في تطور قضائي لافت، أصدرت المحكمة الجنائية
العراقية أحكاماً بالسجن 15 عاماً بحق مدانين باستهداف سفارة واشنطن في بغداد، بالتزامن مع حكم مماثل بحق متهم بالمشاركة في خطف الصحفية الأمريكية
شيلي كيتلسون، المفرج عنها في نيسان الماضي.
وفتحت الأحكام العراقية الباب أمام تساؤلات بشأن طبيعة تعامل الدولة العراقية مع الاعتداءات التي تطال البعثات الدبلوماسية والمواطنين الأجانب، التي طالما تكررت، خصوصاً في مرحلة تمكن الفصائل المسلحة بعد اجتياح تنظيم الدولة للبلاد عام 2014.
ثلاثة تطورات
ورأى المحلل السياسي العراقي محمد نعناع، في حديث لـ"
عربي21"، أن صدور أحكام قضائية بحق متهمين بارتكاب أعمال عنف واستهداف مصالح أجنبية يمثل "تقدماً واضحاً في تطبيق القانون"، مشيراً إلى أن هذه الأحكام تعكس تحولاً في تعامل الدولة مع هذا النوع من الملفات.
اظهار أخبار متعلقة
وأوضح نعناع أن الأحكام تشير إلى ثلاثة تطورات رئيسية، أولها "وجود تنسيق واضح بين الحكومة والقضاء"، واتجاه القضاء إلى دعم توجهات السلطة التنفيذية في فرض القانون ومواجهة الجهات التي تهدد سيادة الدولة.
وأضاف أن التطور الثاني يتمثل في الاستجابة لمطالب عراقية واسعة بتطبيق القانون على الجميع دون تمييز، بعد فترة طويلة شهدت، بحسب رأيه، "اختلالاً في مبدأ التقاضي"، معتبراً أن البلاد تتجه حالياً نحو تحقيق قدر أكبر من التوازن في تطبيق القانون.
أما التطور الثالث، وفقاً لنعناع، فيرتبط بما قد تشهده الساحة العراقية بعد 30 أيلول/سبتمبر الجاري، إذ يرى أن الأحكام تأتي في إطار التمهيد لـ"مرحلة جديدة" يجري خلالها تحذير الجهات المسلحة من مغبة الاستمرار في ممارسة أي نشاط خارج إطار الدولة، بما يمهد لـ"تقليص قدرتها على التأثير".
ورأى نعناع أن القرارات الأخيرة للقضاء يمكن، "جزئياً"، اعتبارها مؤشراً على انتقال الدولة من مرحلة احتواء هذه الملفات سياسياً وأمنياً إلى التعامل معها باعتبارها قضايا قانونية تستوجب المحاسبة.
لكنه أشار في الوقت ذاته إلى أن الأحكام، رغم أهميتها، لا تزال تستهدف أشخاصاً من المستويات الدنيا في المجموعات المسلحة، ولا تطال، حتى الآن، من يوفر لهم الدعم أو التدريب أو يتولى توجيههم.
رسائل للخارج
وحول ما إذا كانت الأحكام تحمل رسائل للخارج، قال نعناع إن هذه القرارات "تنطوي على رسائل إلى الولايات المتحدة والمجتمع الدولي"، إلا أنه وصفها بـ"المحدودة"، بسبب اقتصارها على أشخاص من المستويات الدنيا في المجموعات المسلحة.
وأوضح نعناع أن واشنطن قد تنظر إلى هذه الإجراءات باعتبارها "خطوات إيجابية" من جانب مؤسسات الدولة العراقية، ولا سيما الحكومة والسلطة التنفيذية والقضاء.
لكن الخبير العراقي استبعد أن تكون كافية لتلبية المطالب الأمريكية والدولية المتعلقة بوجود مسار قانوني واضح يضمن تطبيق القانون الدولي والقوانين العراقية النافذة على الجهات المتورطة في أعمال تهدد سيادة الدولة.
ولفت إلى أن الاقتصار على محاسبة عناصر محدودة من المستويات الدنيا قد يجعل منهم "أكباش فداء" لمسؤولين أو جهات أكبر، إلا أنه أكد أن مجرد بدء المسار يمثل خطوة مهمة ومقبولة لدى شريحة واسعة من العراقيين، الذين يتفاعلون معها بإيجابية باعتبارها مؤشراً على تطبيق القانون.
وشدد على أن مجرد بدء هذا المسار، المتمثل في إصدار أحكام قضائية، من شأنه أن يدفع الجهات المتورطة إلى التحسب من تبعات أفعالها، ما قد يؤدي إلى تراجع حجم ونطاق الأنشطة التي كانت تمارسها مقارنة بما كان يحدث في السابق.
ولم تتطرق الأحكام القضائية إلى الجهات التي ينتمي إليها مستهدفو السفارة وخاطفو الصحفية الأمريكية، وهو ما أثار جدلاً واسعاً بشأن عدم الكشف عن الجهات التي وجهت هؤلاء لتنفيذ الاعتداءات.
