هل ستُنهي "صولة الفجر" إمبراطوريات الفساد في العراق؟

قال مصرفي دولي إن الأحزاب في العراق بنت دولاً داخل الدولة - مكتب رئاسة وزراء العراق
قال مصرفي دولي إن الأحزاب في العراق بنت دولاً داخل الدولة - مكتب رئاسة وزراء العراق
شارك الخبر
بعد أن كانت حملة مكافحة الفساد الحدث الأبرز في العراق قبل أسابيع مضت، تراجع الملف سريعاً في سلم أولويات الشارع، لتتجه الأنظار نحو الموعد النهائي لنزع سلاح الفصائل، وسط مخاوف من فرض عقوبات أمريكية قد تفاقم الأوضاع الاقتصادية الهشة أصلاً.

في 28 حزيران/يونيو، أطلقت الحكومة العراقية برئاسة علي الزيدي، وبالتنسيق مع المجلس الأعلى للقضاء، حملة لملاحقة المتورطين واسترداد الأموال العامة.

اظهار أخبار متعلقة


أسفرت الحملة عن اعتقال العشرات من المسؤولين الحاليين والسابقين، والمشرعين، ورجال الأعمال، بمن فيهم شخصيات في قطاع النفط، فضلاً عن مداهمات في بغداد والعديد من المحافظات، أفضت إلى مصادرة أموال وممتلكات وأصول أخرى مرتبطة بتحقيقات الفساد.

الـ"كريبتو" عرقل محاكمات الزيدي

رغم إبداء بعض العراقيين شكوكهم في جدية ملاحقة المتنفذين الفاسدين، وحديث آخرين عن وجود انتقائية في اعتقال المتهمين، إلا أن حكومة الزيدي تؤكد في كل مناسبة أنها عازمة على مواصلة حملتها وعدم الالتفات للضغوط التي تواجهها.

وفي تطورٍ جديدٍ، كشف مسؤولون في النزاهة وأعضاء برلمان عن معلوماتٍ بشأن كبار المتهمين الذين ينتظرون المحاكمة بتهم فساد؛ وفقاً لموقع "964media" الإخباري، أن الصفقة لم تعد وفق "أرجع الأموال مقابل إطلاق سراحك"، بل امتدت إلى ضرورة الكشف عن المستفيد الأخير.
 
ووفق المعطى، فإن الأدلة تشير إلى أطراف مستفيدة من تلك الثروات الكبيرة غير المسؤول الفاسد أو عائلته، بل أبعد من ذلك، وهو ما يعزز اتهامات بأن المبالغ الضخمة جداً لم تكن لغرض شخصي بحت، بل إنها كانت تمول عمليات وُصفت بالـ"حساسة" خارج البلاد أحياناً، حسب وصف التقارير الدولية.

العراق غير مؤهل لتتبع بعض أساليب السرقات

أما التطور الآخر الذي تحدثت عنه المصادر وفق ما تناقلته وسائل إعلام عراقية، فهو تأخر التحقيقات والمحاكمات بسبب اكتشاف أساليب معقدة لإخفاء الأموال، حيث اتضح استخدام العملات المشفرة، وهو مستوى لم تتوفر بعد خبرة عراقية كافية لملاحقة العاملين به وتتبعهم.

وبحسب مسؤول مطلع، فإن غياب الربط الرقمي المتكامل بين الجهات الحكومية والمصارف وقواعد بيانات الملكية يزيد صعوبة مهمة ملاحقة المتورطين بملفات الفساد، في وقت تطورت فيه أساليب إخفاء الأموال بصورة كبيرة.

إذ لم تعد تقتصر عمليات نهب المال العام على الحسابات المصرفية أو شراء العقارات، وإنما امتدت إلى الشركات والأسماء البديلة والاستثمارات المختلفة، بل وحتى الأصول والعملات الرقمية المشفرة في بعض الحالات، سواء لحفظ القيمة أو لإبعاد الأموال عن طرق البحث التقليدية.

هل حملة مكافحة الفساد مؤقتة؟

تساءلت صحيفة "الغارديان" البريطانية عما إذا كانت الاعتقالات ومصادرة المضبوطات المالية التي نفذتها حكومة رئيس الوزراء علي الزيدي، ستؤدي فعلاً إلى تفكيك "إمبراطورية" الفساد وإضعاف دويلات قوى النهب داخل العراق.

وفي تقرير لها، ذكرت الصحيفة أن الاعتقالات بحق الفاسدين قوبلت بشماتة كبيرة من جانب العراقيين، الذين إذا كانوا يتفقون على مسألة ما، من مختلف الطوائف والأعراق والخلفيات الاجتماعية، فهي مدى فساد الأحزاب السياسية وجشع زعمائها وآخرين من رجال الأعمال وقادة الميليشيات.

كما ذكّر التقرير بتأكيد الزيدي، يوم تنصيبه، أن المسألتين الأكثر إلحاحاً هما "نزع سلاح الفصائل ومكافحة الفساد من دون خطوط حمراء"، مبيناً أنه في ظل خلو خزينة الدولة تقريباً بعد التعطل الكبير في الصادرات النفطية بسبب الحرب مع إيران، فإن هاتين المسألتين مترابطتان، وتهددان الدولة نفسها.

وأشار إلى أن الزيدي، مثل رئيس الوزراء الذي سبقه، والشخص الذي سبقه، أعلنا الكشف عن شبكات فساد واسعة، لكنهما انتهيا من منصبيهما وهما غارقان في اتهامات فساد خاصة بهما، بينما بقيت الخدمات العامة في البلد في حالة خراب.

