من وهم الثروة إلى صناعة القوة.. "الإبرة التي ما زلنا نبحث عنها"

محمد زويل
"الخطر الحقيقي يبدأ عندما تستورد المعرفة التي تصنع الآلة، والمهارات التي تطورها، والنظام الذي يديرها، والشركة التي تسوقها"- جيتي
"الخطر الحقيقي يبدأ عندما تستورد المعرفة التي تصنع الآلة، والمهارات التي تطورها، والنظام الذي يديرها، والشركة التي تسوقها"- جيتي
شارك الخبر
هناك سؤال يبدو بسيطاً، لكنه إذا أُخذ بجدية يمكن أن يفتح واحداً من أكثر الملفات إزعاجاً في عالمنا العربي: كيف يمكن لدولة أن تملك النفط والغاز والمياه والأرض والسوق والموقع الجغرافي وملايين الشباب، ثم تجد نفسها عاجزة عن إنتاج أبسط احتياجاتها؟ وفي المقابل، كيف تستطيع دولة صغيرة المساحة، محدودة الموارد الطبيعية، أن تتحول إلى مركز عالمي للتجارة والمال والخدمات والتكنولوجيا؟ ثم يأتي السؤال الأكثر استفزازاً: لماذا نستطيع أن نبني برجاً يناطح السماء، لكننا لا نستطيع بالضرورة أن نبني المصنع الذي يصنع الإبرة؟ لا أظن أن الإجابة الصحيحة هي: "لأنهم لا يريدون لنا أن نتقدم"، كما لا أظن أن الإجابة المقابلة: «لأننا لا نملك الموارد"؛ الحقيقة أكثر قسوة.. فالمشكلة ليست في ندرة الموارد، وإنما في ندرة القدرة على تحويل الموارد إلى قيمة. وهذه هي المعضلة التي ينبغي أن تشغلنا.

الإبرة ليست إبرة

دعونا نتفق أولاً على شيء مهم؛ ليس المقصود بالإبرة أن نتحول إلى دولة تصنع كل شيء، فلا توجد دولة حديثة تنتج كل ما تحتاج إليه، والاستيراد ليس عيباً والانفتاح على العالم ليس ضعفاً، بل إن الاقتصاد الحديث يقوم أساساً على التخصص وتقسيم العمل وسلاسل القيمة العالمية، لكن هناك فرقاً بين أن تختار أن تستورد، وأن تضطر إلى الاستيراد لأنك فقدت القدرة على الإنتاج.

الفرق بين الاثنين هو الفرق بين الاقتصاد القوي والاقتصاد التابع؛ الدولة القوية تقول أستورد لأن هذا أكثر كفاءة، أما الدولة الهشة فتقول أستورد لأنني لا أستطيع أن أصنع. وهنا تصبح "الإبرة" رمزاً لا لمنتج بعينه، وإنما لالقدرة الوطنية على الإنتاج والتعلم والتطوير والمنافسة.

البرج يمكن شراؤه.. أما المنظومة فلا
الفرق بين الاقتصاد القوي والاقتصاد التابع؛ الدولة القوية تقول أستورد لأن هذا أكثر كفاءة، أما الدولة الهشة فتقول أستورد لأنني لا أستطيع أن أصنع. وهنا تصبح "الإبرة" رمزاً لا لمنتج بعينه، وإنما لالقدرة الوطنية على الإنتاج والتعلم والتطوير والمنافسة

قد تستطيع دولة أن تبني أعلى برج في العالم، تستطيع أن تستعين بشركة هندسية عالمية تشتري المعدات وتستقدم الخبراء تستورد التكنولوجيا وتدفع التكلفة فتظهر النتيجة أمام العالم، لكن الاقتصاد الحقيقي لا يُقاس فقط بما تستطيع أن تشتريه، بل بما تستطيع أن تنتجه وتطوره وتصدره وتكرر إنتاجه دون الاعتماد الدائم على الآخرين.

