يصادف في يوم 11 شباط/
فبراير 2026، الذكرى 15 لتنحي حسني مبارك، الذي كان يمثل نهاية عصر من الحكم
الاستبدادي الذي استمر 6 عقود.
كان ذلك اليوم في
2011 لحظة أمل كبيرة للمصريين، الذين خرجوا إلى الشوارع مطالبين بالحرية والعدالة
الاجتماعية والكرامة الإنسانية.
كانت
الثورة تعبر
عن رفض عميق للاستبداد، وتطلع إلى دولة مدنية ديمقراطية يحكمها الشعب، لا العسكر
أو السلطة المركزية. لكن بعد 15 عاما، ما زال
المصريون يعيشون تحت ظل حكم عسكري،
حيث يسيطر الجيش ليس فقط على الأمن، بل على الاقتصاد والسياسة أيضا.
هذا الحكم، الذي
بدأ كوعد بالاستقرار الزائف، تحول إلى نظام يقمع الحريات ويفقر الشعب، مما يجعل
السؤال اليوم أكثر إلحاحا: هل من حق المصريين العودة إلى حياة مدنية حقيقية،
حيث يعود الجيش إلى ثكناته ومهمته الأساسية في الدفاع عن الحدود، بعيدا عن التدخل
في الشؤون السياسية والاقتصادية؟ الإجابة واضحة وبجرأة: نعم، هذا حق كل مصري حر،
وهو ليس مجرد مطلب، بل ضرورة لإنقاذ البلاد من دوامة الاستبداد والفقر.
في هذا المقال، سنقرأ
التاريخ الطويل للحكم العسكري في مصر معا، مع الوضع الحالي تحت قيادة عبد الفتاح
السيسي، مستندا إلى تقارير منظمات حقوقية دولية مثل هيومان رايتس ووتش وأمنستي
إنترناشيونال، ودراسات اقتصادية من صندوق النقد الدولي، وشهادات من مراقبين محليين
ودوليين. سأكون صريحا وجريئا، لأن الصمت أمام الظلم هو تواطؤ، وسأؤكد أن الحل يكمن
في انتقال سلمي إلى حكم مدني، يعيد للمصريين حقوقهم الأساسية.
كانت الثورة تعبر عن رفض عميق للاستبداد، وتطلع إلى دولة مدنية ديمقراطية يحكمها الشعب، لا العسكر أو السلطة المركزية. لكن بعد 15 عاما، ما زال المصريون يعيشون تحت ظل حكم عسكري، حيث يسيطر الجيش ليس فقط على الأمن، بل على الاقتصاد والسياسة أيضا
التاريخ الطويل
للحكم العسكري: من 1952 إلى اليوم
بدأت سيطرة الجيش
على السلطة في مصر مع
انقلاب 1952، الذي قاده ضباط مثل جمال عبد الناصر ضد الملك
فاروق. كان ذلك الانقلاب سُمي زورا بثورة يوليو، يهدف أساسا إلى إنهاء الاستعمار
البريطاني والفساد الملكي، وأدى إلى إعلان الجمهورية في 1953.
لكن ما بدأ كثورة
تحررية تحول سريعا إلى حكم عسكري مطلق. تحت ناصر، أصبح الجيش ليس فقط حارس الحدود،
بل مهندس الدولة: سيطر على الاقتصاد من خلال التأميمات، وقمع المعارضة السياسية،
وأنشأ جهاز أمني قمعيا يعتمد على الاعتقالات والتعذيب. كانت تلك الفترة شهدت حروبا
كارثية مثل وقبلها العدوان الثلاثي، وحرب اليمن، وانتهت بهزيمة 1967، التي أدت إلى
فقدان سيناء وأبرزت فشل الجيش في مهمته الأساسية.
