قضايا وآراء

مرسوم قيس سعيد حول الإشاعة والإعاقة الأخلاقية

بحري العرفاوي
عربي21

نشر قيس سعيد مؤخرا في الرائد الرسمي التونسي المرسوم عدد 54 لسنة 2022 المؤرخ في 13 أيلول/ سبتمبر 2022، والمتعلق بـ"مكافحة الجرائم المتصلة بأنظمة المعلومات والاتصال". وقد أثار هذا المرسوم ردود فعل قوية ضده، صدرت عن أحزاب وجمعيات ومنظمات حقوقية وشخصيات وطنية، واعتبره معارضو سعيد أسوأ إجراء على الإطلاق لما فيه من تهديد للحريات العامة والخاصة، خاصة أن الرئيس سعيد عودنا على أنه هو من ينفرد بتأويل القوانين والمراسيم.

وقد نص الفصل 24 من المرسوم على أن "يعاقب بالسجن مدة خمسة أعوام وبخطية قدرها 50 ألف دينار (16 ألف دولار أمريكي)، كل من يتعمد استعمال شبكات وأنظمة معلومات واتّصال لإنتاج أو ترويج أو نشر أو إرسال أو إعداد أخبار أو بيانات، أو إشاعات كاذبة أو وثائق مصطنعة أو مزورة أو منسوبة كذبا للغير، بهدف الاعتداء على حقوق الغير أو الإضرار بالأمن العام أو الدفاع الوطني، أو بث الرعب بين السكان. ويعاقب بنفس العقوبات المقررة بالفقرة الأولى كل من يتعمد استعمال أنظمة معلومات لنشر أو إشاعة أخبار أو وثائق مصطنعة أو مزورة، أو بيانات تتضمن معطيات شخصية، أو نسبة أمور غير حقيقية بهدف التشهير بالغير أو تشويه سمعته أو الإضرار به ماديا أو معنويا، أو التحريض على الاعتداء عليه أو الحث على خطاب الكراهية".

عادة القوانين والمراسيم تُصاغ جميلة ومغرية، حتى وإن كان واضعها مستبدا طاغية، بل إن أشد الأنظمة استبدادا هي التي تتخفى وراء شعارات جميلة وأهداف مقدسة، وهي التي تبرر جرائمها بالمصلحة العامة والسيادة الوطنية وشعارات الثورة والسلم الأهلي ومقاصد الأديان.

أشد الأنظمة استبدادا هي التي تتخفى وراء شعارات جميلة وأهداف مقدسة، وهي التي تبرر جرائمها بالمصلحة العامة والسيادة الوطنية وشعارات الثورة والسلم الأهلي ومقاصد الأديان

نظريا، لا أحد ينكر وجود أزمة قيم في المجتمع، خاصة على شبكات التواصل الاجتماعي، حيث إن الكثيرين وهم يجلسون وراء الحاسوب أو يمسكون بهواتفهم يستسهلون استعمال مفردات مؤذية محقرة وساخرة، ولا يبالون بأعراض الآخرين وكرامتهم، وهم ينسبون إليهم تهما ويصمونهم بصفات وألقاب تحط من شأنهم وتضعهم موضع التندر واللمز والتفكه.

لقد استفاد الكثيرون من الحرية ليمارسوا كثيرا من العبث واللغو والاعتداء دون وازع أخلاقي أو رادع قيمي، ودون وعي بالآثار السلبية لعبثهم ذاك، عبث كثيرا ما يتسبب في تخريب عائلات وفي إصابة ضحاياه بتعقيدات نفسية وذهنية.

