دشن الرئيس الأمريكي دونالد
ترامب "
مجلس السلام" الخاص بقطاع
غزة، واصفا إياه بأنه يضم "القادة الأفضل في العالم"، وأعرب عن رغبته أن
يصبح "من أهم الكيانات التي تم إنشاؤها"، جاء ذلك بعد كشفه توجيه دعوة
للرئيس الروسي فلاديمير بوتين للانضمام للمجلس، على نحو أثار استياء الحلفاء
الأوروبيين في الأطلسي (الناتو)، استياء عبرت عنه دول أوروبية صراحة برفضها الانضمام للمجلس كان على رأسها
فرنسا والنرويج والسويد، في حين تحفظت دول أخرى في الانضمام، معلنة أنها تدرس
الفكرة وعلى رأسها بريطانيا وألمانيا.
المجلس أثار امتعاضا فرنسيا، فهو يحرمها من حق النقض والاعتراض (الفيتو)
الذي تملكه في مجلس الأمن إلى جانب بريطانيا والصين وروسيا، مساويا باريس بدول مثل
رواندا والسنغال وجزر المحيط الهادي، مع ميزة تفضيله تشجيعيه تتيح لفرنسا امتلاك
عضوية دائمة حال مساهمتها بمليار دولار في العام الأول لتأسيس المجلس.
الامتعاض والتحفظ شمل بريطانيا التي لم يبق من إمبراطورتيها التي لا تغيب
عنها الشمس سوى حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن، وتحالفها مع الولايات المتحدة في
الناتو كعنوان للقوة والتفوق، فهي دولة نووية حالها كحال باكستان وكوريا الشمالية،
ودولة غنية كحال سنغافورة تستطيع امتلاك مقعد دائم في مجلس ترامب عبر تقديم مليار
دولار كمساهمة في عمليات المجلس ولجانه التنفيذية والاستشارية، بحسب الإعلان
التأسيسي الذي يراد له أن يكون بديلا عن ميثاق الأمم المتحدة ومؤسساتها.
الامتعاض والحذر الأوروبي عبر عنه غياب المشاركة الفاعلة والمؤثرة في حفل إطلاق
المجلس في دافوس السويسرية، إذ غابت بريطانيا وفرنسا وألمانيا ودول أوروبا الغربية،
في حين حضرت دول هامشية تبحث عن اعتراف دولي كجمهورية كوسوفو، أو دول أوروبية
صديقة لترامب كالمجر ( هنغاريا) التي يحتفظ رئيس وزرائها اليميني المتطرف فيكتور
أوربان بعلاقات قوية مع دونالد ترامب، في حين تمتاز علاقاته بدول الاتحاد الأوروبي
بالتوتر الممزوج بعقوبات فرضها الاتحاد الأوروبي على بلاده بسبب مواقفه في عدد من
القضايا الإشكالية، كما يجدر الذكر أن بلغاريا لم تغب، كون الرئيس التنفيذي لمجلس
السلام الخاص بقطاع غزة، نيكولاي ملادينوف، ينحدر منها، إذ لا يعقل أن تغيب بلاده ويحضر
وزير دفاعها وخارجيتها السابق عبر ترؤسه المجلس التنفيذي للسلام.
في المقابل، فإن الحضور العربي الممثل بالدول الثماني العربية والإسلامية
لم يكن العلامة الفارقة، كون هذه الدول شاركت في لقاء نيويورك مع الرئيس ترامب
للدفع باتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة في أيلول/ سبتمبر، كما وقعت اتفاق شرم
الشيخ لوقف إطلاق النار في قطاع غزة تشرين الأول/ أكتوبر من العام ذاته 2025، وهي
الأطراف المعنية بالاتفاق للمضي به قدما نحو إعمار وإغاثة غزة، وتعزيز مكانتها
الإقليمية.
