علّمتنا
التجارب الأحداث والتجارب العراقيّة المعقّدة قبل العام 2003 وبعده أنّ هنالك ارتباطا
عضويّا بين
العراق وإيران لأسباب سياسيّة وعسكريّة واستراتيجيّة ومذهبيّة، وربّما،
أيديولوجيّة انتقاميّة، ولهذا لاحظنا أنّ بعض الوقائع العراقيّة كأنّها رُسمت في الدهاليز
الإيرانيّة، وهكذا صرنا أمام معادلة شبه إلزاميّة مزدوجة، وبموجبها لا يُذكر
العراق إلا وتُذكر
إيران معه، وكأنّه محافظة إيرانيّة!
وحدّثني
أحد الأصدقاء السياسيّين قبل أشهر بأنّه التقى بمستشار للرئيس الأمريكيّ دونالد
ترامب في جلسة خاصّة في عاصمة عربيّة، وحينما سأله عن الملفّ العراقيّ في أجندة
الرئيس كان جوابه: "لدينا الملفّ الإيرانيّ، والملفّ العراقيّ يَندرج تحته"!
وهذا الردّ يؤكّد الاعتقاد الأمريكيّ بالتحكم الإيرانيّ بالعراق!
وأكثريّة
زعامات العراق الرسميّ تتعامل بتعاطف مع إيران، ولا يخفى تحكّم طهران في تعيين
رؤساء الوزراء العراقيّين، وبعض هذه الحقائق ذكرتها بمقال سابق في صحيفة "عربي21"
الغرّاء بعنوان: "
ما الذي تريده إيران من العراق؟" ونشر بتاريخ 10 كانون الثاني/
يناير 2025. ولا نريد تكرار الكلام، وسنحاول التركيز على التطوّرات الجديدة في المنطقة
وتأثيراتها على العراق.
أبرز سيناريوهات الحرب الحاليّة على العراق استمرار الضربات على القواعد الأمريكيّة والمناطق الحسّاسة والدبلوماسيّة بالعراق وإقليم كردستان والدول العربيّة، واستمرار اغتيال القيادات المليشياويّة وأخطرها عودة تنظيم "داعش" للواجهة مجدّدا
وتزامنا
مع التطوّرات المتسارعة التي وقعت يوم 28 شباط/ فبراير 2026 والهجمات الأمريكيّة- الإسرائيليّة
على إيران، واغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي، دخلت المنطقة في مواجهات خطيرة قد
تقود لحرب شاملة!
وبعد
الإعلان عن اغتيال خامنئي أعلن العراق الحداد الرسميّ لثلاثة أيّام، وكان لغالبيّة
الأطراف الفاعلة السياسيّة الفاعلة تعاطف واضح مع طهران، وخرجت بعض المظاهرات في
مدن بغداد والبصرة والناصرية والعمارة وغيرها! وأُجْبرت حكومة بغداد على غلق
الجسور المؤدّية للمنطقة الخضراء وللسفارة الأمريكيّة لصدّ المتظاهرين الغاضبين،
واضطرّت قوّاتها لاستخدام الغاز المسيل للدموع لتفريقهم!
واقعيا،
سيكون العراق من أكثر الدول الإقليميّة تأثّرا بتداعيات المواجهات الحاليّة، خصوصا
مع احتماليّة تطوّرها لصراع إقليميّ واسع!
والعراق
اليوم دخل
الحرب بشكل غير رسميّ رغم سعي حكومته لعدم الانجرار إليها، ولكن يبدو أنّ
الأمور خرجت عن السيطرة بسبب هجمات الجماعات المسلّحة المتكرّرة ضدّ إقليم كردستان
وبعض الدول العربيّة، وعدم قدرة القوّات الأمنيّة على ضبطها!
وعلى
الرغم من أنّ بعض الشخصيات والجماعات المسلّحة القريبة من إيران قد تراجع موقفها
المؤيّد لطهران خلال الحرب الحاليّة بسبب التهديدات الأمريكيّة/ الإسرائيليّة، فقد
لاحظنا أنّ بعض الجماعات المسلّحة ومنها كتائب حزب الله العراقي، وسيد الشهداء، وحركة
النجباء وغيرها؛ قد تضامنت مع طهران، وأعلنت حربا مفتوحة ضدّ المصالح الأمريكيّة في
العراق والمنطقة، وتبنّت "سرايا وليّ الدم"، الأحد الماضي الهجمات ضدّ
مطار أربيل الدوليّ، وبعض الدول العربيّة!
