فلسطين الأرض والهوية

محمد علي صالح التايه.. مسيرة شاعر ومناضل فلسطيني ضد الاحتلال

محمد علي التايه ساهم في إحياء الحركة العمالية، وأسس أول جمعية عمال فلسطينية في طولكرم عام 1943
محمد علي التايه ساهم في إحياء الحركة العمالية، وأسس أول جمعية عمال فلسطينية في طولكرم عام 1943

لم يكن شاعراً فقط، مهمته تعبئة الجماهير، بل كان شاعراً صاحب موقف. لم يكن صحفياً فقط، يعتمد على التحليل ونقل المعلومات، بل كان مصدراً للمعلومات ومخزناً لها. لم يكن ناشطاً سياسياً من أجل منصب أو جاه، بل كان فاعلاً دفع ثمن نضاله. هو الشاعر المخضرم والمربي الفاضل والسياسي المناضل والمطارد والمعتقل والمنفي والوزير محمد علي صالح التايه.

 

فمن هو شاعرنا؟

 

ولد محمد علي صالح التايه "أبو عكرمة" عام 1907 في مدينة طولكرم ونشأ فيها. أنهى دراسته الابتدائية في المدرسة الفاضلية في المدينة، وفي المرحلة الثانوية التحق بالكلية الإسلامية في القدس وتخرج منها عام 1927.

 

وكان من أساتذة الفتى محمد علي صالح التايه كبار المعلمين في الكلية الإسلامية بالقدس من أمثال درويش المقدادي وعجاج نويهض وغيرهما. وفي هذه الأجواء، الثقافية والسياسية، تفتحت ونمت رؤيته السياسية واشتدّ عودها.

 

نشط في الكلية الإسلامية، وأسس خلال دراسته فيها "التجمع الطلابي الفلسطيني" عام 1925 الذي كان النواة الأولى لاتحاد الطلبة الفلسطينيين، وانتخب رئيساً له.

 

بعد تخرجه رحل إلى عجلون في شرق الأردن حيث عمل معلماً هناك، ومنها تحوّل إلى العمل الصحفي، فعمل في صحيفة "صدى العرب"، وأصبح رئيس التحرير فيها. لكنه أُوقف عن العمل وأبعد إلى فلسطين بسبب مقالاته الجريئة والناقدة للأوضاع، وخصوصاً ما يتعلق منها بالمعاهدة البريطانية الأردنية.

 

انتقل التايه إلى مدينة حيفا، قبيل إرهاصات المقاومة فيها، وعمل محرراً في صحيفة "الجامعة الإسلامية"، وكان يكتب في الصفحة الأولى سلسلة مقالات بعنوان "حديث إلى الشباب"، اتخذ منها منبراً لدعوة الشباب إلى الوحدة ومقاومة الاحتلال البريطاني والعصابات الصهيونية. وهي المقالات التي جُمعت لاحقاً بالعنوان نفسه.

 

كما كان معلماً في المدرسة الإسلامية التي كان يديرها الشيخ كامل القصاب (زميل الشيخ عز الدين القسام)، ثم ما لبث أن أسّس مدرسة خاصة عام 1933 أسماها مدرسة الاستقلال..

 

انتُخب نائباً لرئيس مؤتمر الطلبة العرب الأول الذي عُقد في يافا عام 1929، ثم انتُخب رئيساً للاتحاد خلال المؤتمر الثاني الذي عُقد في عكا عام 1930. وشارك في تأسيس حزب الاستقلال الفلسطيني، وكان من قادة الثورة. فاعتقلته السلطات البريطانية عام 1936، ونقلته إلى سجن عكا الكبير، وحكم عليه بالإعدام، ثم خُفِّف الحكم إلى 24 سنة قضى منها ست سنوات في سجن "المزرعة" بعكا. وأُفرج عنه عندما اندلعت الحرب العالمية الثانية، بقصد استمالة العرب.

 

لم يتوقف التايه عن نشاطه بعد خروجه من السجن، ففرضت عليه السلطات البريطانية الإقامة الجبرية في مسقط رأسه طولكرم، ثم نَفَته إلى غزة، ومنها إلى النقب.

 

ربطته علاقة قوية مع المحامي أحمد الشقيري، والشيخ عز الدين القسام، والشعراء عبد الكريم الكرمي وإبراهيم طوقان وعبد الرحيم محمود، والقيادات عبد الرحيم الحاج محم وفرحان السعدي، والكاتب المؤرخ أكرم زعيتر، وغيرهم..

 

بعد الحركة الطلابية، ساهم في إحياء الحركة العمالية، وأسس أول جمعية عمال فلسطينية في طولكرم عام 1943 وانتخب رئيساً لها، كما عمل عام 1947 مع الهيئة العربية العليا حيث كان رئيساً للجان القومية في الهيئة العربية العليا برئاسة الحاج أمين الحسيني، وانتُخب عضواً في المجلس الوطني الفلسطيني الأول المنعقد في غزة عام 1948. وعُيّن وزيراً للمعارف في حكومة عموم فلسطين عام 1948، ولكن الحكومة لم تستمر طويلاً.