تعافي الدولة
وفي هذا السياق، قال المحلل السياسي العراقي وائل حازم في حديث مع "
عربي21" إن الملاحظ في التعامل مع الجماعات المسلحة هو "نقلة أو حالة تعافٍ في القضاء العراقي".
وأشار حازم إلى أن القضاء تدخل في كثير من الأمور التي كان لا يتدخل فيها، معتبراً أن هذه القضية واحدة من مجموعة نقاط تسجل لصالح القضاء خلال الفترة الأخيرة.
وقال حازم إن القضاء أشار إلى أن مثل هذه العمليات "هي عمليات إرهابية، وأن منفذيها خارجون عن القانون"، وتوعد بملاحقتهم، قبل أن ينتقل من إصدار البيانات إلى ملاحقة المتهمين وإلقاء القبض عليهم ومحاكمتهم وإصدار أحكام بحقهم.
ورأى المحلل السياسي أن صدور أحكام قوية في هذه القضايا "يدل على أن القضاء متعافٍ، والقضاء المتعافي يقودنا إلى دولة متعافية".
وأكد الخبير العراقي أن القضاء "بدأ يأخذ زمام المبادرة مؤخراً"، معتبراً أن الدولة المتعافية "لن تسمح إلا بأن يكون احتكار السلاح والقرار الأمني والقرار الاقتصادي بيدها".
ووصف حازم هذه التطورات بأنها "رسائل إيجابية ومهمة"، وأنها تدل على أن العراق يتجه إلى أن يكون دولة قوية، على خلاف ما شهده في السنوات السابقة عندما كانت الدولة ضعيفة ولم تكن تملك زمام الأمور.
ورأى أن "التعافي الداخلي كافٍ لإرسال رسائل إلى أمريكا وغيرها، وإلى الدول المحيطة العربية"، مضيفاً أن العراق، من خلال ذلك، يبعث رسالة بأنه لم يعد "مصدر خطر"، و"البلد المشاكس"، الذي يقصف السعودية يوماً، والأردن يوماً آخر، وسوريا أيضاً.
وأشار حازم إلى أن هذا الأمر "قد يكون ما تريده أمريكا ودول الجوار"، لكنه شدد على أن تحقيقه في النهاية يمثل "المصلحة الداخلية للدولة العراقية".
ورداً على سؤال بشأن ما إذا كانت هذه الخطوات تمثل مغازلة لإدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، قال حازم إن الأمر لا يتعلق بالضرورة بالمغازلة، موضحاً أن "التعافي الداخلي هو الذي يجعل المحيط والمجتمع الدولي يحترمك، ويحسب لك حساباً، ويتعامل معك باعتبارك دولة حقيقية قوية".
ولفت إلى أن المرحلة السابقة، التي اتسمت بالحروب، شهدت اختلافاً بين ما تريده الدولة وما تريده الفصائل، وهو ما انعكس، بحسب رأيه، على الصورة الخارجية للعراق، قائلاً إن "الدولة لم تكن تملك زمام الأمور".
إعلان مؤجل
أما عدم ذكر الجهات التي ينتمي إليها المحكوم عليهم، ففسره حازم باعتباره "مؤشراً على وجود حالة تفاوضية مع فصائل مسلحة"، مشيراً إلى أن هؤلاء "بالتأكيد جزء من هذه الفصائل".
وقال الخبير السياسي إن هذه الحالة التفاوضية "لا تسمح لنا بأن نذهب بخطاب تصعيدي معهم"، لافتاً إلى أن العراق يقف أمام مهلة 30 يوماً، وأن "الشعب العراقي تعب من الدماء"، ولذلك لا يريد الذهاب باتجاه مواجهة عسكرية بين الدولة والفصائل.
وأوضح أن الدولة تسعى إلى أن تكون هناك "حوارات حقيقية" مع تلك الجهات، معتبراً أن الإفصاح عن أسماء الجهات التي يتبع لها المقبوض عليهم يمثل "حالة من حالات التصعيد"، وأن توقيت الكشف عنها ليس مناسباً في ظل استمرار الحوار.
اظهار أخبار متعلقة
ورأى حازم أن المشهد قد يتغير إذا اتخذت الفصائل المسلحة قراراً بعدم تسليم السلاح بعد 30 أيلول الجاري، قائلاً إنه في هذه الحالة "قد تسمع بيانات تصعيدية من الدولة"، سواء بخصوص من وصفهم القضاء بالجماعات الإرهابية الخارجة عن القانون، أو من خلال إصدار أوامر قبض بحقهم وملاحقتهم.
ولم يستبعد الخبير العراقي أن تتضمن البيانات الحكومية حينها أسماء الفصائل، لكنه شدد على أن عدم ذكرها في الوقت الحالي يرتبط بـ"الحالة الحوارية القائمة"، وأن عدم تسميتها بشكل صريح لا يعني بالضرورة غياب المعرفة بها، لذلك بعد 30 أيلول تتضح الصورة أكثر.