خلال "الفاصلة الديمقراطية" التي أعقبت ما سُمّي
بـ"الربيع العربي" أو "الثورات العربية"، ظهرت الحركات
الإسلامية بمختلف مرجعياتها فاعلا أساسيا في الحقل السياسي سواء منه الحقل
القانوني (الحركات ذوات المرجعية الإخوانية وبعض الفصائل المنتمية للسلفية
العلمية) أو الحقل اللا قانوني (الحركات "الجهادية" ذوات المرجعية
الوهابية بما فيها بعض التيارات المدخلية المعادية لهم). وقد كان وصف
"الإسلام السياسي" هو الوصف الجامع لكل تلك الأطياف بصرف النظر عن
علاقتها بـ"الفلسفة السياسية الحديثة" أو بالدولة-الأمة أو بالمرجعية
الإسلامية التراثية، أي بصرف النظر عن أي مراجعات نقلت بعضها من مرحلة البديل
الكلي للنخب الحداثية إلى مرحلة الشريك لها في بناء "الكلمة السواء"/
المشترك المواطني.
ليس يعنينا في هذا المقال تفكيك مقالات المجاميع الإسلامية
السنية ولا بيان تهافت جمعها في وصف لا يرتقي إلى مستوى المصطلح العلمي الجامع
المانع؛ بقدر ما يهمنا أن نطرح القضية من منظور مختلف ينطلق من طرح الأسئلة
التالية: ما هي القيمة التفسيرية لهذا التعبير بعيدا عن التوظيفات السياسوية
العلمانية له سواء في السرديات السلطوية وفي كل السرديات "الحداثية"
التي تتعرف بالتقابل الفكري مع "الإسلام السياسي"؟ هل يوجد "إسلام
غير سياسي" وما هي تعبيراته، بل هل توجد يهودية أو حتى مسيحية معلمنة إلى
درجة لا تحتاج فيها إلى تسييس
الدين بصورة أو بأخرى؟ ما هو مقابل الإسلام السياسي؟
وهل يمكن اعتبار "الإسلام الثقافي" و"الأنثروبولوجي"
و"الإسلام المعتدل" الذي تتغنى به أغلب الأنظمة/النخب العربية إسلاما
غير سياسي في جوهره، حتى عندما تؤسس النخب "الحداثوية" مقالاتها على رفض
تسييس الإسلام وعلى ضرورة الفصل بين الدين والدولة؟
تعبير "الإسلام السياسي" ليس تعبيرا تراثيا ولا تعبيرا ذا أصول إسلامية، فهو منتج استشراقي لا يمكن فصله عن استراتيجيات الهيمنة الغربية، بل هو منتج "يهودي" بالأساس بحكم ظهوره على يدي المستشرق البريطاني-الأمريكي برنارد لويس
يعلم أي مشتغل بالفكر السياسي أن تعبير "الإسلام
السياسي" ليس تعبيرا تراثيا ولا تعبيرا ذا أصول إسلامية، فهو منتج استشراقي
لا يمكن فصله عن استراتيجيات الهيمنة الغربية، بل هو منتج "يهودي"
بالأساس بحكم ظهوره على يدي المستشرق البريطاني-الأمريكي برنارد لويس (1916-2018)، اليهودي
الأشكينازي المولود في بريطانيا والمتوفى في الولايات المتحدة والمعروف بـ"بطريرك
الاستشراق"، ثم شيوع استعماله من بعده في كتابات المستشرق الإسرائيلي مارتن
كرامر وغيره منذ ثمانينات القرن الماضي. ولا شك في أن "الشبهة" في
التعبير لا تعود إلى أصوله اليهودية أو "الإسرائيلية" -فالكثير من
اليهود منصفون، بمن فيهم بعض "الإسرائيليين" المعروفين بـ"المؤرخين
الجدد"- بل إن علة الشبهة تعود إلى تاريخ "بطريرك الاستشراق"
وعلاقاته المعروفة بالمخابرات البريطانية وبالمشروع الإحلالي الصهيوني في فلسطين،
وكذلك علاقات غيره من المروّجين لهذا التعبير بمراكز القرار الصهيو-إمبريالي أو
بوكلائهم المحليين في الفضاء العربي-الإسلامي، خاصةً في هذه المرحلة التي يمكن
تسميتها بالمرحلة المتصهينة للإمبريالية العالمية.
