تقول العبارة التي تصدرت الصحف
المصرية على لسان رئيسها "مفيش
عسكرة للدولة.. ده مسار جاد ومعايير موحدة". والعبارة، بصرف النظر عن سياقها،
تستحق أن تُناقش بعيداً عن الانفعال والشعارات. فالسؤال الحقيقي ليس: هل يوجد ضابط
في منصب مدني؟ ولا: هل تشارك القوات المسلحة في مشروعات تنموية؟ وإنما السؤال
الأعمق هو: إلى أي مدى اتسع دور المؤسسة العسكرية داخل المجال السياسي والاقتصادي
والإداري والقضائي والتعليمي للدولة المصرية منذ 2013؟ وهل أصبح هذا الدور
استثنائياً مؤقتاً، أم تحول إلى بنية مؤسسية مستمرة؟ وهذا سؤال يمكن الإجابة عنه
بالوقائع والقوانين والسياسات، لا بالمواقف السياسية.
العسكرة ليست مجرد وجود عسكريين في المناصب
من الأخطاء المنهجية اختزال مفهوم عسكرة الدولة في عدد
اللواءات الذين أصبحوا محافظين أو وزراء، والأمر ليس هكذا، فالعسكرة في معناها
المؤسسي الأوسع يمكن أن تظهر عندما تمتد المؤسسة العسكرية إلى وظائف كانت تقليدياً
من اختصاص المؤسسات المدنية: الإدارة،
الاقتصاد، البنية التحتية، التعليم، الأمن
الداخلي، القضاء وإدارة أصول الدولة..
ومن هذه الزاوية، فإن النقاش المصري أكثر تعقيداً من مجرد
السؤال: "هل يحكم العسكريون أم المدنيون؟". فالدور العسكري المصري له
جذور تعود إلى تأسيس الجمهورية بعد 1952، لكن دراسات متخصصة ترى أن 2013 مثّل نقطة
تحول في نطاق وحجم هذا الدور، خصوصاً مع وصول عبد الفتاح السيسي إلى الرئاسة في
2014.
من حارس الدولة إلى شريك في إدارة الدولة
عندما يصبح النموذج العسكري حاضراً بصورة متزايدة في اختيار وتأهيل الكوادر المدنية، فإن ذلك يستحق الدراسة باعتباره تحولاً في الثقافة الإدارية للدولة
الوظيفة الأصلية للجيوش في الدول الحديثة واضحة وهي
الدفاع عن الدولة وسيادتها وأمنها القومي، لكن الحالة المصرية بعد 2013 شهدت اتساعاً
واضحاً في الوظائف التي تقوم بها مؤسسات عسكرية، فالمؤسسة العسكرية أصبحت حاضرة في
مشروعات الطرق والكباري والإسكان والمدن الجديدة والزراعة واستصلاح الأراضي
والتعدين وغيرها من الأنشطة الاقتصادية.
وتشير دراسة حديثة لمركز كارنيغي إلى أن هذا الدور تطور
من المشاركة المكثفة في مشروعات الإنشاءات العامة خلال 2014-2019؛ إلى نموذج أوسع
يقوم بدرجة كبيرة على إدارة أصول الدولة وتسييلها واستثمار الأراضي إلى جانب
استمرار نحو مئة شركة عسكرية مسجلة في أنشطة تجارية مختلفة. وهنا لا تكمن القضية
في كون الجيش "يبني طريقاً"، القضية هي من يضع قواعد السوق؟ ومن يمتلك
الأرض؟ ومن يحصل على العقد؟ ومن يراقب التنفيذ؟ ومن يحاسب؟ فكلما اجتمعت هذه
الوظائف في مؤسسات مرتبطة بالسلطة التنفيذية والمؤسسة العسكرية، أصبح الحديث عن
تداخل الدولة العسكرية والاقتصاد مشروعاً من الناحية التحليلية.