يمكن شراء التكنولوجيا لكن لا يمكن شراء القدرة التكنولوجية بالمعنى الكامل، يمكن استقدام خبير لكن لا يمكن استيراد منظومة المعرفة إلى الأبد، يمكن بناء مصنع لكن بناء سلسلة توريد محلية حوله يحتاج إلى سنوات يمكن شراء طائرة بملايين؛ لكن صناعة الطائرة تحتاج إلى تراكم معرفي ومؤسسي وصناعي طويل. وهنا تحديداً يكمن الفرق بين مشروع كبير واقتصاد قوي.

الثروة الطبيعية: نعمة أم لعنة؟

النفط ليس المشكلة والغاز ليس المشكلة والموارد الطبيعية ليست المشكلة؛ المشكلة تبدأ عندما تتحول الموارد إلى بديل عن بناء الإنسان والمؤسسة، وعندما تصبح الدولة قادرة على تمويل نفقاتها من بيع مورد طبيعي، قد تتراجع الحاجة الملحة إلى بناء اقتصاد إنتاجي واسع، فتصبح المعادلة نبيع المورد- نحصل على الدولار- نستورد ما نحتاج إليه. وتبدو الحياة جيدة ما دام سعر المورد مرتفعاً، لكن ماذا يحدث عندما يتراجع السعر؟ أو ينخفض الطلب؟ أو تتغير التكنولوجيا؟ أو يصبح العالم أقل اعتماداً على المورد؟ هنا تظهر الحقيقة؛ لقد امتلكنا الثروة، لكننا لم نبنِ بالضرورة القدرة.

الشباب ليسوا ثروة تلقائياً

كثيراً ما نفتخر بأن لدينا عشرات الملايين من الشباب، وهذا صحيح من حيث الإمكانات، لكن عدد السكان لا يصنع القوة الاقتصادية وحده.. الشباب يصبح ثروة عندما يتحول إلى: تعليم + مهارة + إنتاجية + ابتكار + عمل + مؤسسة، وإلا فإنه يتحول إلى ضغط على التعليم والصحة والسكن والوظائف والخدمات والمالية العامة. ولهذا فإن السؤال الصحيح ليس: كم شاباً لدينا؟ بل: ماذا يستطيع هؤلاء الشباب أن يصنعوا؟ كم مهندساً قادراً على تصميم منتج جديد؟ كم باحثاً ينتج معرفة؟ كم مبرمجاً يستطيع بناء شركة عالمية؟ كم فنياً يستطيع تشغيل مصنع متقدم؟ كم شركة محلية قادرة على التصدير؟ كم براءة اختراع؟ كم منتجاً عربياً يستطيع منافسة منتج عالمي؟ هنا تتحول الكتلة السكانية إلى رأس مال بشري.

سنغافورة لم تنتصر على الجغرافيا.. بل استثمرتها

يُستشهد كثيراً بسنغافورة باعتبارها دولة صغيرة لا تملك موارد طبيعية ضخمة لكن الدرس الحقيقي من سنغافورة ليس أنها "دولة صغيرة أصبحت غنية" الدرس هو أنها فهمت مبكراً أن عليها أن تبني قوتها حول ما تستطيع أن تكون فيه استثنائية.

الموقع الجغرافي أصبح مركزاً تجارياً، الميناء أصبح منصة عالمية، التعليم أصبح أداة لصناعة رأس المال البشري، المؤسسات أصبحت جزءاً من الميزة التنافسية، الاقتصاد أصبح مرتبطاً بشبكات التجارة والاستثمار العالمية؛ أي أنها لم تسأل: ماذا نملك تحت الأرض؟ بل سألت: ماذا نستطيع أن نبني فوق الأرض؟ وهذا فارق فلسفي قبل أن يكون اقتصادياً.