إننا نستعمل كلمة "تعبير" للإشارة إلى
"الإسلام السياسي" لأنه استعمال لا يرقى إلى مستوى المصطلح التفسيري في
أي مقاربة علمية جادة. وآية ذلك أنّ من يستعمله يضعه في علاقات استبدالية مع
"تعبيرات" أخرى مثل الأصولية والإسلاموية والإسلام الاحتجاجي أو الجهادي
والحركات الإرهابية.. الخ. ونحن إن كنا لا ننفي وجود فرق بين "الإسلامي"
و"المسلم" خاصة عندما يمارسان العمل السياسي، فالإسلامي هو من يعتبر
الإسلام مشروعا جماعيا يتجاوز الفرد أو الحياة الشخصية ويجب أن يكون أساس التشريع،
بينما المسلم لا يقول بذلك بالضرورة ولا يرى أن إسلامه مشروط بتحويل الدين إلى
أساس للتشريع أو لإدارة الفضاء العمومي، فإننا رغم قولنا بذلك الفارق الأساسي لا
نقول بوجود إسلام غير سياسي. فالإسلامي يسيّس الإسلام بطريقة ما على أساس الجدل مع
تراثه المذهبي ومع واقعه، أما غير الإسلامي فإنه أيضا يسيس الإسلام حتى إن أسس
مقالاته على مرجعية غير إسلامية؛ هي في الغالب المرجعية اللائكية الفرنسية التي
تتحول عنده إلى "فلسفة دينية" أو حتى إلى ديانة وضعية وإن بصورة لا
واعية.
انطلاقا من الملاحظة الواردة أعلاه، فإنّ القول بوجود إسلام
غير سياسي -أو إمكانية وجود أطروحة سياسية/أيديولوجية لا تسيّس الإسلام بشكل من
الأشكال- هو قول متهافت نظريا وواقعيا. ورغم محاولة لويس وغيره تخصيص الإسلام بـ"أزمة"
العجز عن علمنة الدين أو جعله متأقلما مع الفلسفة السياسية الحديثة، فإن الواقع
يقول إن "إسرائيل" ليست إلا علمنة كاذبة للمشروع اليهودي عبر الصهيونية،
كما أن الواقع ينبئنا -خاصة بعد طوفان الأقصى- أن علمنة المسيحية ليست إخراجا
للدين من الفضاء العام ولا من سياسات الدول، بل هي في جوهرها -خاصة خارج المجال
الغربي- مجرد إعادة تسييس/توظيف مختلف لها في المشاريع الاستعمارية/الاستيطانية
وعبر استراتيجيات الهيمنة ما بعد الاستعمارية.
ولن نتوسع هنا كثيرا في "البنية الدينية العميقة"
للعلمانية ولا في بقاء الدين محددا أساسيا للبنى الثقافية داخل ما يسمى بـ"الحضارة
اليهو-مسيحية"، ولكننا سنكتفي بالتذكير بأن من ينتقدون الإسلام السياسي لا
يُعرف لأغلبهم نقدا مماثلا لليهودية السياسية (في الكيان الصهيوني وفي مراكز
القرار الغربي) أو للمسيحية السياسية (في اليمين المتطرف الأوروبي أو الأمريكي)،
وهو ما يجعل مقالاتهم -في أفضل أحوالها- اختزالا وتسطيحا لظاهرة تتجاوز الإسلام
حتى من داخل أنساقهم الحجاجية.