بعد ناصر، جاء
أنور السادات (1970-1981)، الذي حاول إعادة توجيه الاقتصاد نحو الانفتاح، لكنه
حافظ على سيطرة الجيش. السادات، ضابط سابق، استخدم الجيش لقمع الاحتجاجات الشعبية
في 1977، وأدخل تعديلات دستورية تعزز دور العسكر في السياسة. ثم جاء حسني مبارك
(1981-2011)، الذي حكم لثلاثة عقود تحت غطاء "الديمقراطية المزيفة". كان
مبارك قائدا سابقا للقوات الجوية، وسيطر الجيش تحت قيادته على قطاعات اقتصادية
واسعة، مثل الإنشاءات والزراعة.
بحلول 2011، كان
الجيش يسيطر على ما يقرب من 20-40 في المئة من الاقتصاد، حسب تقديرات دولية، مما
أدى إلى فساد واسع وفقر متزايد. الثورة في 2011 كانت رفضا لهذا النظام، لكن المجلس
الأعلى للقوات المسلحة تولى السلطة بعد تنحي مبارك، وأدار فترة انتقالية مليئة
بالقمع، بما في ذلك مذبحة ماسبيرو في أكتوبر 2011، التي قتل فيها عشرات
المتظاهرين.
في 2012، انتخب
محمد مرسي، أول رئيس مدني منتخب ديمقراطيا، لكن فترته كانت قصيرة. في 3 تموز/ يوليو
2013، قاد السيسي، وزير الدفاع حينها، انقلابا عسكريا عزل مرسي، وعطل الدستور. هذا
الانقلاب، الذي وصفته منظمات دولية مثل هيومان رايتس ووتش بأنه "انقلاب عسكري
متكامل الأركان"، أدى إلى مذبحة رابعة في آب/ أغسطس 2013 وغيرها من المذابح،
حيث قتل المئات من المتظاهرين السلميين. أصبح السيسي رئيسا في 2014، وأجرى تعديلات
دستورية في 2019 تسمح له بالبقاء في السلطة حتى 2030، مع توسيع صلاحيات الجيش في
محاكمة المدنيين ومراقبة السياسة. هذا التاريخ يظهر أن الحكم العسكري لم يكن
استثناء، بل قاعدة استمرت لأكثر من 70 عاما، تحولت فيها مصر من دولة تحلم بالتقدم
إلى دولة تكافح الفقر والقمع.
حق المصريين في
دولة مدنية بعيدة عن سيطرة الجيش في السياسة والاقتصاد
تعد أبسط الحقوق
الإنسانية والدستورية أن يعيش المواطنون في دولة مدنية يحكمها القانون والمؤسسات
المنتخبة، لا مؤسسة عسكرية تتجاوز دورها الدفاعي لتسيطر على السياسة والاقتصاد.
هذا الحق مكفول في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي للحقوق الاقتصادية
والاجتماعية والثقافية، اللذين يؤكدان على المساواة الحقيقية والحماية من الهيمنة
المادية أو السياسية لأي جهة.
في مصر، يُعد هذا
الحق أساسيا لتحقيق العدالة الاجتماعية والحرية السياسية، فالسيطرة العسكرية على
السياسة تقمع الرأي الحر وتحول الانتخابات إلى شكليات، بينما السيطرة على الاقتصاد
تحول الدولة إلى نظام ريعي يمنح امتيازات للجيش (مثل الإعفاءات الضريبية والأراضي
الرخيصة) على حساب المنافسة العادلة والقطاع الخاص.
أكدت منظمات مثل هيومان
رايتس ووتش أن توسيع صلاحيات الجيش على الحياة المدنية -كما في قوانين 2024 التي
تسمح بتدخله في وظائف الشرطة والقضاء- يقوض الحقوق الأساسية ويحول الأزمة
الاقتصادية إلى أداة قمع.
يستحق المصريون
دولة مدنية تحمي حقوقهم الاقتصادية والسياسية، بعيدا عن "العسكرة
الشاملة" التي تحول الدولة إلى بنية معسكرة، كما وصفها مراقبون دوليون. هذا
ليس رفضا للجيش كمؤسسة دفاعية، بل مطالبة باحترام دوره الأساسي: حماية الحدود، لا
حكم الشعب أو احتكار الثروة.
