عادل بن عبد الله يكتب: استراتيجية الغرب التي تعطي الأولوية "للاستقرار" فإنها لا تعني أن الغرب كان/أو ما زال يعترف بأنه يدعم أنظمة استبدادية ولا ديمقراطية و"وظيفية"، بل يعني أنه يُشرعن تلك الأشكال من الحكم ولا يطعن في شرعيتها، مع الحرص الإعلامي على دعوتها إلى انفتاح أعظم على المعارضة وعلى الديمقراطية. وهي في الحقيقة دعوات كاذبة ليس هدفها إلا عدم التماهي مع تلك الأنظمة أمام الرأي العام الغربي من جهة أولى، ومن جهة ثانية ابتزاز "الكيانات الوظيفية" بالملف الديمقراطي وملف الحريات والحقوق الفردية والجماعية لتحقيق أكبر ما يمكن من المصالح المادية والرمزية للغرب
عادل بن عبد الله يكتب: الخطأ القاتل للرابطة -ومن قبلها للاتحاد وللإعلام- هو أنها ظنت أن قوتها خلال عشرية الانتقال الديمقراطي هي قوة ذاتية وليست قوة مشتقة من منظومة الاستعمار الداخلي، وهو خطأ جعلها تتوهم أنها شريك في "تصحيح المسار" سواء بالتمهيد له أو بدعمه، والحال أن كل الأجسام الوسيطة لم تكن إلا أدوات في مشروع سياسي جوهره إلغاء الحاجة إليها. وهو أمر عُمّي على الرابطة وغيرها، لا نتيجة قصور فكري بل نتيجة "مصفوفات مشاعر" وقياسات مغالطية كان عاقبتها سَوقُهم إلى الموت السريري بعد انتفاء حاجة السلطة إليهم على الأقل في المدى المنظور
عادل بن عبد الله يكتب: على خلاف "الديمقراطية المسيحية" التي استطاعت -بعد ظهورها في القرن التاسع عشر- أن تتحول إلى فاعل سياسي أساسي في العديد من الديمقراطيات الغربية، فإن "الإسلام الديمقراطي" الذي استلهم هذ النموذج الغربي في إطار مراجعاته السياسية؛ لم يستطع أن ينجح في تحقيق ما كان يطمح إليه في مستوى علاقته بالدولة العميقة (منظومة الاستعمار الداخلي) ورعاتها الأجانب، وكذلك في مستوى علاقته بالنخب الحداثية (الخصم الفكري للحركات الإسلامية والحليف الموضوعي للنواة الصلبة لمنظومة "الاستعمار الجديد") وفي مستوى علاقته بقاعدته الانتخابية
عادل بن عبد الله يكتب: عمل اليسار بمختلف مكوّناته على إفشال الانتقال الديمقراطي وذلك بتركيز فعله المناهض لأي مشروع مواطني على محورين: أولا محور عدم الاعتراف بالإسلاميين جزءا من القوى الديمقراطية وتثبيتهم في نماذج الوصم المرتبطة نشأةً ووظيفةً بالمنظومة القديمة، ثانيا محور التطبيع مع ورثة المنظومة القديمة والاعتراف بهم مكوّنا أساسيا في "العائلة الديمقراطية" في مشروع مقاومة "الرجعية الدينية"
عادل بن عبد الله يكتب: مهما كان صدق الرئيس في مشروعه الإصلاحي فإنه محكوم بالفشل بحكم فقدانه لـ"عصبية" بديلة تعوّض منظومة الاستعمار الداخلي ونخبها الوظيفية. ولذلك فإن زيارته لضريح بورقيبة لم تكن فقط للبحث عن "مشروعية في رفات الأموات" كما فعل سابقوه، بل هي أساسا اعتراف منه بعجز "تصحيح المسار" عن بناء سردية وطنية جامعة تعوّض البورقيبية لدى عموم الشعب من جهة أولى، وكذلك بعجز منظومة الحكم -من جهة ثانية- على تحييد منظومة الاستعمار الداخلي، أو على الأقل عجزها عن أن تفرض على النواة الصلبة لتلك المنظومة جملة من "التسويات التاريخية" التي تدمجها في مشروع "تحرير وطني" يتجاوز البورقيبية
