كيف توازن الإمارات بين إعادة علاقاتها مع إيران وشراكتها الأمنية بـ"إسرائيل"؟

أضافت الصحيفة أن الولايات المتحدة و"إسرائيل" تتصدران من منظور أبوظبي قائمة الأصدقاء الذين هبّوا لمساعدتها- جيتي
أضافت الصحيفة أن الولايات المتحدة و"إسرائيل" تتصدران من منظور أبوظبي قائمة الأصدقاء الذين هبّوا لمساعدتها- جيتي
شارك الخبر
نشرت صحيفة "فاينانشال تايمز" البريطانية تقريراً يتناول "مناورة الإمارات الجريئة" لإعادة بناء العلاقات الاقتصادية والدبلوماسية بهدوء مع إيران، بالتزامن مع تعزيز دفاعاتها وشراكاتها الأمنية مع "إسرائيل" والولايات المتحدة لحماية مكانتها كمركز إقليمي رائد.

وذكرت الصحيفة، في تقريرها الذي ترجمته "عربي 21"، أنّه بعد خمسة أشهر من إخلاء الحي المالي في دبي جراء تهديدات الطائرات المسيرة الإيرانية، عادت مكاتب ناطحات السحاب للعمل من جديد، واستأنفت السفن الشراعية والرحلات الجوية الإيرانية نشاطها، بالتزامن مع سماح السلطات بعودة نحو عشرين ألف مقيم إيراني، في مؤشرات واضحة على سعي الجانبين لتخفيف التوترات والعودة إلى مظاهر الحياة الطبيعية بعد أكبر أزمة تواجهها الدولة منذ استقلالها عام 1971.

وأضافت الصحيفة أنّ الإمارات كانت قد تحملت العبء الأكبر من هجمات طهران في الأشهر الأولى بتعرضها لنحو ثلاثة آلاف هجوم بالصواريخ والطائرات المسيرة، وردت الإمارات بعشرات الضربات، متخذة الموقف الأكثر تشدداً، لكنها تحولت منذ بداية تطبيق الهدنة الهشة في نيسان/ أبريل من مربع العداء إلى مسار التهدئة مع طهران.

وتعكس هذه الخطوة مزيجاً من البراغماتية والواقعية السياسية لدولة صغيرة الحجم وشديدة الطموح، والتي تسعى لتوظيف ثروتها النفطية لاكتساب نفوذ في المنطقة يفوق حجمها، مع إدراك متجدد بأنّها رهينة لموقعها الجغرافي، وهي الآن عازمة على حماية مكانتها كمركز رائد للسياحة والتجارة والمال في المنطقة.

وأوضحت الصحيفة أنّ مذكرة التفاهم التي وقعها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مع طهران الشهر الماضي لتمديد وقف إطلاق النار وإعادة فتح مضيق هرمز سرّعت خطوات الانفتاح الاقتصادي، إذ وافقت الإمارات على استئناف بعض التبادلات التجارية والرحلات الجوية مع إيران، بالتزامن مع انتعاش ملحوظ في صادرات النفط الإماراتية.

اظهار أخبار متعلقة


ويقر المسؤولون بأنّ محاولة الانتقال من حالة الحرب إلى سلام بارد تتسم بالهشاشة والمخاطر، وهو ما تجلى في تجدد التوترات بين واشنطن وطهران خلال الفترة الماضية، وإقدام إيران على استهداف ناقلتي نفط إماراتيتين في المضيق بعد إعلانها إعادة إغلاقه.

تابعت الصحيفة أنّه رغم هذه التطورات، فإنّ طهران لم تضرب الإمارات مباشرة في الآونة الأخيرة، مقارنة بدول أخرى مثل البحرين والكويت والأردن والسعودية.

ونقلت الصحيفة عن مسؤول إماراتي رفيع المستوى تأكيده أنّ الانفراج في العلاقات الإماراتية الإيرانية يأتي ضمن استراتيجية متكاملة لإدارة العلاقات مع الخصم الأكبر للدولة بالتوازي مع الاستعداد للأسوأ عبر بناء القدرات الردعية، والتحرك دبلوماسياً، وتوظيف الثقل الاقتصادي. وأشار إلى الإيمان بقدرة الدولة على تجاوز الأزمة مع إدراك أن ذلك يتطلب عملاً مستمراً لا يحدث تلقائياً.