الاقتصاد: عندما تصبح المؤسسة العسكرية لاعباً في السوق
ربما يكون الاقتصاد هو أوضح المجالات التي يمكن من خلالها
قياس التحول، فالدراسات المتخصصة ترصد توسع النشاط الاقتصادي للمؤسسات العسكرية في
قطاعات متعددة إلى جانب إدارة مشروعات البنية الأساسية وأصول وأراضي الدولة، كما
تشير إلى أن هذا التوسع يؤثر في البيئة التي يعمل فيها القطاع الخاص بسبب حجم
المشروعات الحكومية والموقع الذي تحتله الجهات العسكرية في تنفيذها. وهنا ينبغي
تجنب المبالغة المقابلة أيضاً، فلا توجد وفق الدراسة الحديثة التي راجعتها أدلة
تسمح بالقول إن الجيش يملك معظم الاقتصاد المصري، بل تشير إلى أن حجمه المباشر في
الاقتصاد أقل بكثير مما يتردد أحياناً في الخطاب السياسي.
لكن القضية الأكثر أهمية ليست النسبة من الناتج المحلي، القضية
هي النفوذ الاقتصادي والمؤسسي. أي قدرة جهة ما على التأثير في تخصيص الأراضي، المشروعات العامة، التعاقدات، الاستثمار، البنية التحتية، قواعد
المنافسة، الوصول إلى الموارد.. وهذا
فرق مهم جداً بين حجم النشاط الاقتصادي وحجم القوة الاقتصادية.
عندما تدخل الأكاديمية العسكرية إلى الوظيفة المدنية
هنا نصل إلى واحدة من أكثر النقاط دلالة في عام 2023، إذ
أعلنت الرئاسة المصرية أن اختبارات المتقدمين لوظائف في وزارة التربية والتعليم
تُجرى بالتعاون مع الأكاديمية العسكرية المصرية، كما شهد الرئيس اختبارات
المتقدمين لوظائف في هيئات تابعة لوزارة النقل بالتعاون مع الأكاديمية العسكرية. وتقول
الدولة إن الهدف هو رفع معايير اختيار الكوادر وتطوير الجهاز الإداري واستخدام
أساليب حديثة في التقييم والتأهيل، وهذا تفسير مؤسسي معلن ينبغي عرضه كما هو. لكن
من منظور آخر، يمكن طرح سؤال مشروع: هل أصبحت الأكاديمية العسكرية مجرد جهة تدريب متخصصة
أم بدأت تتحول إلى أحد مراكز إنتاج وتأهيل الكوادر المدنية للدولة؟
والفرق بين الأمرين كبير لأن الدولة المدنية الطبيعية
تحتاج إلى أن تكون لديها مدارسها الخاصة لإعداد الإدارة العامة مدارس الإدارة،
ومعاهد السياسات العامة، والجامعات، وأجهزة الخدمة المدنية. أما عندما يصبح
النموذج العسكري حاضراً بصورة متزايدة في اختيار وتأهيل الكوادر المدنية، فإن ذلك
يستحق الدراسة باعتباره تحولاً في الثقافة الإدارية للدولة.
التعليم ليس مجرد ملف إداري
المسألة تصبح أكثر دلالة عندما تتصل بالتعليم، فالرئاسة
بحثت في 2023 مع قيادة الأكاديمية العسكرية موضوعات تتعلق بتطوير الكوادر
التعليمية والمعلمين وتأهيل مديري المدارس. وفي كانون الثاني/يناير 2026 أعلن
الرئيس خلال زيارة للأكاديمية العسكرية أن هناك تفكيراً في إنشاء كليات عسكرية
متخصصة تدرس مواد مدنية مثل السياسة والاقتصاد والطب والهندسة.
مرة أخرى، يمكن للدولة أن تبرر ذلك برفع مستوى التعليم
والتخصص.. لكن السؤال الاستراتيجي يبقى: هل نحن أمام تطوير للتعليم العسكري، أم
أمام توسيع المجال الذي تتولى فيه المؤسسة العسكرية إنتاج المعرفة والكوادر في
تخصصات مدنية؟ هذه ليست مسألة تقنية صغيرة لأن المؤسسة التي تُنتج الكوادر لا تؤثر
فقط في الموظفين وإنما تساهم في تشكيل الثقافة المؤسسية للدولة.
