مصر في تقرير هيومن رايتس ووتش 2026: دولة الخوف التي بناها السيسي

سعد الغيطاني
"السؤال الحقيقي الآن ليس كم عدد المعتقلين، بل كم عدد المصريين الذين فقدوا الإيمان في العدالة داخل وطنهم"- الأناضول
"السؤال الحقيقي الآن ليس كم عدد المعتقلين، بل كم عدد المصريين الذين فقدوا الإيمان في العدالة داخل وطنهم"- الأناضول
شارك الخبر
لم يعد توصيف الواقع المصري مسألة خلاف سياسي أو وجهة نظر معارضة، بل أصبح حقيقة موثقة في تقارير المنظمات الدولية الكبرى. أحدث هذه الشهادات جاء في التقرير العالمي لعام 2026 الصادر عن هيومن رايتس ووتش، والذي قدم صورة قاتمة عن أوضاع الحقوق والحريات في مصر تحت حكم الرئيس عبد الفتاح السيسي.

التقرير لم يستخدم لغة دبلوماسية مخففة، بل وصف بوضوح أن السلطات المصرية "تواصل قمع المنتقدين السلميين وتقيد بشدة حرية التعبير"، مؤكدا أن آلاف الأشخاص ما زالوا خلف القضبان لأسباب سياسية، بعضهم دون محاكمة عادلة، وبعضهم الآخر في حبس احتياطي مطول تحول من إجراء قانوني مؤقت إلى أداة عقاب سياسي دائمة.

دولة السجن الكبير

أخطر ما كشفه التقرير ليس فقط وجود معتقلين سياسيين، بل إن الاعتقال أصبح جزءا من بنية النظام نفسه، لم يعد الأمر استثناء، بل سياسة. الحبس الاحتياطي، الذي يفترض أن يكون إجراء احترازيا، تحول إلى عقوبة مفتوحة بلا حكم قضائي، والمحاكمات نفسها، وفق التقرير، "تفتقر إلى المعايير الدولية للمحاكمة العادلة"، ما يعني أن القضاء لم يعد ملاذا للعدالة، بل امتدادا لمنظومة القمع. إن دولة تخشى الكلمة إلى هذا الحد، هي دولة تعرف هشاشتها الحقيقية.

الخوف كأداة حكم
الأنظمة التي تحكم بالقوة الأمنية فقط، قد تستمر لبعض الوقت، لكنها تفقد أهم عنصر في بقاء الدول: الشرعية. الشرعية لا تُفرض بالدبابات، ولا تُبنى بالسجون، ولا تُحمى بالخوف

التقرير أشار أيضا إلى أن الأجهزة الأمنية تعمل في مناخ شبه كامل من الإفلات من العقاب، وهو ما خلق بيئة عامة من الخوف. لم يعد القمع موجها فقط للنشطاء المعروفين، بل أصبح رسالة إلى المجتمع بأسره: الصمت هو الخيار الآمن الوحيد.

هذه ليست دولة قوية كما يحاول النظام تصويرها، بل دولة تخشى مواطنيها. الدولة القوية لا تخاف من صحفي، ولا ترتعب من منشور على فيسبوك، ولا تسجن كاتبا بسبب رأي.

من أخطر ما ورد في التقرير، الإشارة إلى أن المعارضين المصريين في الخارج يخشون العودة إلى بلادهم خوفا من الاعتقال. هذه الجملة وحدها كافية لتلخيص طبيعة النظام الحالي: نظام لا يكتفي بالسيطرة على الجغرافيا، بل يسعى للسيطرة على المصير. لقد تحولت مصر من وطن إلى خطر على بعض أبنائها.

الأزمة الحقيقية: نظام بلا شرعية

الأنظمة التي تحكم بالقوة الأمنية فقط، قد تستمر لبعض الوقت، لكنها تفقد أهم عنصر في بقاء الدول: الشرعية. الشرعية لا تُفرض بالدبابات، ولا تُبنى بالسجون، ولا تُحمى بالخوف.

إن تقرير هيومن رايتس ووتش 2026 ليس مجرد وثيقة حقوقية، بل شهادة تاريخية على مرحلة سوداء في تاريخ مصر، مرحلة سيذكرها التاريخ باعتبارها زمن الدولة التي حاربت شعبها بدلا من أن تحميه.

السؤال الحقيقي الآن ليس كم عدد المعتقلين، بل كم عدد المصريين الذين فقدوا الإيمان في العدالة داخل وطنهم، وهو أخطر ما يمكن أن تواجهه أي دولة.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)