عادل بن عبد الله يكتب: القيادة المركزية الجديدة للاتحاد قد ورثت تركة ثقيلة ستحصر سقف تحركها في ملفاتها الداخلية، وستجعل سردية "الدور الوطني" الذي يتجاوز المستوى المطلبي مجرد أثر بعد عين، وهو ما انعكس في البيان الأول للمكتب التنفيذي الصادر بتاريخ الفاتح من هذا الشهر. فهذا البيان لم يتجاوز مستوى الدعوة إلى الوحدة الداخلية، ولم تكن إشارته إلى "الدور الوطني" للاتحاد إلا فائض معنى تقتضيها الأدبيات النقابية. فالأولوية الآن-وهنا حسب البيان هي للبيت الداخلي الذي يقتضي "إصلاحات" في مستوى "الشفافية في التصرف وحسن الحَوكمة وترسيخ الديمقراطية الداخلية"، كما أن الأولوية -كما صرح الأمين العام بعد انتخابه- هي لعودة التفاوض مع السلطة، أي اعتراف السلطة به شريكا اجتماعيا، واسترجاع مكاسب الاتحاد المتمثّلة خاصة في الاقتطاع الآلي
عادل بن عبد الله يكتب: إننا أمام حقيقة التبست على الاتحاد ولم يتبيّن له حقيقة وزنه وموقعه في تلك المنظومة إلا بعد "تصحيح المسار". فبعد 25 تموز/ يوليو 2021 راهنت تلك المنظومة على حليف جديد (سردية تصحيح المسار) التي تستمد شرعيتها من كونها بديلا مطلقا لا يقبل الشراكة مع الأجسام الوسيطة "الفاسدة" ولا يرتضي محاورة رموزها، حتى لو كانوا فاعلين كبارا في التمهيد لـ25 تموز/ يوليو 2021 وفي شرعنة خياراتها على الأقل في مرحلتها الأولى. وهو ما يقودنا إلى الخطأ الثاني في تقديرات الاتحاد، ألا وهو عدم توقعه انتهاء الحاجة إليه بعد تصحيح المسار، أي بالأحرى انتهاء حاجة السلطة إلى "شريك اجتماعي" يفرض عليها سياساتها الاقتصادية والاجتماعية ويُشغّب عليها في الملفات الحقوقية
عادل بن عبد الله يكتب: الإمارات والسعودية ليستا في نهاية التحليل إلا كيانين وظيفيين لا يمكنهما التحرك إقليميا إلا بضوء أخضر من مراكز القرار الدولي، وهي مراكز لا يهمها إلا أمرين: أولا حماية مصالحها المادية والرمزية داخل "الكيانات الوظيفية"، وهو ما يستدعي الدفاع عن "النوى الصلبة" لتلك الكيانات مع إمكانية التخلص من بعض هوامشها أو واجهاتها السياسية؛ ثانيا منع أي تهديد استراتيجي للكيان الصهيوني، أي منع ظهور أنظمة حكم ديمقراطية تعبّر عن الإرادة الحقيقية للأقطار العربية، وتصعّد إلى مراكز القرار السياسي بعض الأطراف الرافضة لمنطق الصراع الوجودي والنفي المتبادل بين الإسلاميين والعلمانيين، والرافضة لمسار التطبيع ولوجود الكيان في ذاته
عادل بن عبد الله يكتب: رغم عدم حضور العامل الطائفي بصورة صريحة في بناء السرديات السياسية المتنازعة، فإنه يظل محددا من أهم محددات العقل السياسي في تونس وغيرها. فأغلب الحركات الإسلامية بقياداتها وقواعدها هي حركات "سنّية" تعادي "أهل البدع والضلال" وإن تقاربت/تعاطفت معهم في سياقات معينة، أما "الحداثيون التونسيون" فإن أغلبهم لا يتماهون مع التراث السني سواء في التاريخ أو في السياقات الحالية، ويتعاطفون في مقابل ذلك مع كل الأقليات التي تعادي الأغلبية السنية سواء أكانت أقليات عسكرية أم طائفية أم أيديولوجية
عادل بن عبد الله يكتب: الغالبية العظمى من الشعب التونسي تعارض الهجوم الأمريكي-الإسرائيلي على إيران. وهو موقف عبّرت عنه الأجهزة الرسمية للدولة عبر بيان وزارة الخارجية، وعبّرت عنه أهم الأحزاب المعارضة ومنظمات المجتمع المدني وعكسته آراء أغلب التونسيين على مواقع التواصل الاجتماعي. وفي هذا المحور المؤيد لإيران الآن-وهنا، نجد منتمين إلى مختلف العائلات الأيديولوجية والسرديات الكبرى، ولذلك فإننا نجد اختلافات كبيرة في الأنساق الحجاجية لأصحابه. وبالتوازي مع هذا الرأي الأغلبي، نجد آراء أخرى تتراوح بين "الحياد السلبي" وبين الشماتة في "الروافض" أو في الجناح الثاني للمشروع الامبريالي في المنطقة العربية، باعتبار أن إسرائيل عندهم هي الجناح الأول لذلك المشروع.