القضاء العسكري: من الاستثناء إلى نطاق أوسع
أكثر الملفات حساسية هو العلاقة بين المؤسسة العسكرية
والقضاء المدني. في 2014 صدر القانون رقم 136 بشأن تأمين وحماية المنشآت العامة
والحيوية، واستخدمت السلطات المصرية بموجبه في السنوات التالية لإحالة مدنيين إلى
القضاء العسكري. وفي 2024 صدر القانون رقم 3 بشأن تأمين وحماية المنشآت والمرافق
العامة والحيوية ومنح أفراداً عسكريين مشاركين في مهام محددة صلاحيات ضبط، كما نص
على اختصاص القضاء العسكري بجرائم مرتبطة بالمرافق والمنشآت الحيوية وفق نطاق
القانون.
وتقول الحكومة إن حماية المنشآت الحيوية ومواجهة
التهديدات الأمنية تستلزم هذه الصلاحيات، بينما ترى منظمات حقوقية ومنها "هيومان
رايتس ووتش" أن هذه التشريعات وسعت سلطة الجيش على وظائف مدنية ووسعت نطاق
محاكمة المدنيين أمام القضاء العسكري. إذن نحن أمام تفسيرين متعارضين ينبغي
عدم الخلط بينهما: التفسير الرسمي: حماية المنشآت وتأمين الدولة، والتفسير
الحقوقي النقدي: توسيع نطاق الاختصاص العسكري على حساب المجال المدني. والوقائع القانونية نفسها هي التي تجعل
المسألة جديرة بالنقاش.
ولو نظرنا إلى كل واقعة منفردة، يمكن تقديم تفسير وظيفي
لها فالجيش يبني الطرق = كفاءة وسرعة والأكاديمية العسكرية تشارك في اختبار
الموظفين = رفع الكفاءة والجيش يحمي المنشآت = ضرورات أمنية والمؤسسات العسكرية
تستثمر = توفير موارد للدولة. لكن التحليل الاستراتيجي لا يدرس الواقعة منفردة إنما
يدرس تراكم الوقائع واتجاهها.
والمشكلة ليست في الجيش، وإنما في حدود الدور. وهذه نقطة يجب التأكيد عليها حتى لا يتحول النقاش إلى
خصومة مع المؤسسة العسكرية، فالجيش مؤسسة وطنية ووظيفته الدفاع عن الدولة وحماية
أمنها القومي، لكن قوة الجيش نفسها تتطلب وجود حدود مؤسسية واضحة بين الدفاع الوطني
والإدارة المدنية والنشاط الاقتصادي والعمل السياسي والقضاء المدني، فالدولة
القوية ليست الدولة التي تدخل فيها المؤسسة العسكرية في كل شيء بل الدولة التي
تكون فيها كل مؤسسة قوية داخل اختصاصها.
لماذا تعتبر المسألة الاقتصادية بالذات خطيرة؟
لأن الاقتصاد لا يعمل بالقوة وحدها الاقتصاد يحتاج إلى
المنافسة والشفافية وتكافؤ الفرص والمحاسبة والمعلومات واستقلال القرار الاقتصادي،
وعندما تدخل مؤسسة تتمتع بمكانة استثنائية داخل الدولة إلى السوق، فإن السؤال
يصبح: هل تخضع هذه المؤسسة للقواعد نفسها التي يخضع لها منافسوها المدنيون؟ وهذا
السؤال ليس مصرياً فقط، بل هو أحد الأسئلة المركزية في أدبيات العلاقات المدنية-العسكرية.
وتشير دراسة كارنيغي لعام 2026 إلى أن الدولة المصرية ما
زالت تشهد تفاوتاً في بيئة المنافسة، وأن المؤسسات العسكرية تشكل جزءاً من منظومة
اقتصادية أوسع تؤثر في شروط عمل القطاع الخاص.