ولكن السؤال: هل يمكن معالجة الإعاقة الأخلاقية بالمراسيم وبتشديد العقوبات؟ هل يمكن تغيير القيم والذائقة والأخلاق بقبضة السلطة الحديدية؟

إن ما تنتجه الحرية من انحرافات لا يعالج بمحاولة "منع" الحرية، وإنما يعالج بمزيد الحريات حين يتولى المجتمع الحر معالجة عيوبه وإصلاح أخطائه وتقويم انحرافاته عن طريق نخبته الفكرية والسياسية والدينية والإعلامية.
نرى رئيسا لا يكف عن نشر الإشاعات وعن اتهام معارضيه بما يمس من كرامتهم وسمعتهم، بل إنه مارس التحريض على العنف في أكثر من خطاب، تحت عنوان "الشعب يريد" وتحت شعار "التطهير"

في رسالته إلى السلطان العثماني كتب مصطفى فاضل باشا سنة 1866: "الحرية هي أول مُربّ للأمم، وهي تخلق كل مُرَبّ عداها، وما من مُربّ يسد مَسدّها". إن المجتمعات تحتاج جهد علمائها ومصلحيها ونخبتها؛ لمعالجة أعطابها وتنمية وعيها وتهذيب ذائقتها وإشاعة الفضيلة والمحبة بين أفرادها.

تحتاج المجتمعات أساسا رموزا تتمثل القيم والمبادئ، وتكون قُدوة أخلاقية يتأسى بها عموم الناس ويتخذون منها مثالا، فقد عرفت المجتمعات التي غادرت منطقة التخلف قيادات سياسية وفكرية ودينية كانت أسوة، وتعاملت مع الأزمات والمشاكل بحكمة وصبر وكثير من الحب ورحابة الصدر.

وهنا يحق لنا أن نسأل: هل يمثل قيس سعيد قدوة أخلاقية للتونسيين؟

مع الأسف، نحن نرى رئيسا لا يكف عن نشر الإشاعات وعن اتهام معارضيه بما يمس من كرامتهم وسمعتهم، بل إنه مارس التحريض على العنف في أكثر من خطاب تحت عنوان "الشعب يريد" وتحت شعار "التطهير". إنه لم يتحدث يوما عن التضامن بين التونسيين ولا عن قيم المحبة والتواضع والتسامح، إنه لا يتكلم إلا عبوسا متوعدا متجهّما، ولو لم يكن الشعب التونسي شعبا متجانسا حضاريا وعقديا، ولو لم يكن طبعه هادئا مسالما، لدفعته خطابات سعيد التحريضية إلى العنف والاقتتال.
أسلوب التعامل مع الأستاذ راشد الغنوشي في أثناء دعوته في ملف "التسفير"، كشف عن أزمة أخلاقية عميقة تعانيها غرفة الانقلاب

تعويل قيس سعيد على تطويع القضاء وعلى جر خصومه أمام المحاكم وعلى توجيه التهم وتقليب الملفات، لن يُخرجه من ورطته التي هو فيها، فقد عجز عن الإيفاء بوعوده ولم ينجز إلى الآن شيئا غيرَ إصدار المراسيم ومهاجمة معارضيه. وهو كلما اشتد عليه الخناق الاجتماعي سارع لخنق معارضيه إشباعا لغريزة الانتقام لدى الكثير من أنصاره. لقد تم التنكيل بأهم الشخصيات السياسية والنضالية في البلاد، بداية من اختطاف وزير العدل السابق نور الدين البحيري، مرورا باختطاف أول رئيس حكومة بعد 2011، وانتهاء بإيقاف علي العريض؛ وزير الداخلية ورئيس الحكومة الأسبق.

أسلوب التعامل مع الأستاذ راشد الغنوشي في أثناء دعوته في ملف "التسفير"، كشف عن أزمة أخلاقية عميقة تعانيها غرفة الانقلاب، لقد تم إرهاق الرجل وإنهاكه بتركه ينتظر أكثر من 12 ساعة دون سماعه ودعوته للعودة في يوم لاحق.

تطبيق القوانين والمراسيم لا يحتاج سلطة متعجرفة، إنما يتطلب تشبعا بروح القانون وممارسات متحضرة تعبر عن روح الدولة وعقلها ومدنيتها، وإنما يتجسد عقل الدولة في رئيسها، فهل يمثل قيس سعيد مثالا جيدا يقتدي به عموم الناس في علاقتهم بعضهم ببعض، وفي إدارة خلافاتهم؟

 

twitter.com/bahriarfaoui1
النقاش (0)