ترامب والقبض على الجغرافيا المفيدة في العالم

غازي دحمان
"يستخدم ترامب جملة من الأدوات الناعمة والصلبة لتحقيق هدفه"- AI/ عربي21
"يستخدم ترامب جملة من الأدوات الناعمة والصلبة لتحقيق هدفه"- AI/ عربي21
شارك الخبر
ما يقوم به الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من تحركات على المستوى العالمي، تبدو للمراقب نوعا من العبث والتجريب، لتناقضها مع الواقع تارة، وافتقادها التركيز عبر شمولها لفضاء جيوسياسي واسع يمتد من فنزويلا إلى إيران وغزة وصولا إلى أوكرانيا وغرينلاند، الأمر الذي يجعل هذا التحرك مشوشا لإمكانية إنتاج أي تحليل يحاول فهم مخرجات سياسة ترامب وضبطها في إطار سياق تحليلي منطقي.

لكن، ثمّة خيط ناظم يجمع سياسات ترامب، ويكشف إلى حد بعيد الخريطة الجيوسياسية التي يصدر عنها هذا التفكير والتي من الواضح أنها تستند إلى ركيزتين مهمتين:

الأولى: السيطرة على مفاصل الجغرافيا العالمية، عبر تحويل الجغرافيا إلى منصات لضبط المجال العالمي وإدارته بإسلوب يتفق مع زمن نهاية الهيمنة العسكرية المباشرة، وهذا ليس مجرد تعديل تكتيكي، بل تبدل أعمق في العقل الاستراتيجي الأمريكي، حيث يجري تحويل المساحات العسكرية إلى حيوزات إدارية تعمل بشكل منضبط ضمن إطار المشروع الجيوسياسي الأمريكي المحدّث لكي يتناسب مع التغيرات العالمية، وبروز الصين منافسا جيوسياسيا بات يمتلك شبكة علاقات قوية على مستوى العالم تهدّد السيطرة الأمريكية في مرحلة ليست بعيدة.

جميع هذه المواقع تجمعها ميزة استراتيجية مهمة، وهي أنها عبارة عن منصات يمكن من خلال إعادة تشكيل العالم وضبطه

تكشف خريطة الجغرافيا المستهدفة من قبل أمريكا، التوزع الجغرافي الفوضوي، حيث تقع تلك المناطق في أمكنة متباعدة، من فنزويلا في شمال أمريكا الجنوبية، إلى ممر زنغزور في القوقاز، إلى أوكرانيا وجزيرة غرينلاند في اوروبا، وصولا إلى إيران وغزة في الشرق الأوسط، ونيجيريا في غرب أفريقيا، لكن ما لم يتم التنبه له أن جميع هذه المواقع تجمعها ميزة استراتيجية مهمة، وهي أنها عبارة عن منصات يمكن من خلال إعادة تشكيل العالم وضبطه.

أغلب هذه المناطق تنطوي على حمولات رمزية كبيرة، وتقع على خطوط صدع تاريخية، لكنها في نفس الوقت مراكز للثروة الجديدة بعد التحولات الرأسمالية المهة، فبعضها ينطوي على ثروات كبيرة من المعادن النادرة التي أصبحت على رأس قائمة ثروات المستقبل، مثل أوكرانيا وغرينلاند ونيجيريا، وبعضها يمتلك إمكانيات سياحية ضخمة مثل شواطئ غزة، وبعضها الآخر يتحكم بشبكة طرق التجارة العالمية مثل ممر زنغرور ودوره في حركة التجارة بين أسيا وأوروبا.