استفتاء جيل زد:
دليل حي على إرادة المصريين لعودة الحياة المدنية
في الأشهر
الأخيرة، ومع اقتراب الذكرى الـ15 لثورة يناير، برزت حملة استفتاء إلكتروني
أطلقتها حركة "جيل زد" (GenZ002) تحت شعار "عزل السيسي"، حيث
تجاوز عدد المشاركين المليوني توقيع وأكثر من 19 مليون زيارة لصفحة الاستفتاء، رغم
الحجب الشديد للموقع داخل مصر، والهجمات السيبرانية المستمرة، ومحاولات التضييق
الرقمي، استمر الشباب في التعبير عن رفضهم للنظام الحالي.
هذا الاستفتاء لم
يكن مجرد حملة رقمية عشوائية؛ بل كان تعبيرا جماعيا عن الشوق العميق لعودة الحياة
المدنية، حيث يعود الجيش إلى دوره الدفاعي، ويُعاد بناء مؤسسات ديمقراطية حقيقية.
جيل زد، الذي نشأ
تحت قمع السنوات الأخيرة، يرى في هذا الاستفتاء امتدادا طبيعيا لروح ثورة 25 يناير
2011، التي كانت مطالبها الأساسية: دولة مدنية، وحرية سياسية، وعدالة اجتماعية،
وإنهاء سيطرة العسكر على الحكم والاقتصاد.
هذا الرقم الضخم -رغم
التحديات- يؤكد أن الشعب لم ينسَ أحلامه، وأن الجيل الجديد مصرّ على استكمال ما
بدأه الآباء والأجداد، سلميا وبإصرار، لاستعادة الحق في حياة كريمة بعيدة عن
الاستبداد.
السيطرة العسكرية
على السياسة = قمع الحريات والديمقراطية
في ظل حكم
السيسي، أصبحت السياسة في مصر مرادفة للسيطرة العسكرية. الجيش ليس مجرد مؤسسة
دفاعية، بل هو اللاعب الرئيسي في الحكم. في تقرير هيومان رايتس ووتش لعام 2026،
وصفت المنظمة مصر بأنها "تحت قبضة استبدادية"، حيث يتم قمع أي معارضة
سلمية. الانتخابات الرئاسية في 2014 و2018 و2024 كانت مزيفة، مع اعتقال المرشحين
المحتملين مثل سامي عنان، قائد أركان سابق، أو إجبارهم على الانسحاب. البرلمان
أصبح أداة مطيعة، حيث يسيطر حزب "مستقبل وطن"، المدعوم من الجيش، على
الأغلبية وعدنا الى حكم الحزب الوطني مرة أخرى، ولكن بصورة أكثر سوداوية.
يمتد القمع إلى
الحريات الأساسية، فقوانين مكافحة الإرهاب، مثل قانون 2015، تسمح باعتقال أي شخص
ينتقد الحكومة، مما أدى إلى اعتقال عشرات الآلاف. في 2025، أُفرج عن 934 سجينا
سياسيا، لكن اعتُقل 1594 آخرين، حسب أمنستي. الصحفيون والنشطاء يواجهون السجن، مثل
اعتقال علاء عبد الفتاح لسنوات بسبب تغريدات، واعتقال الناشطات بسبب موقفهن من
الحكم الاستبدادي فالجيش يحاكم المدنيين في محاكم عسكرية، انتهاكا للقانون الدولي.
هذا القمع ليس
عشوائيا؛ هو جزء من استراتيجية لمنع أي انتقال إلى حكم مدني، كما حدث في تونس بعد
2011، حيث نجحت في الحفاظ على دستور يحد من دور الجيش.
التدخل العسكري
في الاقتصاد: سرقة فرص الشعب
تعد أحد أكبر
الانتهاكات هو سيطرة الجيش على الاقتصاد، مما يحرم المصريين من فرص عادلة. منذ
2013، توسعت الشركات العسكرية مثل منظمة الخدمة الوطنية، التي تسيطر على قطاعات
مثل البناء والزراعة والغذاء. في 2025، أشارت تقارير إلى أن الجيش يسيطر على 40-60
في المئة من الاقتصاد، بما في ذلك مشاريع مثل العاصمة الإدارية الجديدة، التي كلفت
مليارات بينما يعاني الشعب من التضخم (حوالي 30 في المئة في 2025) والبطالة (7-10 في
المئة رسميا، أعلى بين الشباب).