 

هاجر إلى السعودية وعمل في الرياض مدة قصيرة. ثم عاد إلى فلسطين، وانتُخب عضواً في مجلس بلدية طولكرم أكثر من مرة، وعُيّن مديراً لمدرسة نور الدين زنكي بالمدينة حتى أُحيل إلى التقاعد في عام 1971.

 

وتوفي الشاعر محمد علي صالح التايه في 10 آذار (مارس) 1989 عن 82 عاماً. في طولكرم ودفن فيها.

 

عن شعره

 

كتب الشعر وهو فتى، وإذا صحَّت رواية أن ولادته كانت عام 1912 وليس 1907، يكون شاعرنا قد كتب الشعر باكراً جداً. فمن بواكير شعره، أنه في عام 1925، استقبل شاعر القطرين خليل مطران في مدينة طولكرم بقصيدة مطلعها:

 

فرضٌ عليَّ تحيةُ العظماءِ     ..      يا شاعرَ القطرينِ والشعراءِ

 

كتب محمد عمر حمادة عن شعره في موسوعة الأعلام "كتب الشعر في أغراضه المتعددة، وخاصة الشعر الوطني الذي كان يردِّده في كل مكان وزمان، فشعره حماسي يدور أكثره حول الكفاح الفلسطيني". وكُتب في معجم البابطين "أوقف شعره على الموضوع الوطني المناهض للاستعمار البريطاني الداعي لتصعيد الثورة واستمرار الكفاح، فجاءت قصائده انعكاساً للقضية الفلسطينية وتصويراً لكفاح شعبها وتضحيات شهدائها، مستمدة الكثير من معجم المقاومة، لغة وتصويراً وأسلوباً، ومدللة على موقف صاحبها من قضايا وطنه، في شعره جهارة ونبرة خطابية ومباشرة، استدعاها موضوعه الوطني".

 

يُحسب له أنه كان أول من وظَّف اسم الانتفاضة في الشعر الفلسطيني، فقال قبل مائة سنة في قصيدة له نظمها ضدّ "وعد بلفور" وألقاها في ذكراه السابعة عام 1924، فقال:

 

إنّـا سَنَحمي حِمــانـا بانتفاضَتِنا          ..             على عَدوّ غريبٍ طامعٍ أشِرِ

ونُنْقِذُ الأرضَ من أنيابِ مُغْتَصِبٍ       ..              ويعزِفُ البحرُ ألحاناً منَ السَّمَرِ

ونَسحقُ الظلمَ، نَبْني صَرحَ دولتِنا      ..              وتَزْدَهي القُدسُ في أثوابها النُّضُرِ

 

مؤلفاته

 

"مرافئُ العُمر"، ديوان شعر، يضم ما يزيد عن 38 قصيدة، نُشر عام 2016.

 

"حديث إلى الشباب"، سلسلة مقالات يومية.

 

كيف أرثيكَ يا أبا سلمى؟

 

يا أبا سلمى ويا خيرَ الصِّحابْ            ..               حسْبيَ اللهُ فقد جَلَّ الـمُصابْ

لستُ أدري بعد أن فارقْتَنا                ..               كيف أرثيكَ ودمعي في انْسِكاب؟

كيف أرثي الشاعرَ الفذَّ الذي             ..              ملأتْ أخبارُهُ كلَّ رِحاب؟

كيف؟ هل أسْطيعُ أن أرثي فتًى          ..              طاوَلتْ أشعارُه كلَّ سحاب؟

كان صِنْوَ الروحِ في عهد الصِّبا         ..             وأخا وُدٍّ وصدقٍ في الشباب

كان يرعاني إذا لاقيْتُه                    ..             ولكم يسألُ عني في الغياب

كان صِدِّيقًا وفِيّاً أبداً                      ..             وشريكًا في أمانيَّ العِذاب

كم شربتُ الودَّ في صُحبتِه               ..              صافيًا لذَّ على قلبي وطاب

وانتشَيْنا من لبانات الهوى              ..             وكرِهْنا بعدَه كلَّ شراب

يا أخا روحي لقد خلَّفْتني                ..              نِضْوَ هَمٍّ وأنينٍ وعذاب

أقفرَتْ بعدَك آفاقي وقد                  ..             خانني الشعرُ وجافاني الصواب

وحُرِمْتُ النومَ إلا غفوةً                 ..            كلُّها ذعرٌ، ولوْمٌ، وعتاب

وتولّى خافقي الحزنُ وكم              ..             خشعَ القلب أسِيفاً وأناب

موقفي صعبٌ، وكم من موقفٍ        ..              ليَ قد حَفَّتْ به كلُّ الصعاب

وبياني نال من إشراقِه                 ..              نبأٌ يعصِفُ بالصُّمِّ الصِّلاب

كان إن ناديتُه لبَّى النِّدا                ..             وإذا ساءلْتُه ردَّ الجواب.

*كاتب وشاعر من فلسطين


النقاش (0)
الأكثر قراءة اليوم