وحذّر
أبو آلاء الولائي، الأمين العامّ لكتائب سيد الشهداء، الأربعاء الماضي، السعوديّة
ممّا أسماه "السماح للجنود الأمريكان بتدنيس قدسيّة بيت الله الحرام
والاحتماء في جوف الكعبة؛ لأنّه المكان الوحيد المتاح حاليّا للاختباء فيه بأمان
في غرب آسيا"! ولا ندري من أين لهم هذه الإمكانيّات الصاروخيّة إلا إذا كان
لديهم صواريخ مؤثّرة وصلتهم، مُسبقا، من إيران!
وهنا
نتساءل: مَنْ سيُسيطر على خطاب هؤلاء وأفعالهم؟ وهل هُمْ قوّات خارجة عن سيطرة الدولة؟
أم يُنفّذون أجندات رسميّة بأساليب مُغايرة؟ لا يمكن معها القبول بفرضيّة أنّهم لا
يمثّلون العراق الرسميّ لأنّ ما يَصْدُر في الميدان يُمثّل العراق وإلا فهي دلالة
على هشاشة الحكومة!
عموما،
فإنّ الأجواء العراقيّة حاليّا ساحة مفتوحة للطائرات الأمريكيّة والإسرائيليّة،
وخصوصا مع التراخي الرسميّ وعدم امتلاك العراق لمنظومة دفاع جوّيّ متكاملة، وهذه
النقطة استغلتها إيران لتوجيه صواريخها الباليستيّة لبعض أهدافها في العراق
والمنطقة!
العراق اليوم دخل الحرب بشكل غير رسميّ رغم سعي حكومته لعدم الانجرار إليها، ولكن يبدو أنّ الأمور خرجت عن السيطرة بسبب هجمات الجماعات المسلّحة المتكرّرة ضدّ أربيل والدول العربيّة، وعدم قدرة القوّات الأمنيّة على ضبطها!
والتطوّر
الأكبر حدث الثلاثاء الماضي والمتعلّق بالأخبار الموثّقة بوقوع إنزال لأكثر من 150
مقاتلا أمريكيّا في صحراء النخيب بين محافظتي النجف وكربلاء جنوبيّ العراق، وبعد
24 ساعة تعرّضت قوّة أمنيّة عراقيّة استطلاعيّة لقصف جوّيّ، قُتِل خلاله أحد
الجنود العراقيّين وَأُصيب آخرون بينهم ضابط برتبة عقيد، وفقا لشهادة أحد الجرحى! وبعدها
بساعات وَثّق بعض عناصر الحشد الشعبيّ صورا لقاعدتين أمريكيّتين في صحراء السماوة،
280 كم جنوبيّ العراق!
ومع
هذه الخروقات اكتفت حكومة بغداد بإدانة الحادث، ومطالبة التحالف الدوليّ بالتنسيق
معها قبل أيّ عمليّات ميدانيّة!
ويمكننا
تحديد بعض السيناريوهات المتعلّقة بتداعيات الحرب الحاليّة على العراق، أبرزها استمرار
الضربات الإيرانيّة، والفصائل الموالية لها، ضدّ القواعد الأمريكيّة والمناطق الحسّاسة
والدبلوماسيّة في العراق وإقليم كردستان والدول العربيّة، واتساع عمليات اغتيال
القيادات المليشياويّة تماما مثلما وقع لحزب الله اللبنانيّ، وأخطر السيناريوهات
عودة تنظيم "داعش" للواجهة مجدّدا، وحينها سيكون مصير العراق غامضا!
عموما،
فإنّ الضربات الإسرائيليّة والأمريكيّة على إيران واغتيال خامنئي والاغتيالات
الإسرائيليّة لعناصر مليشياويّة عراقيّة، والإنزال الأمريكيّ جنوبيّ العراق؛ سيكون
تأثيرها كبيرا على شكل الدولة العراقيّة القادمة، خصوصا مع استمرار الأزمة المتعلّقة
بمنصبي رئيسي الجمهوريّة والوزراء، والتي وصلت لمرحلة الانسداد السياسيّ بعد مئات
الهجمات بالطائرات المسيّرة والصواريخ التي نفّذتها
المليشيات ضدّ إقليم كردستان، ولهذا
قد تكون هنالك محاولات، داخليّة وخارجيّة، لقلب الطاولة العراقيّة!
ومع
ذلك تبقى تداعيات الحرب الحاليّة على العراق مفتوحة ويصعب ضبطها بسهولة، لذا علينا
الحذر والترقّب، ويومها لكلّ حادث حديث!
x.com/dr_jasemj67
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.