قضايا وآراء

النقابات الأمنية ودورها في استراتيجيات الحكم بعد الثورة بتونس

عادل بن عبد الله
عربي21

تصدير: "على المستوى السياسي، تحولت النقابات ببطء من الدعوة لأهداف محددة مثل مشروع قانون الشرطة إلى دعم أكثر عمومية للرئيس سعيد، وتراجع بعض الأنشطة بعد استدعاء الرئيس سعيد لسلطات الطوارئ في 25 جويلية 2021 (..) بالنسبة إلى الرئيس سعيد، إذن، يهدف توحيد النقابات إلى إنشاء كيان واحد يكون من السهل السيطرة عليه والاستحواذ عليه (..) سيكون (العمل النقابي الأمني) مشابها في بعض النواحي للاتحاد العام التونسي للشغل الذي كان قادرا على إدارته سياسيا" (من تقرير للمعهد الإيطالي لدراسة السياسة الدولية ISPI، الصادر في 2022).

لفهم الواقع التونسي في عهد "التأسيس الجديد"، سيكون علينا أن نرجع إلى المرحلة التأسيسية لما سُمّي بمسار الانتقال الديمقراطي في تونس، وتحديدا للمرحلة التي ورث فيها رموز المنظومة القديمة الحكم تحت شعار "استمرارية الدولة". فبعد تشكيل ما سُمّي بـ"الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة والإصلاح السياسي والانتقال الديمقراطي" برئاسة الدكتور عياض بن عاشور (وهو من المطبّعين مع النظام القديم رغم عدم تماهيه معه)، توافقت النخب السياسية على اختيار المرحوم الباجي قائد السبسي ليخلف السيد محمد الغنوشي في الوزارة الأولى.

وبصرف النظر عن الحسابات السياسية أو الإكراهات التي فرضت هذا الخيار، فقد ظهرت النقابات بالمرسوم الرئاسي عدد 42 لسنة 2011 المؤرخ في 25 أيار/ مايو 2011، أي في فترة سيطرت فيها رموز المنظومة القديمة على الحكم (رئيس الجمهورية المؤقت فؤاد المبزع، الوزير الأول المرحوم الباجي قائد السبسي، وزير الداخلية الحبيب الصيد).

لمّا كنا نعلم أن تونس كانت منذ الاستقلال دولة بوليسية لا دولة عسكرية (على عكس النظامين المصري أو الجزائري مثلا)، فقد حرصت المنظومة القديمة على السيطرة على وزارة الداخلية، وكان واضحا أن إعادة المطرودين من الأمن -حتى ممن تورطوا في قضايا حق عام-

لقد كان وكلاء المنظومة القديمة يشكلون المشهد العام ويحددون ملامحه الكبرى ليكون مجرد امتداد معدّل للجمهورية الأولى (بلحظتيها الدستورية والتجمعية)، تاركين "للثوريين" مهمة "تأسيس" جمهوريتهم الثانية بعيدا عن أجهزة الدولة، ودون أية قدرة على تغيير رساميلها البشرية أو ترساناتها التشريعية. ولمّا كنا نعلم أن تونس كانت منذ الاستقلال دولة بوليسية لا دولة عسكرية (على عكس النظامين المصري أو الجزائري مثلا)، فقد حرصت المنظومة القديمة على السيطرة على وزارة الداخلية، وكان واضحا أن إعادة المطرودين من الأمن -حتى ممن تورطوا في قضايا حق عام- وكذلك تعيين السيد الأزهر العكرمي مكلّفا بملف الإصلاح في وزارة الداخلية (وهو من المقربين من رموز المنظومة القديمة حتى وصفه الشهيد شكري بلعيد بـ"المخبر الصغير")، لا علاقة له بإصلاح المنظومة الأمنية أو تفكيك منظومة الاستبداد وبناء أمن جمهوري، بل كان يهدف أساسا إلى التحكم في "البناية الرمادية" وجعلها خارج سيطرة المشرفين على "الانتقال الديمقراطي"، بل جعلها حليفا موضوعيا لاستراتيجيات المنظومة القديمة في إعادة التموقع والانتشار ضمن "سردية الثورة".