ولفتت الصحيفة إلى أنّ رئيس الإمارات الشيخ محمد بن زايد آل نهيان فوّض ملف خفض التصعيد مع إيران إلى ثلاثة من أشقائه، وهم الشيخ منصور نائب رئيس الدولة، والشيخ عبد الله وزير الخارجية، والشيخ طحنون مستشار الأمن القومي الذي يُعدّ من أكثر القادة براغماتية في أبوظبي.

وبدأت مؤشرات التقارب بمكالمة بين الشيخ منصور ومحمد باقر قاليباف بعد أسبوع من الهدنة، تلتها مكالمة أجراها الشيخ عبد الله مع نظيره الإيراني عباس عراقجي الشهر الماضي.

وأوردت الصحيفة عن الأكاديمي الإماراتي عبد الخالق عبد الله قوله إنّ إيران هي من بادرت بطلب الحوار، مشدداً على أن رفضه يعد حماقة، فهناك إدراك من الجانب الإماراتي بأنّ الحرب لن تحل الأزمة أو تؤدي إلى سقوط النظام الإيراني أو الحرس الثوري.

وتعتبر الإمارات إيران تهديداً منذ الثورة الإسلامية عام 1979، إذ اتسمت علاقتها بطهران منذ ذلك الحين بالتوازن بين موقف أبوظبي المتشدد ومكانة دبي كمركز تجاري حيوي لإيران. وعلى مدى عقدين، حذّر الشيخ محمد بن زايد من خطر الطائرات المسيرة والصواريخ الإيرانية واستعد له، رغم شعوره بالصدمة إزاء شراسة الهجوم الأخير.

ويقول دبلوماسيون ومحللون إنّ الشيخ محمد بن زايد كان يأمل سراً في أن تُضعف الحرب النظام الإيراني وقدراته العسكرية بشكل كبير، لكنه ونظراءه الخليجيين أدركوا ضرورة التعامل مع تداعيات إنهاء ترامب للحرب دون هزيمة كاملة للنظام، خشية البقاء في مواجهة خصم جريح وأكثر عدوانية على أعتاب بابهم.

وقال الباحث إميل هكاييم، من المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية إنّ الإمارات تجد نفسها في وضع صعب نظراً لضعف سيطرتها على الديناميكيات التي تؤثر بعمق على أمنها وازدهارها، ما دفعها للتحرك السريع لطمأنة المستثمرين والتجار والمشغلين.

وبحسب الصحيفة، فإنّ العلاقات التجارية مع إيران تظل بالغة الأهمية لاقتصاد دبي، التي يقطنها مئات الآلاف من الإيرانيين، إذ يأمل القادة الإماراتيون أن يحقق اعتماد طهران على الدولة الخليجية في وارداتها وصادراتها مصلحة متبادلة للحفاظ على علاقة مستقرة.

وأفادت الصحيفة بأن الإمارات نفت إجراء أي تحويلات مالية لإيران، غير أن إماراتيين يؤكدون وجود رغبة في الاستثمار بقطاعات الطاقة والموانئ والخدمات اللوجستية حال انتهاء الحرب نهائياً ورفع العقوبات الدولية، إذ يمثل السوق الإيراني الضخم ميزة هائلة لدبي بوصفها مركزاً رئيسياً للتجارة وإعادة التصدير.

اظهار أخبار متعلقة


وبيّنت الصحيفة أنه على الرغم من مساعي التهدئة، لا تزال الإمارات تشعر بالريبة تجاه إيران، وتخطط لتعميق تعاونها الدفاعي مع إسرائيل والولايات المتحدة. وقد أثمرت العلاقة الوثيقة مع إسرائيل خلال الأسابيع الأولى للحرب عن سعي إسرائيل الفوري لإرسال أنظمة دفاع جوي متطورة مثل القبة الحديدية والشعاع الحديدي لنجدة الإمارات.

وأردفت الصحيفة أنّ السفارة الإسرائيلية في أبوظبي تضاعف حجمها لتصبح من أكبر البعثات الدبلوماسية، مع سعي الجانبين لتوسيع التعاون ليشمل التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والموانئ ومنشآت التخزين والدفاع، إذ تعمل شركات الدفاع الإسرائيلية هناك بصورة دائمة وأوسع بكثير من ذي قبل.

