قالت المحكمة: لا ضرر.. لكن تونس تختنق

رجاء شعباني
"ليس الضرر هو الذي لم يثبت، بل العدالة هي التي عجزت عن أن تراه"- عربي21
"ليس الضرر هو الذي لم يثبت، بل العدالة هي التي عجزت عن أن تراه"- عربي21
شارك الخبر
أحيانا تختصر جملة واحدة قصة بلد كامل، وهذا ما حدث حين بررت محكمة تونسية رفض الدعوى المطالبة بوقف الوحدات الملوثة في المجمع الكيميائي بقابس بعبارة بدت تقنية ومحايدة: "عدم ثبوت الضرر".

لم تكن الجملة مجرد تعليل قضائي عابر، بل بدت كأنها توصيف دقيق للحظة التونسية الراهنة. ففي بلد يعرف الجميع حجم أزماته، تبدو المشكلة أحيانا ليست في وجود الضرر، بل في القدرة على الاعتراف به.

في قابس، لا يحتاج السكان إلى خبراء أو تقارير معقدة لكي يعرفوا أن مدينتهم ملوثة. يكفي أن يعيشوا يومهم العادي: هواء ثقيل، وروائح خانقة، وأمراض تتكرر داخل العائلات، وبحر لم يعد كما كان. ومع ذلك، صدر الحكم ليقول إن الضرر غير ثابت، وكأن التجربة اليومية لسكان المدينة لا تكفي لكي تصبح حقيقة معترفا بها.

هواء ثقيل، وروائح خانقة، وأمراض تتكرر داخل العائلات، وبحر لم يعد كما كان. ومع ذلك، صدر الحكم ليقول إن الضرر غير ثابت، وكأن التجربة اليومية لسكان المدينة لا تكفي لكي تصبح حقيقة معترفا بها

لكن قابس ليست استثناء، بل نموذج مكثف، فعبارة "عدم ثبوت الضرر" تبدو مناسبة لوصف مجالات كثيرة من الواقع التونسي؛ الأزمة الاقتصادية عميقة، والأسعار ترتفع، والخدمات العمومية تتراجع، والهجرة تتصاعد، ومع ذلك يستمر الخطاب العام في تقديم صورة بلد يسير في مسار تصحيحي أو وضع يمكن التحكم فيه.

في تونس اليوم، لا تُدار الأزمات دائما بحلول واضحة، بل كثيرا ما تُدار بالكلمات، واللغة هنا ليست مجرد وصف للواقع، بل وسيلة لإعادة تعريفه، فالضرر لا يصبح ضررا إلا إذا اعترفت به المؤسسات.

ليس هذا مجرد تناقض قانوني، بل علامة على مسافة آخذة في الاتساع بين الواقع والمؤسسات. لقد كانت الثورة التونسية، في أحد معانيها، لحظة إعلان جماعي بأن الضرر موجود. خرج الناس يومها لأنهم كانوا يعرفون أن البطالة والتهميش والفساد حقائق لا يمكن إنكارها. أما اليوم، فيبدو أن تونس تعيش مرحلة مختلفة، مرحلة يصبح فيها الاعتراف بالضرر أكثر صعوبة من تحمّل نتائجه.

وهكذا لم تعد عبارة "عدم ثبوت الضرر" مجرد تعليل قضائي، بل تحولت إلى جملة سياسية ثقيلة المعنى. فهي تقول للتونسيين شيئا بسيطا وقاسيا في آن واحد: يمكن أن تختنق مدينة كاملة، ويمكن أن يمرض الناس ويتلوث البحر، ومع ذلك قد لا يكون هناك ضرر في نظر المؤسسات.

ليست قابس وحدها التي تواجه هذا المصير، بل تونس بأكملها. لقد قيل لسكان قابس إن الضرر غير ثابت، لكن ما كشفه الحكم في الحقيقة كان أمرا آخر: ليس الضرر هو الذي لم يثبت، بل العدالة هي التي عجزت عن أن تراه. الضرر ثابت.. لكن الاعتراف به ليس كذلك.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)