في إطار الاستراتيجية الأمريكية الجديدة، لم يعد للعالم قلب واحد، كما حدّدته نظير ماكندر الأشهر في الجغرافيا السياسية، والتي قالت إن من يحكم أوروبا الشرقية يسيطر على قلب الأرض التي من يحكمها يسيطر على العالم، القراءة الأمريكية الموسعة ترى أن جغرافية العالم ترتكز على مفاصل مهمة من يسيطر عليها يسيطر على العالم، إذ إن فنزويلا تشكّل مفصلا مهما في جغرافية أمريكا اللاتينية، وفي ننفس الوقت منصة لضبط البر اللاتيني والتحكم بمجاله وما يمتلكه من حيوية صاعدة من شأنها التأثير على المصالح الأمريكية، مثلما تشكّل غزة برمزيتها وجغرافيتها منصة مهمة لإعادة تشكيل الشرق الأوسط أيديولوجيا وسياسيا.

الركيزة الثانية: تحطيم الهياكل القديمة الناظمة للعلاقات بين الأمم والضابطة لسياسات الدول، والتي تم بناؤها بعد الحرب العالمية الثانية، آخذة في الاعتبار وجود خمسة أطراف دولية تتوزع بينها شبكات النفوذ والسيطرة. وقد مثلت الأمم المتحدة بمنظماتها وهيئاتها، السلطة المشرفة على هذا الدور، والآن يعتقد ترامب أن هذه الوضعية باتت مربكة ومعطلة للمشروع الأمريكي، بل تقضم من الدور الأمريكي لصالح أطراف استفادت من هذه المظلة وتستثمرها بشكل فاعل لإدارة صعودها وحمايته على حساب حق الولايات المتحدة الأمريكية في السيطرة، والمتأتي من تقدير ترامب لقوة بلاده المتفردة على مختلف الصعد.

يعمل ترامب على بناء هياكل جديدة تساعده على إعادة ضبط حركة العالم وصعود قواه، وتعيد تركيز القوّة في المجال الأمريكي، ووقف عملية القضم من الرصيد الأمريكي

واستتباعا لذلك، يعمل ترامب على بناء هياكل جديدة تساعده على إعادة ضبط حركة العالم وصعود قواه، وتعيد تركيز القوّة في المجال الأمريكي، ووقف عملية القضم من الرصيد الأمريكي. ولعل مجلس السلام الذي شكّله ترامب من أجل غزة، يشرح ذلك بوضوح، فهو يتجاوز أدوار الأمم المتحدة ومجلس الأمن، ويصنع هيكلية جديدة تقع أمريكا على رأس هرمها، وتُلغي الندية التي تنطوي عليها هيكلية مجلس الأمن، بحيث يتحوّل العالم كله إلى أداة تشغيلية لتعظيم المصالح الأمريكية.

يستخدم ترامب جملة من الأدوات الناعمة والصلبة لتحقيق هدفه، فالتهديد بالحروب ما يزال ضمن قائمة أدواته، وهو ما يظهر بشكل جلي في إيران، وربما نيجيريا لاحقا، كما أن العقوبات الاقتصادية والرسوم الجمركية تلعب دورا، حينما لا يكون هناك إمكانية لفرض القوة العسكرية أو التهديد بها حال علاقته مع دول أوروبا، كما يستخدم التفاهمات والاسترضاء للتغيير والتقاسم، إذا كانت المشكلة أعقد من أن يتم حلها بالتهديد العسكري أو العقوبات الاقتصادية، كما يفعل مع روسيا حيث يمنحها الدونباس الأوكرانية ليضمن الهيمنة على بقية البر الأوكراني الواعد بكميات هائلة من المعادن النادرة.

لماذا يفعل ترامب ذلك؟ هو ببساطة سباق النفوذ مع الصين التي أخذت تتفوق في أكثر من مضمار وهناك تقديرات بأنها ستفوز في السباق، فترامب يريد تعطيل هذه الصيرورة عبر الإمساك بمفاصل الجغرافية المفيدة، ومن جهة أخرى وقف عجلة التراجع الأمريكي بل وتجديد التفوق الأمريكي عبر ضخ المزيد من عناصر القوة فيه.

x.com/ghazidahman1


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)