ونبهت الصحيفة إلى أنّ هذه الشراكة استمرت رغم وجود توترات سابقة شابت العلاقات مع حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو اليمينية المتطرفة، لا سيما خلال حرب غزة التي اندلعت إثر هجوم السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023.

ويلقي بعض المسؤولين الإماراتيين باللوم سرّاً على رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لجرّه المنطقة إلى الصراع، ويخشون أن تُحرج تصرفات حكومته دولة الإمارات، في حين تؤكد أبوظبي أنّ تطبيع العلاقات مع إسرائيل عبر "اتفاقيات أبراهام" يصبّ في صلب مصالحها الاستراتيجية.

ونوهت الصحيفة إلى أنّ الدفاعات الجوية الإماراتية اعترضت الغالبية العظمى من الصواريخ والمسيرات الإيرانية بدعم من أنظمة أمريكية وإسرائيلية وكورية جنوبية وأوكرانية ومقاتلات بريطانية وفرنسية.

ويرى مسؤول إماراتي أنّ الحرب جعلت الدور الأمريكي أكثر أهمية للمنطقة. وقد كافأت إدارة ترامب الإمارات الشهر الماضي على ما وصفته بـ "دورها المحوري في تعزيز المصالح الأمريكية" خلال الحرب، بتسهيل حصولها على المعدات العسكرية وشرائح الذكاء الاصطناعي الضرورية لطموحاتها التقنية.

أضافت الصحيفة أن الولايات المتحدة و"إسرائيل" تتصدران من منظور أبوظبي قائمة الأصدقاء الذين هبّوا لمساعدتها، ونقلت عن مسؤول غربي قوله إنه رغم اعتبار بعض الإماراتيين الحرب نتيجة لرئيس أمريكي "مجنون" ومحاولات إسرائيلية لتقسيم المنطقة، إلا أن أبوظبي تنظر وقت الضغط إلى من وقف إلى جانبها حقاً.

مع تحول الصراع إلى منطقة رمادية لا هي حرب شاملة ولا سلام تام، أصبح مفهوم "المرونة" هو الشعار السائد في الإمارات، إذ تسعى أبوظبي لتعزيز عتادها العسكري ومعالجة الثغرات في بنيتها التحتية الحيوية عبر دراسة وضع خطوط أنابيب النفط ومراكز البيانات تحت الأرض.

وقال مسؤول إماراتي إنّ الدولة تبحث أيضاً عن مسارات بديلة لتقليل اعتمادها على مضيق هرمز، بالتوازي مع مساعيها الحثيثة لتعزيز أمنها الغذائي من خلال توسيع مرافق التخزين والاستجابة لمختلف التحديات المحتملة.

ورغم نجاح الإمارات في اعتراض الصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية، فإنّ الهجمات المتواصلة على بنيتها التحتية الحيوية للطاقة والبنية المدنية هزت أركانها.

ومع تسبب إغلاق المضيق عملياً في قطع ميناء جبل علي، شريان التجارة الرئيسي للإمارات مع العالم الخارجي، تم نقل البضائع جواً أو شحنها براً لضمان استمرار تزويد رفوف السوبرماركت بالبضائع.

وأوضحت الصحيفة أن دبي، رغم بدء تعافيها التدريجي، تواجه ضربة مزدوجة تتمثل في حلول موسم السياحة المنخفض مع ارتفاع درجات الحرارة صيفاً. ونقلت عن مصرفي دولي تحذيره من الانطباع الخاطئ بغياب الضغوط نظراً لهدوء الأوضاع، مؤكداً حدوث انخفاض حاد في الإيرادات وهروب لرؤوس الأموال.

وسيأتي الاختبار الحقيقي في أيلول/ سبتمبر مع إعادة فتح المدارس ومعرفة أعداد المغتربين العائدين، في حين سيكون انخفاض درجات الحرارة مقياساً رئيسياً لقدرة الدولة على جذب السياح مجدداً.

وتابعت الصحيفة أن التصعيد الأخير بين الولايات المتحدة وإيران أثر سلباً على أجواء التفاؤل التي كانت آخذة في التشكل، ونقلت عن مسؤول تنفيذي إماراتي قوله إن بعض المطورين العقاريين عاودهم القلق بعد أن كان التفاؤل سيد الموقف قبل أسبوع واحد فقط.
التعليقات (0)