة بالعملة المحلية تلتهم الأسواق محلياً، في حين أن قيمتها الفعلية لتمويل تنمية مستدامة خارج المحروقات تظل هشة ومعرضة للضغوط.

لأجل البلاد والعباد لا لأجل الكراسي والبقاء في السلطة

الخشية التي تملأ صدورنا كمحبين للجزائر وأهلها، هي أن يكون هذا الضخ المالي الرهيب ونفخ الناتج المحلي وتطويعه ليصل قسراً لـ 405 مليار دولار، متبوعاً بسعي مزعوم لشراء السلم الاجتماعي مؤقتاً عبر كتلة أجور بلغت وحدها 46.47 مليار دولار في 2027 (سيأكلها التضخم) نابعين من رغبة في صناعة غطاء رقمي ومظهر اقتصادي باهر لأجل اعتبارات سياسية وترتيبات بقاء تبون و"علبته الرئاسية السوداء" في السلطة (كما تسمي نفسها) لأن الخروج منها مخاطره كبيرة قد تقود للسجن  رغم أن الدستور الجزائري واضح وقاطع بضرورة مغادرة الرئيس للسلطة بانتهاء عهدته الثانية والأخيرة بحلول عام 2029.

إننا نحذر بدافع المسؤولية الوطنية وبقلب يخاف على استقرار البلاد؛ فالاستمرار في هذه السياسة الاقتصادية الانتحارية يقود الجزائر عمليا إلى الإفلاس وعدم القدرة حتى تأمين دفع الأجور، مع ارتباط مداخيل البلاد بأسعار النفط والغاز المتأرجحة ومع تراجع حتى قدرات البلاد الإنتاجية.

وبلغة الأرقام الرئيس تبون نفسه يتوقع مدخولا سنويا بـ50 مليار دولار، أي ما يعادل تغطية بالكاد واردات البلاد المخنوقة أصلا، فما بالك بميزانية بـ136 مليار دولار، ميزانية وزارة الدفاع لوحدها تصل 25 مليار دولار.

 لقد حان الوقت لوضع حد لهذا العبث وإعادة ترتيب بيت جزائرنا الحبيبة بما يليق بها وبتاريخها وإمكاناتها وتطلعات شعبها وقواها الحية، بإصلاح حقيقي وتغيير توافقي مبني على الشرعية الشعبية يفتح الآفاق ويعيد الأمل لجزائر تسع الجميع، ويمكن أن يغتنم الرئيس تبون نفسه فرصة الخروج من باب الواسع للتاريخ، وبضمانات حتى، بالإشراف على هذا الانتقال الديمقراطي التوافقي، وحتى التدريجي، وبدور فعال من منطلق صون وحماية الأمن القومي، للمرجع الفعلي للحكم في البلاد، الجيش الوطني الشعبي.

أختم مقالي هذا بالقول:"اللهم أني بلغت.. وحفظ الله الجزائر وطناً وشعباً".

*كاتب جزائري مقيم في لندن


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)