ونقل التقرير عن مصدر مطلع قوله إن "هذا ليس مجرد شيء يفعله كل رئيس وزراء، هذا غير مسبوق، وهو زلزال حقيقي داخل الأوساط السياسية، لأنه إشارة إلى كل السياسيين حول ما يمكن أن يحدث لهم"، موضحاً أن الذي يجري هو أن رئيس وزراء يحاول تفكيك الإمبراطوريات المالية للأحزاب.

الأحزاب بنت دويلات داخل الدولة

وأضاف أنها إمبراطوريات قائمة على الفساد وواضحة، ومتورط فيها كل سياسي بلا استثناء، مبيناً أنه عندما تختار أربعة أو خمسة منهم وتضرب، فإنك بذلك ترسل رسالة إلى الجميع بأن ما حدث لهؤلاء الأشخاص يمكن أن يحدث لكم جميعاً.

ونقل التقرير عن مصرفي دولي، عُيّن من قبل حكومة سابقة للمساعدة في تنظيف النظام، مؤكداً أن الأحزاب بنت دويلات داخل الدولة، ومن المحتمل أن يكون لدينا سبع أو ثماني دويلات صغيرة تستحوذ على ما بين 5 بالمئة و10 بالمئة من كل عقد حكومي.

ووفقاً للمطلعين على الحكومة، فإن الأمريكيين، الذين سئموا من التعامل مع سياسيين يفشلون في تحقيق أي إصلاحات، قد بنوا علاقة بدلاً من ذلك مع القضاء العراقي، حيث لعب المبعوث توم باراك دوراً نشطاً، بتشجيع من تصريحات القضاء الحازمة بشكل متزايد بشأن احتكار الدولة للسلاح.

وأضاف التقرير أنه طوال شهور، بحث المحققون عن قضية فساد يمكن الكشف عنها علناً، وكان التحدي يتمثل في العثور على شخصية من شأنها، عند الكشف عنها، أن تتصدر عناوين الصحف محليًا ودوليًا، مع ضمان ألا تؤدي تداعيات القضية إلى إسقاط النظام السياسي بأكمله.

 لا توجد ضمانات بأن الفساد سينتهي

وبين أحد المسؤولين: "أنت لا تعرف، في نهاية الأمر، إذا واصلت الضغط على هذه الأحزاب، فماذا قد تفعل الفصائل المسلحة؟ وماذا قد تفعل إيران؟"، مشيراً إلى أن "القضية لمست عصباً حساساً للأميركيين، على وجه التحديد، وهو الجانب المتعلق بتهريب النفط".

وأكد المصدر الحكومي: "فكرة أن الأطراف تعتاش على الحصص التي تتلقاها من الدولة ومن خلال المشاريع واللجان وما إلى ذلك، يجب أن تنتهي، ويجب إغلاق هذا الفصل. وأعتقد أن هذا هو أهم شيء يمكن أن يحدث في تاريخ العراق الحديث".

وأوضح المصدر أن الإتيان بالزيدي، أو على الأقل الدعم الذي يحصل عليه من الولايات المتحدة والقضاء، جرى حسابه على وجه التحديد من أجل هذه اللحظة، فهو شخص لديه خبرة ومعرفة كافية بالآليات المشاركة في توجيه الأموال وتهريبها خارج الدولة.

ونقلت الصحيفة عن مصادر مطلعة قولها: "لا توجد ضمانات بأن الفساد سينتهي، وأن الأحزاب ستتوقف عن نهب الدولة.. لكن ما نسمعه هو أن هناك حقاً رغبة حكومية وقضائية في إنهاء مرحلة معينة وبدء مرحلة جديدة، تكون فيها الأمور طبيعية".

وختم التقرير بالتساؤلات التالية: "هل ستحقق هذه الحملة ضد الفساد أي نتائج جوهرية؟ أم أنها ستظهر، في أحسن الأحوال، كعملية تجميلية أخرى، إن لم تكن حالة تسوية سياسية؟ وكيف يمكن للعراق أن يصبح دولة طبيعية قادرة على إجراء إصلاح، بينما يجلس على خط صدع إقليمي؟
 

"الكشف بضغطة زر".. العراق متأخر عن العالم

بدوره، قال رئيس هيئة النزاهة العراقية الأسبق موسى فرج إن “أدوات التحقيق التقليدية في العراق لا تزال تعتمد بدرجة كبيرة على التحري، وكشوف الذمة المالية، وبيانات ديوان الرقابة والمخاطبات مع المؤسسات المختلفة”.

اظهار أخبار متعلقة


ويؤكد فرج غياب الأتمتة والربط الشامل بين قواعد البيانات التي يحتاج إليها المحقق، مستذكراً محاولات سابقة للاستعانة بخبرات بريطانية لتطوير الأتمتة، لكنه يقول إن مثل هذه المشاريع واجهت مقاومة، ويربط ذلك بمصالح مستفيدين من بقاء النظام الرقابي بصورته التقليدية.

ويتابع المسؤول الذي ترأس هيئة النزاهة عامي 2007 و2008، أن "أنظمة مكافحة الفساد في العالم انتقلت إلى مرحلة مختلفة من التحقيق المالي، عبر الإقرار الإلكتروني للذمة المالية وربطه بقواعد بيانات أخرى، والمطابقة مع سجلات لإطلاق إشارات تظهر ثروة لا تتناسب مع الدخل المعلن".
التعليقات (0)