خلال حكم "الترويكا" وتولي القيادي النهضوي السيد علي العريض منصب وزير الداخلية، لم يتغير المشهد الأمني في تونس. فقد حاولت النهضة السيطرة على الوزارة دون الدخول في مواجهة مفتوحة مع النقابات الأمنية، بل إنها خضعت لابتزاز تلك النقابات وانفلاتها الأمني والإعلامي، فقد صار النقابيون الأمنيون رموزا إعلامية يعوضون وزارة الإشراف ويتحدثون باسمها. لقد حال ملف الإرهاب والتهديد السلفي، ومن بعدهما ملف الاغتيالات السياسية، دون قدرة النهضة على إحداث أي إصلاح أمني، بل حال حتى دون إنقاذ بعض المنتمين إليها من المضايقات الأمنية التي أضيفت إلى المضايقات النقابية والإعلامية.
النهضة كانت عاجزة جوهريا -حتى لو أرادت- عن الحد من "تغول النقابات الأمنية" بحكم التجاذبات السياسية والصراعات الهوياتية التي جعلت "العائلة الديمقراطية" تعلن دعمها اللاّ مشروط للنقابات في مواجهة ما أسموه بمشروع "أخونة الدولة". وقد أدى هذا الوضع بالنقابي الأمني إلى أن يتحول من "عون تنفيذ" إلى "رجل دولة"، أو إلى فاعل سياسي يستعير منطق اتحاد الشغل

ونحن لا نزعم وجود نية حقيقية لدى النهضة في تولي مهمة "الإصلاح" بعد أن قبلت بدخول الدولة بشروط المنظومة القديمة، ولكننا نزعم أن النهضة كانت عاجزة جوهريا -حتى لو أرادت- عن الحد من "تغول النقابات الأمنية" بحكم التجاذبات السياسية والصراعات الهوياتية التي جعلت "العائلة الديمقراطية" تعلن دعمها اللاّ مشروط للنقابات في مواجهة ما أسموه بمشروع "أخونة الدولة". وقد أدى هذا الوضع بالنقابي الأمني إلى أن يتحول من "عون تنفيذ" إلى "رجل دولة"، أو إلى فاعل سياسي يستعير منطق اتحاد الشغل ليعتبر أن دوره يتجاوز المستوى المطلبي المحض إلى دور "وطني" تحدده الأيديولوجيا في المستوى النظري (الدفاع عن النمط المجتمعي والتحالف مع "الديمقراطيين" ضد الإسلاميين)، ولكن توجهه واقعيا المصالح المادية الفردية والقطاعية.

سواء في مرحلة الترويكا أو في مرحلة "التوافق"، كانت أولويات الحكومة قد انتقلت من الإصلاح الأمني إلى تحقيق الاستقرار بضمان ولاء المؤسسة الأمنية وتطبيقها للتعليمات. وهو انتقال استفادت منه النقابات الأمنية لتحقيق مكاسب مادية ومكاسب سلطوية جعلتها تتحول إلى ما يشبه "الدولة الموازية" أو الجهاز المتمرد على مختلف السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية.
مشروع الرئيس لا يخرج عن استراتيجيات السيطرة التي مارستها كل الأنظمة الحاكمة بعد الثورة دون أن تكون جادة في إصلاح المنظومة الأمنية. فإذا ما كانت السيطرة قبل 25 تموز/ يوليو 2021 تقتضي السكوت عن تغول النقابات الأمنية، فإن مطلب السيطرة يقتضي الآن توحيد تلك النقابات والتخلص من قياداتها التي صارت تمثل تهديدا جديا لسلطات الرئيس

وكان عدد النقابات قد بلغ في مرحلةٍ ما 100 نقابة، بينما يبلغ عددها الآن حوالي 50 نقابة؛ أهمها ثلاث نقابات هي النقابة الوطنية لقوات الأمن الداخلي، ونقابة وحدات التدخل، والتحالف الوطني لنقابات قوى الأمن التونسية. ورغم "تفهم" النقابات الكبيرة لمشروع الرئيس في توحيد النقابات الأمنية، فإنها قد طرحت جملة من الشروط التي تجعل من تجنب الاصطدام بينها وبين رئيس الجمهورية أمرا مستبعدا. وليس أدلّ على ذلك من الصراع المفتوح الذي نراه منذ مدة بين وزارة الإشراف وبين النقابة الوطنية لقوات الأمن الداخلي؛ التي كانت من أكبر عوامل عرقلة الانتقال الديمقراطي والإصلاح الأمني وبناء أمن جمهوري.