المفارقة الكبرى: الدولة المدنية تحتاج إلى جيش قوي.. لكنها لا تحتاج إلى
جيش يدير كل شيء
الدولة تحتاج إلى جيش قوي لكن قوة الجيش لا تعني بالضرورة اتساع وظائفه المدنية، بل قد يكون من علامات قوة الدولة أن يستطيع الجيش العودة إلى وظيفته الأساسية بينما تمتلك الدولة المدنية مؤسسات قوية
هنا تكمن المفارقة: الدولة تحتاج إلى جيش قوي لكن قوة
الجيش لا تعني بالضرورة اتساع وظائفه المدنية، بل قد يكون من علامات قوة الدولة أن
يستطيع الجيش العودة إلى وظيفته الأساسية بينما تمتلك الدولة المدنية مؤسسات قوية؛
تستطيع أن تبني الطرق وتدير الاقتصاد والتعليم والصحة والقضاء والإدارة المحلية وتضع
السياسات العامة بكفاءة
مستقلة عن المؤسسة العسكرية.
إذن.. هل "مفيش عسكرة للدولة"؟ الإجابة لا ينبغي أن تكون شعاراً مضاداً لشعارن هناك
بالفعل توسع موثق في الدور العسكري داخل قطاعات مدنية منذ 2013، وهذا التوسع يشمل
الاقتصاد والمشروعات العامة وبعض وظائف الإدارة والتعليم وحماية المنشآت، إلى جانب
امتداد اختصاص القضاء العسكري في نطاقات حددتها القوانين. لكن هذا لا يعني أن "الدولة
المصرية كلها أصبحت عسكرية" بالمعنى الحرفي، ولا أن كل مؤسسة مدنية أصبحت
تابعة للمؤسسة العسكرية والفرق بين العبارتين مهم جداً؛ الأدق أن نقول" إن
مصر شهدت منذ 2013 اتساعاً ملحوظاً ومستمراً في الدور المؤسسي للقوات المسلحة داخل
مجالات كانت تقليدياً مدنية، وأن هذا التوسع أصبح أحد السمات الأساسية للنموذج
السياسي والاقتصادي والإداري القائم.
الخلاصة:
المسألة ليست "عسكرة أم لا؟"، السؤال
الأعمق هو: أين تنتهي الدولة المدنية وأين يبدأ الدور العسكري؟ ويمكن
قياس الإجابة عبر خمسة مؤشرات:
*
المؤشر السياسي: من يملك القرار النهائي في القضايا السياسية الكبرى؟
* المؤشر الاقتصادي: هل تتنافس المؤسسات العسكرية مع
القطاع الخاص وفق قواعد متكافئة؟
* المؤشر الإداري: هل تنتج الدولة كوادرها المدنية عبر
مؤسسات مدنية مستقلة؟
* المؤشر القانوني: ما حدود اختصاص القضاء العسكري
بالنسبة للمدنيين؟
* المؤشر الثقافي هل أصبح النموذج العسكري معياراً عاماً
لإدارة الدولة والمجتمع؟
إذا اتسعت الإجابة في الاتجاه العسكري في المجالات الخمسة
معاً، فنحن لا نتحدث عن "وجود عسكري في الحياة المدنية" فحسب، وإنما عن
إعادة تشكيل للعلاقة بين المؤسسة العسكرية والدولة. وهنا تصبح الصورة التي تحمل
عنوان "مفيش عسكرة للدولة" بداية النقاش، لا نهايته.
فالقضية ليست أن الجيش يبني طريقاً، ولا أن ضابطاً أصبح
مسؤولاً مدنياً؛ القضية هي: من يبني قواعد الدولة نفسها؟ ومن يضع حدود الاختصاص
بين المؤسسة العسكرية والمؤسسات المدنية؟ وهذا هو السؤال الذي يستحق أن يُطرح
بهدوء، وبالأرقام والقوانين والوقائع، بعيداً عن التخوين والتبرير معاً.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.