رغم أن الإسلام غير السياسي مجرد "وهم" أو تزييف
معرفي وسياسي يروّج له منتجو المعرفة الاستشراقية ومن بعدهم مستهلكو تلك المعرفة
من "النخب الحداثية" العربية، فإن ذلك لا يمنعنا من البحث عن
"المقابل" الفكري والموضوعي الذي يضعه هؤلاء إزاء ما يسمونه
"إسلاما سياسيا". بعيدا عن التفصيل الذي لا يسمح به هذا المقام، فإن ما
يقابل "الإسلام السياسي" عند أغلب النخب العلمانية هو "الإسلام
الثقافي" أو "الإسلام الأنثروبولوجي"، أي ذلك الإسلام الجماعي -الإسلام
الشعبي لا الإسلام العالم- السابق على الوجود الفردي والمرتبط بالتقاليد والأعراف
والمناسبات؛ أكثر مما هو مرتبط باختيار "إيماني حر". وهو إسلام تتم
مطابقته أحيانا بـ"الإسلام المعتدل" أو "الإسلام الرسمي"
المرتبط بالمؤسسات الأيديولوجية للدولة. وهذا "الإسلام" عند المنتقدين
للإسلام السياسي هو إسلام مقبول، سواء في شكله الشعبي القائم على الفولكلور وعدم
التدخل في الشأن العام بمنطق الإلزام والإكراه، أو في شكله السلطوي؛ القائم على
احتكار الدولة الحديث باسم الإسلام "الصحيح" وبناء شرعيتها السياسية على
أساس غير ديني بالأساس مثل التحرير أو التحديث.
ولكنّ تلك "المقبولية" لا تنفي الحاجة إلى
انتقادهما من موقع "تقدمي" أو "تنويري" (أي يساري أو
ليبرالي)، ولكنه انتقاد لا يمكن فهمه إلا في إطار التناقض الثانوي، بينما يكون
التناقض مع "الإسلام السياسي" تناقضا رئيسا؛ سواء أكانت مكوناته في
السلطة أو في المعارضة أو حتى في السجون والمنافي.
علينا زحزحة الإشكالية من موقعها التقليدي إلى موقع جديد أساسه الإقرار بعدم وجود أي سردية سياسية/أيديولوجية لا تُسيّس الإسلام، وهو ما يعني أننا أمام مشاريع متناقضة لتسييس الإسلام
بناء على ما تقدم، فإن علينا زحزحة الإشكالية من موقعها
التقليدي إلى موقع جديد أساسه الإقرار بعدم وجود أي سردية سياسية/أيديولوجية لا
تُسيّس الإسلام، وهو ما يعني أننا أمام مشاريع متناقضة لتسييس الإسلام؛ سواء من
داخل المرجعية الدينية (وهي مذهبية بالأساس وإن كانت تدعي أنها
"إسلامية" مجازا بينما لا تتوجه إلا للمنتمين للتراث المذهبي السني ولا
تتوجه إلى من هم خارجها)، أو من داخل مرجعيات غير إسلامية (وهي لائكية بالأساس
ومعادية في الأغلب للمرجعية الدينية ولأي دور لها في بناء المشترك المواطني، وإن
كانت تدعي معاداة "الإسلاميين" لا الإسلام في ذاته). ولذلك فإننا نعتبر
أن النقد الجذري للحركات الإسلامية هو أنها حركات طائفية لم ترتفع إلى مستوى
مخاطبة كل المسلمين سواء أولئك الذين لا يجدون ما يمثلهم في التراث السياسي السني
وفي مشاريع "إعادة تشغيله"، أو أولئك المنتمين إلى تراثات مذهبية مختلفة.
أما النقد الجذري الموجه للنخب اللائكية فهو إنكارهم أن أطروحاتهم ليست إلا شكلا
من أشكال تسييس الإسلام من موقع تفكير غير إسلامي، بل من موقع تفكير يتقاطع
موضوعيا مع الأطروحات الاستشراقية الأكثر تصيهنا.
إن أي "التقاء" بين الإسلاميين واللائكيين لا
يمكن أن يتم دون مغادرتهما لموقعيهما التقليديين ومراجعتهما لفرضياتهما السردية؛
التي تحول دون بناء أي مشترك مواطني لا يقصي الدين من الفضاء العام ومن التشريع،
ولكنه لا يعيد إنتاج تعبيراته التراثية المتناقضة مع مفهوم "المواطنة" الذي
يحمي حقوق الأقليات الأيديولوجية والدينية؛ دون إهدار حقوق الأغلبية أو جعلها نهبا
لاستراتيجيات الاستعمار الجديد في تسييد الأقليات وقمع الأغلبية لتأبيد حالة
التبعية والتخلف والصراعات الداخلية في منظومة سايكس-بيكو، وبالتالي جعلها جميعا
كيانات وظيفية في خدمة المصالح المادية والرمزية للغرب ولحصنه المتقدم في المنطقة:
الكيان الصهيوني.
x.com/adel_arabi21
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.