لكن هل الخارج بريء؟

لا. وهنا يجب أن نكون منصفين، فالعالم ليس سوقاً مثالياً والقوة الاقتصادية، والسياسية متشابكتان، والدول الكبرى تحمي مصالحها، والشركات العالمية تحاول الحفاظ على تفوقها، والتكنولوجيا ليست موزعة بالتساوي، والمُلكية الفكرية تحمي المعرفة، وسلاسل التوريد العالمية تمنح بعض الدول نفوذاً أكبر من غيرها، كما أن التاريخ الاستعماري ترك آثاراً عميقة في كثير من الاقتصادات النامية. إذن نعم: هناك نظام دولي غير متكافئ، لكن الاعتراف بذلك لا يعفينا من سؤال آخر: ماذا فعلنا نحن بهذه القيود؟

وهنا يجب أن نرفض نوعين من التفكير: تفكير يقول إن كل شيء مؤامرة خارجية، وتفكير آخر يقول إن العالم عادل تماماً وأن الفشل سببه الداخلي وحده. كلاهما تبسيط، والحقيقة أن الخارج يضع قيوداً، لكن الداخل يحدد إلى حد كبير قدرتك على التعامل معها.

أخطر ما يمكن أن نستورده هو المستقبل

يمكن للدولة أن تستورد الغذاء ويمكن أن تستورد الآلات ويمكن أن تستورد السيارات، لكن الخطر الحقيقي يبدأ عندما تستورد المعرفة التي تصنع الآلة، والمهارات التي تطورها، والنظام الذي يديرها، والشركة التي تسوقها، عندها لا تصبح مستورداً لسلعة بل تصبح مستورداً للقيمة المضافة بأكملها. وهنا يمكن فهم لماذا تبقى بعض الدول في الحلقة الأضعف من الاقتصاد العالمي؛ تبيع المادة الخام ويشتريها الآخر ثم يحولها إلى منتج ثم يبيع المنتج بسعر أعلى ثم يعيد الاستثمار في المعرفة والتكنولوجيا ثم يطور منتجاً جديداً ثم يبيع لنا النسخة الجديدة منه.. وهكذا تدور الدائرة.

لماذا نحب المشروعات العملاقة؟

لأن المشروع العملاق مرئي؛ يمكن تصويره، يمكن افتتاحه، يمكن وضعه على شاشات التلفزيون، يمكن قياسه بالكيلومترات والمليارات والأبراج والمطارات. أما بناء جامعة بحثية ممتازة أو منظومة ابتكار أو صناعة دوائية تنافسية، أو شركة تكنولوجيا عالمية، أو نظام تدريب مهني عالي الكفاءة، فهذه مشروعات لا تظهر نتائجها في يوم الافتتاح.. إنها تحتاج إلى: سنوات ورقابة وصبر وتقييم وتراكم ومؤسسات.. وهنا تكمن مشكلة التنمية في كثير من الدول: نميل إلى الاستثمار في الأشياء التي يمكن افتتاحها، أكثر من الاستثمار في الأشياء التي تحتاج إلى عقود كي تُثمر.

السؤال الذي يجب أن يغير طريقة تفكيرنا

بدلاً من أن نسأل لماذا لا نصنع الإبرة؟ علينا أن نسأل سلسلة كاملة من الأسئلة: من يصمم الإبرة؟ من يصنع آلات إنتاجها؟ من ينتج المادة الخام؟ من يطور مواصفاتها؟ من يختبر جودتها؟ من يمول المصنع؟ من يدرب العمال؟ من يحمي الابتكار؟ من يفتح الأسواق الخارجية؟ من يبني العلامة التجارية؟ من يصدرها؟ ومن يستطيع بعد عشر سنوات أن يصنع إبرة أفضل من الإبرة التي نصنعها اليوم؟ هنا ننتقل من اقتصاد السلعة إلى اقتصاد المنظومة وهذا هو جوهر القضية.