ونحن لا نُذكّر بالدور التخريبي الذي قامت به أغلب النقابات الأمنية للانتقال الديمقراطي ولمشروع بناء المشترك الوطني لأننا ننوي الدفاع عن مشروع الرئيس لتوحيد النقابات الأمنية، كما أننا لا نذكر دورها في إسقاط أي مشروع لإصلاح المنظومة الأمنية وإخراجها عن دائرة التجاذبات السياسية وشبهات استغلال النفوذ (أي الفساد المالي) لأننا نصدّق أن توحيد النقابات الأمنية سيخرجها إلى فضاء "الأمن الجمهوري" وسيُبعد تونس كلها عن شبح "الدولة البوليسية".. إننا على يقين بأن مشروع الرئيس لا يخرج عن استراتيجيات السيطرة التي مارستها كل الأنظمة الحاكمة بعد الثورة دون أن تكون جادة في إصلاح المنظومة الأمنية. فإذا ما كانت السيطرة قبل 25 تموز/ يوليو 2021 تقتضي السكوت عن تغول النقابات الأمنية، فإن مطلب السيطرة يقتضي الآن توحيد تلك النقابات والتخلص من قياداتها التي صارت تمثل تهديدا جديا لسلطات الرئيس- المؤسس.

كان التعدد النقابي الأمني أمرا مفهوما في "الديمقراطية التمثيلية" وتنوع أجسامها الوسيطة، ولكنه كان أيضا مظهرا من مظاهر لامركزية السلطة أو ضعف الدولة، ولا يمكن لصاحب مشروع "التأسيس الجديد" أن يقبل بوجود سلطات موازية يمكنها أن تعطّل "مراسيمه" أو تعارض إجراءاته

لقد كان التعدد النقابي الأمني أمرا مفهوما في "الديمقراطية التمثيلية" وتنوع أجسامها الوسيطة، ولكنه كان أيضا مظهرا من مظاهر لامركزية السلطة أو ضعف الدولة، ولا يمكن لصاحب مشروع "التأسيس الجديد" أن يقبل بوجود سلطات موازية يمكنها أن تعطّل "مراسيمه" أو تعارض إجراءاته. ورغم دسترة العمل النقابي الأمني، فإن الرئيس يرى أن هذا العمل لا يجب أن يتجاوز المستوى المطلبي (المطالب المتعلقة بظروف العمل المادية واللوجستية فحسب)، ولا يُسمح للأمنيين -حسب المرسوم المنظم لعملهم- بـ"الإضراب عن العمل أو تعطيله بأي وجه".

وعندما نتذكر استمرار منطق التعليمات وغياب أي قانون أساسي لأمن جمهوري بالمعنى الحقيقي للكلمة، فإنّ عملية التوحيد لن تكون أداة لإصلاح المنظومة الأمنية وعقيدتها، بل ستكون أداة لضمان السيطرة على آلة القمع المادي بعد النجاح جزئيا في تدجين الإعلام وبناء أداة القمع الأيديولوجي.

وبصرف النظر عن موقفنا الشخصي من هذا المشروع السُّلطوى، فإننا نراه أمرا حتميا بحكم التحديات التي ستواجهها المنظومة الحاكمة -بدستورها ومراسيمها وما تبقى من خارطة طريقها- في صورة اتساع الهوة بين وعود الرئيس من جهة أولى، وبين انتظارات عموم المواطنين وواقعهم الاقتصادي المفتوح على أكثر من احتمال كارثي من جهة أخرى.

 

 

twitter.com/adel_arabi21
النقاش (0)