تعد أحد أكبر الانتهاكات هو سيطرة الجيش على الاقتصاد، مما يحرم المصريين من فرص عادلة. منذ 2013، توسعت الشركات العسكرية مثل منظمة الخدمة الوطنية، التي تسيطر على قطاعات مثل البناء والزراعة والغذاء. في 2025، أشارت تقارير إلى أن الجيش يسيطر على 40-60 في المئة من الاقتصاد
حذر صندوق النقد
الدولي في 2025 من "الهيمنة العسكرية" على الاقتصاد، التي تمنح الشركات
العسكرية امتيازات مثل الإعفاءات الضريبية والأراضي الرخيصة، مما يخنق القطاع
الخاص. هذا يؤدي إلى فساد، كما في صفقات الجيش مع شركات أجنبية لإنتاج أسلحة،
بينما يزداد الدين الخارجي (160 مليار دولار في 2025). الجيش ينتج حتى المعكرونة
والوقود، كما ذكرت يورونيوز في 2025، مما يجعل الاقتصاد غير تنافسي. هذا التدخل
ليس دفاعا عن الوطن، بل سرقة لفرص الشعب، ويجب أن يعود الجيش إلى مهمته الأساسية
ليسمح بنمو اقتصادي عادل.
الانتهاكات
الحقوقية: ثمن الحكم العسكري
تأتي السيطرة
العسكرية على حساب الحقوق الإنسانية. في تقرير أمنستي لعام 2024، وصفت مصر بأنها
تواصل "القمع المنهجي"، مع آلاف المعتقلين السياسيين. التعذيب والاختفاء
القسري شائعان، ولا توجد محاسبة للقوات الأمنية.
في 2025، أشارت
فريدم هاوس إلى أن مصر "غير حرة"، مع تصنيف 18/100 في الحريات. الجيش
يستخدم قوانين الطوارئ السابقة لقمع الاحتجاجات، كما في اعتقال آلاف في 2025 بسبب
دعوات للاحتجاج ضد ارتفاع الأسعار.
تعاني النساء
والأقليات أيضا؛ القمع يمتد إلى المهاجرين، مع تقارير عن ترحيل قسري. هذا الوضع
يتناقض مع الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان (2021-2026)، التي وصفتها منظمات
بأنها "فارغة"، حيث لم تحقق إصلاحات حقيقية. العودة إلى الحياة المدنية
ضرورية لاستعادة الحقوق، كما في إندونيسيا بعد 1998، حيث تم تقليل دور الجيش
وازدهرت الديمقراطية.
الدعوات للحكم
المدني والرأي الدولي
تتزايد اليوم
الدعوات لعودة الجيش إلى ثكناته. في تغريدات على إكس، مثل تلك من مصريين يدعون إلى
"عودة الحياة المدنية"، يعبر الناس عن رفضهم للسيطرة العسكرية. منظمات
مثل المنتدى المصري لحقوق الإنسان تدعو إلى حوار وطني للانتقال السلمي. دوليا،
الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي يربطان المساعدات بحقوق الإنسان، كما في
اتفاقية الشراكة مع مصر في 2024، وخبراء الأمم المتحدة يطالبون برفع القيود عن
المدافعين عن الحقوق.
ختاما: حق كل
مصري حر
يستحق المصريون
حياة مدنية، حيث يعود الجيش إلى دفاعه عن الحدود، بعيدا عن السياسة والاقتصاد. هذا
ليس تهديدا للاستقرار، بل ضمان له، من خلال ديمقراطية حقيقية. كل مصري حر يجب أن
يدعم هذا الحق، سلميا وبجرأة، ليبني مصر المستقبل، وليس سجنا كبيرا اسمه مصر.