كان يمكن لدولة في القرن العشرين أن تصبح قوية لأنها تمتلك النفط، لكن العالم يتحرك نحو نموذج مختلف، فالقوة تتوزع اليوم بين المعرفة والبيانات والذكاء الاصطناعي والرقائق والطاقة والتكنولوجيا الحيوية والصناعات المتقدمة والتمويل واللوجستيات والشبكات العالمية. لذلك فإن السؤال الاستراتيجي للدول العربية يجب ألا يكون: كم برميلاً ننتج؟ فقط، بل: كم قيمة نضيف إلى كل برميل؟ وكم معرفة ننتج؟ وكم تكنولوجيا نملك؟ وكم شركة عربية تستطيع أن تنافس عالمياً؟ وكم منتجاً نستطيع تصديره بدلاً من تصدير المادة الخام؟

من اقتصاد الريع إلى اقتصاد القدرة
ليست المشكلة أن الآخرين أقوياء؛ المشكلة أن قوتهم تقوم على منظومات متراكمة من المعرفة والإنتاج والمؤسسات، بينما ما زالت بعض دولنا تتعامل مع الثروة باعتبارها غاية، لا باعتبارها وسيلة لبناء القدرة

المطلوب ليس إغلاق الحدود وليس إعلان الحرب على الاستيراد، وليس وهْم الاكتفاء الذاتي الكامل.. المطلوب هو الانتقال من اقتصاد يعتمد على الإيراد (ريعي) إلى اقتصاد يعتمد على الإنتاج، ومن استهلاك التكنولوجيا إلى إنتاج التكنولوجيا، ومن استيراد المعرفة إلى إنتاج المعرفة، ومن بيع الموارد إلى بيع المنتجات والخدمات ذات القيمة المضافة، ومن مشروعات منفردة إلى منظومات إنتاجية متكاملة.

في النهاية، لا أظن أن الإبرة هي القضية الإبرة مجرد مرآة.. هي مرآة تكشف لنا سؤالاً أكثر عمقاً: هل نحن دول تملك الأشياء، أم دول تملك القدرة على صناعة الأشياء؟ هل نملك النفط فقط، أم نملك صناعة الطاقة؟ هل نملك الشباب فقط، أم نملك اقتصاداً قادراً على تحويلهم إلى قوة إنتاجية؟ هل نبني الأبراج فقط، أم نبني الجامعات والمختبرات والشركات التي ستبني اقتصاد الغد؟ هل نستورد التكنولوجيا إلى الأبد، أم نستخدم الاستيراد اليوم كي نبني القدرة على الإنتاج غداً؟

وهنا يجب أن نكون أكثر شجاعة في مواجهة الحقيقة: ليست المشكلة أن الآخرين أقوياء؛ المشكلة أن قوتهم تقوم على منظومات متراكمة من المعرفة والإنتاج والمؤسسات، بينما ما زالت بعض دولنا تتعامل مع الثروة باعتبارها غاية، لا باعتبارها وسيلة لبناء القدرة. ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: "لماذا يسمحون لنا ببناء أطول برج ولا يسمحون لنا بصناعة إبرة؟"، بل: لماذا لا نبني الدولة التي تستطيع أن تصنع الإبرة، وتصنع الآلة التي تصنع الإبرة، وتنتج المعرفة التي تطور الإبرة، وتبني الشركة التي تصدر الإبرة إلى العالم؟ عندها لن يكون السؤال: من سمح لنا؟ بل: من يستطيع أن يمنعنا؟ وهنا بالضبط تبدأ السيادة الحقيقية.

فالدولة التي لا تستطيع إنتاج جزء معتبر من قوتها، تظل مهما امتلكت من الثروة، بحاجة إلى من يبيعها القوة. أما الدولة التي تنتج المعرفة والتكنولوجيا والسلع والخدمات ذات القيمة العالية فإنها لا تملك اقتصاداً أقوى فقط، بل تملك قراراً أكثر استقلالا ونفوذاً أكبر وقدرة أعلى على حماية مصالحها. وفي عالم لا يحترم إلا من يملك القدرة على الفعل لا يكفي أن نملك ثروات هائلة؛ علينا أن نتعلم كيف نحول الثروة إلى قدرة والقدرة إلى قوة والقوة إلى استقلال. وهذه هي الإبرة التي ما زلنا نبحث عنها.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)