عادل بن عبد الله يكتب: باعتبارها أيديولوجيا منظومة الاستعمار الداخلي أو الاستعمار غير المباشر، نجحت البورقيبية في أن تُخفيَ هويتها الوظيفية. وهو نجاح لا يمكن أن ينكسر أو يُهدّد إلا بسرديات سياسية لا تجعل من الدولة-الأمة أو الدولة الوطنية سقفها المرجعي ولا تقبل باللائكية فلسفة سياسية جامعة. ولذلك لم يكن اليسار -بشكليه الماركسي والقومي- تهديدا وجوديا للبورقيبية بحكم اتفاق الجميع على لائكية الدولة، بل تحوّل اليسار الوظيفي إلى قاعدة متقدمة للدفاع عن البورقيبية ضد أعداء الجميع: الحركات الإسلامية
عادل بن عبد الله يكتب: لماذا لم يوجد بعد "الثورة التونسية" أي طرح إسلامي نضيج يعتبر أن غياب "المواطنة التامة" في الدولة-الأمة، وهي تقابل عندنا ما أسميناه في مقالات سابقة بـ"ما قبل المواطنة" و"ما دون المواطنة" أو المواطنة المشروطة، هو نقض للإسلام والإيمان باعتبار أن الإسلام لا يمكن أن يعاش بصورة صميمية إلا في مناخ الحريات الفردية والجماعية للمسلمين ولغيرهم؟ ولماذا يستمرئ "الحداثيون" اختزال العلمانية في اللائكية الفرنسية المأزومة في مجالها التداولي الأصلي؟
عادل بن عبد الله يكتب: أي "التقاء" بين الإسلاميين واللائكيين لا يمكن أن يتم دون مغادرتهما لموقعيهما التقليديين ومراجعتهما لفرضياتهما السردية؛ التي تحول دون بناء أي مشترك مواطني لا يقصي الدين من الفضاء العام ومن التشريع، ولكنه لا يعيد إنتاج تعبيراته التراثية المتناقضة مع مفهوم "المواطنة" الذي يحمي حقوق الأقليات الأيديولوجية والدينية؛ دون إهدار حقوق الأغلبية أو جعلها نهبا لاستراتيجيات الاستعمار الجديد في تسييد الأقليات وقمع الأغلبية لتأبيد حالة التبعية والتخلف والصراعات الداخلية
عادل بن عبد الله يكتب: المدخل الحقيقي لكسر "التابعية" هو الخروج من ربقة هذه التمثلات التراثية التي ما زالت تحكم عقول النخبة سواء تلك التي تدعي الحداثة، وتجعل التحديث عملية معادية بالجوهر والقصد لأي حضور ديني في هندسة الفضاء العام وبناء المشترك "المواطني"، أو تلك التي تظن أنها استئناف لروح النبوة الخاتمة؛ وهي في جوهرها مجرد استئناف لروح الطائفة السنية في بعض مقالاتها الأكثر اغترابا عن روح "الرحمة للعالمين
عادل بن عبد الله يكتب: في غياب "المصالحة الوطنية" لتقوية الجبهة الداخلية، فإن النظام التونسي قد يواصل وضعية التحالفات "الهلامية" الحالية دون أي حسم، ولكننا نرجح أن ينحاز إلى المحور السعودي، خاصة بعد انفتاحه الجزئي على قطر في بعض المشاريع الاقتصادية، وكذلك بحكم الأزمة المفتوحة بين الجزائر -الحليف الأهم للنظام التونسي- وبين الإمارات التي لم تقدّم للنظام التونسي معشار الدعم الذي قدمته لمصر ولغيرها من الأنظمة؛ التي ورثت "الربيع العربي"
عادل بن عبد الله يكتب: جميع مشاريع المعارضة، إذا لم تفكر بمنطق "الكتلة التاريخية" وتنقل مركز التفكير والاستعارة السياسية من "الوطن" إلى "المواطن"، وإذا لم تراجع بصورة نقدية علاقتها بالبورقيبية وأساطيرها التأسيسية وما كرّسته في المستويين الرمزي والمادي، وإذا لم تحدد أخيرا عدوها/حليفها الحقيقي بعيدا عن الكراريس الايديولوجية المفوّتة، ستبقى مجرد ديكور سياسي في خدمة النواة الصلبة لمنظومة الاستعمار الداخلي وأساطيرها التأسيسية، ولو بلغت ادعاءاتها الذاتية ومزايداتها على شركائها في الوطن والمصير عنانَ السماء