المجلس بصيغته القائمة وتشكيلته الأولية لم تتجاوز 20 دولة من أصل 60 وجهت
لها الدعوة؛ يعتبر إحدى محطات التوتر والخلاف الأمريكية الأوروبية التي شجعت
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على التفاعل معها لكن بتحفظ وحذر، إذ أمر وعلى نحو
استفزازي للدول الأوروبية والناتو؛ وزارة الخارجية الروسية بدراسة الدعوة التي
تلقاها من نظيره الأمريكي دونالد ترامب للانضمام إلى "مجلس السلام"،
كاشفا مناقشة بلاده مع الجانب الأمريكي إمكانية توجيه أموال من الأصول الروسية
المجمدة لدى الغرب إلى "مجلس السلام" بهدف دعم الشعب الفلسطيني وإعادة
إعمار قطاع غزة خلال لقائه محمود عباس رئيس السلطة في رام الله يوم الخميس (22 كانون
الثاني/ يناير 2026).
التحرك الروسي يلقي كرة اللهب في الملعب الأوروبي الأمريكي، إذ جاء لإذكاء
المواجهة بين أوروبا وأمريكا على أمل أن تتحول الأصول الروسية المجمدة إلى ملف
امريكي أوروبي متفجر، في حين قدمت الصين نفسها كملاذ لدول أوروبا وجنوب شرق آسيا
والباسفيك من سلاح التعريفات والحروب التجارية التي يلوّح بها ترامب في وجه حلفائه
وشركائه الأوروبيين، فرغم تحفظها على مجلس السلام إلا أنها تستثمر فيه بطريقتها
الخاصة عبر تقديم بدائل لكندا وبريطانيا لتوقيع اتفاقات للتعاون والشراكة
التجارية، فاتحة شهية فرنسا التي دعا رئيسها إيمانويل ماكرون دول الاتحاد الأوروبي
للانفتاح على الصين وزيادة التبادل التجاري وتطوير العلاقات معها، ضمن شروط تحقق
التكامل والتوازن كما يراها.
روسيا والصين حولت مجلس السلام الأمريكي إلى مجلس الفرص لتفكيك التحالفات
والشراكات الدولية، إذ يفتح الباب لتمزيق التحالفات في المعسكر الغربي ويمهد لنظام
دولي جديد عبر مجلس انتقالي اسسه ترامب لا يستطيع ضمان بقائه كبديل للأمم المتحدة،
فهو مرحلة انتقالية وليس مجلسا دائما، كحال رئاسته لأمريكا من منظور صيني روسي
وعالمي أوسع.
ختاما.. روسيا تعمق الانقسام بين أمريكا وحلفائها، والصين تقدم البدائل
والخيارات، والقوى الإقليمية كتركيا السعودية وباكستان ومصر بل وإيران؛ تبحث عن
مكان بين الصدوع الدولية، في وقت يتقدم الرئيس الأمريكي بسرعة نحو مجلسه دون
مراعاة لمصالح حلفائه الاستراتيجية، ما يجعل منه مجلسا مؤقتا وانتقاليا تنتهي
فاعليته بانتهاء ولايته، أو خسارته الأغلبية في مجلس النواب والشيوخ، وفقدان مرشحه
المستقبلي للرئاسة جي دي فانس فرص الفوز. فالمعارضة لسياسات ترامب لا تقتصر على
أوروبا وشركاء أمريكا في كندا وأستراليا ونيوزلندا وكوريا الجنوبية واليابان، بل
وفي الداخل الأمريكي، ما عكسته تصريحات أبرز خصومه في أمريكا حاكم ولاية
كاليفورنيا غافن نيوسوم مؤخرا، كما عكستها التظاهرات في الشارع الأمريكي والتراجع
في شعبيته في العديد من الولايات، وهي حقيقة تتجنب مراكز استطلاع الرأي الكشف عنها
خشية الصدام المباشر مع ترامب بعد مرور عام كامل على رئاسته المتعثرة والمستنفرة
إعلاميا.
x.com/hma36